| جمال الغيطاني |
طبقا للتصور المصري القديم، كان الإنسان يمثل أمام محكمة قضاة الأبدية بعد انتقاله من الحياة إلى العالم الآخر، حيث الاله أوزير، «إله الموتى المقدس»،** كان الإنسان يمر أمام أربعين قاضيا، ويقر بما فعله وما لم يفعله من أمور شريرة في الحياة الدنيا.
يقول مثلا:
أنا لم أسرق
أنا لم أزن
أنا لم أؤذ رجلا كهلا
غير أن أهم ما كان يجب أن ينطق به، ذلك الإقرار: أنا لم ألوث ماء النيل.
النيل، النهر الذي يتخلل الصحراء، مقدس، معبود، كان يُرمز إليه بالإله حابي، ما ترتب على وجوده من مظاهر أدى إلى إمعان الفكر، حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة، من أين بدأت، إلى أين تمضي، ما أصلها؟
كل عام، في توقيت معلوم تختفي أرض مصر المزروعة في لجة من المياه، ثم لا تلبث أن تنحسر عنها رويدا، رويدا، هكذا تصور المصري القديم أن الأرض ظهرت من الماء، اليابسة، وجودها مترتب على الماء، الماء إذن أصل، منه ظهر التل الأزلي القديم أول ما ظهر، موقع مرتفع اسمه «نون»، منه بدأ العالم، إنه التل الموغل في القدم، التل المزدهر الذي ظهر في أول العصور، وحددوا مكانه في مواقع مختلفة من أرض مصر، فوقه ظهرت المعالم الأولى للحياه، استقرت فيه الضفادع والثعابين.
وهي من الكائنات التي تتفق مع ما يغمر المكان من ظلام ورطوبة، ثمانية مخلوقات، ولاتزال في مصر مدينة تسمى «أشمون» بصعيد مصر، أي الثمانية، فوق التل استقرت أيضا بيضة طائر مائي، خرجت منها أوزة استحال بخروجها الظلام الدامس إلى نهار، إنها الشمس التي طارت مطلقة صيحة.
لذلك سميت: الصيحة الأولى الكبيرة، سطعت فوق الماء، فكان ذلك بمثابة الضوء الأول والصوت الأول الذي أضاء الظلام الدامس، في الوقت نفسه بدأ الصمت الأزلي، الصمت الممتد فوق سطح بحار وأنهار وعيون وآبار العالم.
إنه الماء، الماء المتدفق زمن الفيضان، التوقيت الذي نسج وشائج مصر بالكون، فمجيء الماء في زمن معين ارتبط بظهور نجم الشعرى اليمانية، وقاد ذلك إلى النظر في النجوم، إلى دورات الفلك، إلى نسج كل أساطير مصر القديمة التي لم تكن وقتئذ أساطير، بل كانت تفاصيل رؤية متكاملة للكون، للوجود.
الأرض قبل بدء وصول مياه الفيضان تكون متشققة، متشوقة إلى لقاح الماء، وإذ يبدأ، يغمر الشقوق، وتلين الأرض، تتخصب فينبت الزرع، إنها نظرة كونية عميقة.
لن أنسى وقوفي مذهولا، مأخوذا، أمام رسم جداري في إحدى مقابر الأقصر، تمثل الإله أوزيريس متمددا تحت مستوى سطح الأرض ومن جسده تنبت زهور اللوتس وسنابل القمح وشتى الأشجار.
إنها عناصر الكون المتصلة، فليست الذرات المكونة لأجسادنا، أو النبات الذي نراه، أو الأرض، أو قطرات المياه، إلا الذرات المكونة نفسها لأقصى نجوم المجرات بُعدا عن كوكبنا، أدرك المصريون القدماء هذه الحقيقة الأولية، إنها الحقيقة التي أدركها المتصوفة في ما بعد، والرهبان المسيحيون، والشعراء العظام.
هذه اللوحة الجدارية لأوزيريس الذي لا نراه إلا ملفوفا في الكفن الموميائي الأبيض، مرصعا بشعارات القداسة، إنما تعبر عن تلك الرؤية الإنسانية العميقة لعناصر الوجود كافة، والماء عنصر البداية دائما.
كان العالم الذي ظهر من الماء وحدة واحدة، السماء والأرض متصلتان كانت إلهة السماء «نوت» مستلقية فوق إلهة الأرض «جب»، وهنا جاء إله الهواء، إله الفراغ «شو»، زج بنفسه بينهما ورفع السماء إلى أعلى، هكذا حملت «نوت» النجوم والشمس والقمر على جسدها، ويمكننا الآن أن نرى الإلهة نوت على أسقف المقابر وأغطية التوابيت من الداخل.