|كتب مدحت علام|

لم تكن أمسية تقليدية بقدر ما كانت أمسية أبصرنا من خلالها المتعة والابهار وحلقنا في أجوائها كي ننعم ببساتين الشعر المنتقى.انها أمسية «أنا» تلك التي أعدها وشارك فيها الكاتب يحيى طالب علي، بمشاركة في الأداء لكل من مساعد ومنيرة، وعلى ايقاع آلة العود عزفت أنامل فيصل المغربي.والأمسية أقيمت في رابطة الأدباء مساء الأربعاء الماضي، ليقول يحيى طالب في استهلاله التعريفي: «أمسية أدبية... لا تخرج عن كونها قراءة لنصوص أدباء معاصرين... ولكنها تخرج من قيد المنصة، إلى رحابة المسرح... نقرأ بمشاعرها، بالصمت بين حروفها... بكل ما احتواه الحرف من مشاعر، نصوص تبعث لقارئها رسائل من كتابها عنهم، نصوصا تبشر، تتبنى وتبكي».وانفرج فضاء المسرح عن لوحة سوداء معلق عليها صور الذين وقع عليهم الاختيار لقرائه قصائد أو نصوصهم: ليلى العثمان، محمود درويش، نازك الملائكة، جبران خليل جبران، وقاسم حداد.وتأخذنا مقطوعات فيصل إلى التجربة، كي تسحب المشاعر حيث يريد الالقاء الشعري الذي تناوله صوتان: منيرة ومساعد، وحينما تقرأ الأولى يقف الثاني ووجهه للوحة السوداء، وظهره للجمهور، والعكس، ومن ثم كان التباري مبهرا بين أداءين، وموسيقى، وتقديم.وبعد تفجر العود بين أنامل فيصل بمقطوعة حزينة يأتي صوت منيرة معبرا، ومؤديا لقصيدة «مرثية امرأة لا قيمة لها»، للشاعرة نازك الملائكة:ذهبت ولم يشحب لها خد ولم ترجف شفاهلم تسمع الأبواب قصة موتها تروى وتروىلم ترتفع أستار نافذة تسيل أسى وشجونالتتابع التابوت بالتحديث حتى لا تراهإلا بقية هيكل في الدرب ترعشه الذّكرثم لحظة صمت كي تنهمر الموسيقى عزفاً مؤثراً ليقف مساعد... قارئا قصيدة «فكر بغيرك» للشاعر محمود درويش:وانت تعد فطورك فكر بغيركلا تنس قوت الحماموانت تخوض حروبك، فكر بغيركلا تنسى من يطلبون السلاموانت تسدد فاتورة الماء، فكر بغيركمن يرضعون الغماموانت تعود إلى البيت بيتك، فكر بغيركلا تنس شعب الخيام.ومن محمود درويش تأخذنا منيرة عبر أجواء أخرى لتقرأ قصصاً قصيرة لليلى العثمان تلك التي استلهمت رؤاها من الإنسان، وبقدر وفير من الصدق والالتقاء مع الواقع بكل أشكاله.ويقرأ يحيى نص «النبي» لجبران خليل جبران:... ثم قال له رجل: هات حدثنا عن معرفة النفس.فأجاب قائلاً:ان قلوبكم تعرف السكينة أسرار الأيام والليالي.ولكن آذانكم تتشوق لسماع صوت هذه المعرفة الهابطة على قلوبكم.غير أنكم تودون لو تعرفون بالألفاظ والعبارات، ما تعرفونه بالأفكار والتأملات.و«هكذا قالت الشجرة المهملة» قصيدة للشاعر محمود درويش أداها مساعد:خارج الطقسأو داخل الغابة الواسعةوطنيهل تحس العصافير أنيلهاوطن أو سفر.إنني انتظرفي خريف الغصون القصيرأو ربيع الجذور الطويلزمني.ومن خلال مقطع موسيقي شيق يأتي صوت مساعد قارئاً «شك الشمس» للشاعر قاسم حداد:عندما تكون على مشارف الخمسينوتجد نفسك واقفاً بيدين فارغتين امام مستقبل غامض بالكاد يبدأ مكتظا بالمحتملات الكئيبة فتبدو كمن قطع الطريق كله، من ذلك الأمل ليصل إلى هاوية.ويفتحفلا تجد غير السديم.وتتغير المشاعر من «شك الشمس»، إلى رؤى أخرى... فتضعنا منيرة من خلال القائها الهادئ مع التجربة التي رتبتها نازك الملائكة في قصيدة «غرباء»:اطفئ الشمعة واتركنا غريبين هنانحن جزءان من الليل فما معنى السنا؟يسقط الضوء على وهمين في جفن المساءسميت نحن وادعوها أنا:مللاً نحن هنا مثل الضياء.ان الأمسية عبرت بشكل حقيقي عن المعاناة تلك التي أخذت عنواناً خادعاً «أنا» كي يتضح اننا أمام تجارب أدبية تتحسس آلام الآخرين، وأن «أنا» ما هي إلا نحن أو الآخر، الذي يوضع في مقام الذات، استغراقاً في المحبة، والاحساس بمعاناة الآخرين.ولقد كانت شهادة جميع الأدباء في مصلحة مثل هذه الأمسية التي حادت عن المألوف والتقليد، وجاءت في صورة مبهرة ليقول الشاعر علي السبتي عنها: «انها أمسية متجددة كسرت حدة المألوف وارتقت بمشاعرنا. وبخاصة ان الجمهور الذي حضرها كان مبهوراً خلال وقت اقامتها».