| اعداد - طارق ضاهر ومفرح حجاب |
نعرفهم عبر صفحات وشاشات ومواقف... دخلوا التاريخ فسجّل لهم وشهد عليهم. هم مشاهير كل في مجاله، السياسي، الفني، الأدبي وحتى الديني**، قلّب الكاتب سامي كمال الدين في أوراقهم «الخاصة» جداً، ليعرّفنا الى الوجوه الأخرى «الحقيقية» لكل منهم... فكانت «رسائل المشاهير» الباب لنكتشف ما لم يكن يخطر في البال يوماً.
أسماء كثيرة تحملها صفحات كتاب كمال الدين... وان كانت «الأوراق» - كما أحبّ أن يصنّف أبوابه - مختصرة في 8 شخصيات، الا أنها تحمل أسماء الكثيرين ممن لعبوا دوراً في حياتهم.
في حلقات متتالية، سنكتشف معاً رسائل بعضها بخط اليد، والبعض الآخر مطبوع، لكل من الرئيسين المصريين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، رئيس المخابرات المصرية السابق صلاح نصر، سعاد حسني، احسان عبدالقدوس، ماجدة، الشيخ محمد رفعت، الشاعر أمل دنقل، روز اليوسف، يوسف صديق، يوسف وهبي ومحمد كريم وغيرهم.
رسائل قد تغيّر في مفاهيم كانت راسخة في ذاكرة الكثيرين، كاشفة عن طفل ربما داخل أقسى الشخصيات، وعن مرارات وعذابات رغم الابتسامات الدائمة... فبين اليد والقلم والورقة، تنشأ علاقة لاارادية من الواقعية.
تتطوّر الأحداث في الحلقة الثانية من حياة ورسائل المخرج محمد كريم، خصوصاً لناحية علاقته بصديق الطفولة ورفيق الدرب يوسف وهبي. إذ إن الصدمة تكمن في الاتهام الذي وجهته ابنته ديانا إلى وهبي بأنه «ضحك» على والدها ولم يعطه حقه المادي عن فيلم «أولاد الذوات»، ورغم ذلك عاد وتعاون معه لأن الماديات لا تعنيه بحسب قولها... ولذلك لن نعجب إن علمنا أن هذا المخرج مات فقيراً.
كان يتمنى كريم تصوير «زينب» في كفر غنام مسرح الحدث الحقيقي لكنه لم يجد المناظر التي تصلح للسينما ما جعله يصور الفيلم في إحدى قرى الفيوم، ويختار شجرة جميز بالمرج كالتي كان يلتقي تحتها العاشقان في كفر غنام.
وهناك قصة طريفة يرويها كريم توضح إلى أي مدى تأخر العقول وأسلوب الحياة والبيئة وقتها حيث يقول: «كنا مرة في الطريق الزراعي، حين شاهدت منظراً رائعاً لفلاح يحرث الأرض مستعيناً بثورين تبدو عليهما علامات القوة، ففكرت في تصوير زكي رستم وهو يحرث، وذهبت إلى الفلاح وقلت له:
السلام عليكم
سعيدة
ليه ما بتقولش عليكم السلام؟
أصلكم خواجات
لا والنبي أنا مسلم واسمي محمد بس لابس البرنيطة من الشمس
وطلبت منه أن يسمح لزكي أن يمسك المحراث لتصويره وهو يحرث، وعرضت عليه عشرين قرشاً كأجر من هذه العملية البسيطة، فلم يرد عليّ، وانتحى جانباً مع بعض الفلاحين الذين كانوا قد تجمعوا حولنا في ذلك الوقت، وبعد المداولة اللازمة أصدر قراره بالموافقة وحضر «جاستون مادري» بالكاميرا... وتهيأ لإدارتها ولكن سرعان ما هجم عليه الفلاح صاحب المحراث ودفعه بعنف وقوة بعيداً عن الثورين، وقال في سذاجة:
«يا ناس حرام عليكم... أنتم عاوزين تموتوا لي الثورين اللي عايش على حسهم»
فأفهمته أنه لا خوف مطلقاً على ثيرانه وعرضت عليه زيادة الأجر إلى 50 قرشاً وبعد أن بدأ مداولاته ومشاوراته مع زملائه سمح بالتصوير.
وما كاد «مادري» يستأنف عمله حتى هجم عليه الفلاح الذي لم يثق بنا وحمله وقذف به بعيداً، وأمسك بمحراثه وقاد الثورين بعيداً عنا... فعدوت خلفه، وحاولت إقناعه وعرضت عليه جنياً كاملاً، ولكنه رفض قائلاً:
الجنيه بتاعك حايعمل لي إيه لما يتكهرب الثوران ويموتان؟!
... وتذكرني هذه العقبات بمفارقة حدثت بعد ذلك بربع قرن، وقد كنا نعمل في فيلم (زينب) الناطق.
كان ذلك سنة 1952 وكنت على جسر السكة الحديد في انتظار مرور القطار لتصويره ومرت علينا فتاتان قرويتان مليحتان... وما ان تفحصتانا حتى توقفتا وقالتا:
صورنا يا خواجة.
فقلت لهما مداعباً: تدفعوا كام؟
فقالت إحداهما: ندفع؟ ليه دانتوا بتشتغلوا سيما وبتكسبوا منها دواهي!!
حقاً لقد تغيرت الدنيا... وفتحت أبواب المجتمع في وجه السينما. أين هذا من ذلك الذي رأيناه عند مولد السينما المصرية؟
لقد أعد الكاتب الصحافي محمود علي جزءين لمذكرات محمد كريم في أسلوب رائع وجذاب فشبه محمد كريم بـ «جورج ميليسيس» المخرج العالمي... حيث يقول محمود علي: «كان رئيس تحرير صحيفة السينما الفرنسية يجتاز فناء محطة سكة حديد «مونبارناس» عندما سمع شخصاً ينادي آخر باسم «ميليسيس» فاقترب منه وقال له:
لا تؤاخذني يا سيدي لقد سمعت اسمك... فهل أنت قريب لجورج ميليسيس الذي كان يشتغل بالسينما قبل الحرب.
وأجاب الرجل:
بالتأكيد يا سيدي... بل أنا أقرب قريب له... لأنني أنا جورج ميليسيس!
لكن لا يمكن أن تظل هنا وأنت في سنك هذه...
(وكان قد اتخذ كشكاً صغيراً لبيع الحلوى بعد إفلاسه)
أنت فرنسي بارع... وشخصية معروفة في عالم السينما... سأشن حملة في الحال وأتعشم أن تكون لها نتائجها... انهال (بعد ذلك) الصحافيون والمصورون على ذلك الكشك... واستعاد ميليسيس شهرته وأمكن العثور على بعض أفلامه... وأنعم عليه بوسام الشرف وأعلن رئيساً لاتحاد السينما».
وهكذا محمد كريم الذي مات فقيراً... وهو أول عميد للمعهد العالي للسينما... هو الذي أسسه وبناه «فبراير عام 1959» واستطاع بجهده أن يجعل المعهد في تعداد المعاهد الدولية... كما أنه اختير مديراً عاماً للمهرجان الأفريقي الآسيوي الثاني للسينما بالقاهرة «فبراير 1960».
هذا الرجل الذي قدم «زينب» الصامت والناطق، وهو الفيلم الذي جرى تصويره وطبعه بماكينات شركة مصر، لكن الفيلم لم ينتج لصالح شركة مصر للتمثيل والسينما أو لصالح طلعت حرب كما أشيع، ولكن الإنتاج كان لرمسيس فيلم، وهي الشركة التي أسسها يوسف وهبي للسينما... وقد جعل تكلفة الفيلم ألفي جنيه وذلك بسبب تلوين جزء من الفيلم في باريس وتعب كثيراً حتى يخرج أعماله للنور.
وهو قيمة تستحق أن نلتفت إليها ونوافيها حقها من تكريم فهو من الرواد الأوائل للسينما المصرية... وإذا من الصعب أن نقول ان هذا هو بداية السينما المصرية، فقد اختلف المؤرخون في تحديد نشأة السينما في مصر، فهناك من يرى أنها أنشئت عام 1912 حين كانت هناك محاولات لعرض الجريدة المصرية في شوارع الاسكندرية، وهناك من يرى أنها بدأت عام 1917 بظهور فيلم «شرف البدوي» الذي شارك محمد كريم كممثل، كما شارك أيضاً في فيلم «الزهور القاتلة».
بعد غرس بذرة السينما المصرية جاء محمد كريم ليقوم بدور لم يتح لأحد القيام به لدرجة أن إبراهيم عبدالقادر المازني ظل يكتب عن «زينب» الصامت ثلاثة أسابيع متواصلة، كما كتبت عن الفيلم صحف: الفن المصري والمقطم والأهرام والبلاغ و«روزاليوسف» والدنيا المصورة والمصور ومصر الحديثة.
بعد فيلم «زينب» الصامت أخرج محمد كريم فيلماً عن (التعاون الزراعي) حيث كانت مصر وريفها بالذات في حاجة لمن يولد نوعاً من الوعي لدى الناس حول بناء ريف جديد، ومنع مصاصي الدماء الذي يقرضون الفلاحين بالربا.
كانت مدة عرض الفيلم 40 دقيقة، ونجح نجاحاً مذهلاً، حتى أن السفارة الفرنسية قدمت احتجاجاً للحكومة، فاستدعت لجنة حكومية محمد كريم وأجرت تحقيقاً معه وسألته:
• ماذا تعني بالخواجة الذي يأكل المكرونة ويقرض الفلاحين بالربا الفاحش؟
- أجاب كريم: أي أجنبي يحترف هذه المهنة الحقيرة.
• ألا تعني بأكل المكرونة رعايا إحدى الدول بالذات؟
- طبعاً لا... إن منظر المكرونة في السينما فوتوجنيك بالنسبة للأرز.
• ألا تعلم أنه لا يأكل المكرونة إلا رعايا هذه الدولة؟
- أنا شخصياً آكل المكرونة... ولا شك في أن كثيراً من المصريين يأكلونها... ولا شك أيضاً في أن كل الأجانب يأكلونها.
وبعد التحقيق سمح باستمرار عرض الفيلم ومضت عدة شهور حتى استلم محمد كريم أجره عن الفيلم وهو 210 جنيهات له كمخرج!
كان هذا الفيلم صامتاً أيضاً، إلى أن قرر يوسف وهبي إنتاج فيلم «أولاد الذوات» ناطقاً؛ بعد أن بنى ستوديو رمسيس بإمبابة، وسافر يوسف وهبي إلى برلين ومنها انتقل إلى باريس لرخص أسعار إخراج الأفلام هناك، وكان يكتب دوماً لكريم ولحقه بعد ذلك كريم وزوجته وتركا ابنتهما «ديانا» مع خالتها بالقاهرة... وفي حديثنا لاحقاً مع ديانا ستعرف معايشتها وآلامها في هذه الفترة.
وفي الحقيقة، أمامي الآن أربع روايات لهذه الفترة والفترات اللاحقة، الرواية الأولى مذكرات محمد كريم التي أعدها الناقد الفني محمود علي وصدرت في جزءين، ومذكرات كتبها محمد كريم بخط يده، وهي معي كاملة منذ طفولته وحتى رحيله، ومذكرات أملاها محمد كريم على محمد صبيح، وهي معي أيضاً بخط يد محمد صبيح، والرواية الرابعة هي «الصورة»... فلديّ صور هذه المرحلة، وأحاول أن أستنتج الأقرب للمعايشة الحياتية التي كان يمر بها كريم، حتى إننا نجد في فترة سفر كريم ليلحق بيوسف رواية مختلفة ترويها لي ابنته «ديانا، عما ذكره أبوها في مذكراته، وعما ذكره يوسف وهبي في مذكراته أيضاً وأعتقد أنها الأصدق فيما روت لأنها روت الحياة التي عاشتها في القاهرة، إذ روت جانباً عايشته نتعرض له قبل أن ندخل إلى عالم الرسائل حتى نفهم الكثير من هذه الرسائل ودلالاتها.
ديانا محمد كريم: يوسف وهبي ضحك على أبي...!!
والحكاية يا سادة أن كريم ورط يوسف و«جاستون مادري» المصور- في شراء متطلبات الفيلم من ديكور وإكسسوار وغيرهما، وكانت زوجته في برلين تزور أهلها، وبدأ تصوير الفيلم في باريس، لكن كريم أصيب بحمى وانفلونزا، ولم يجد بجواره سوى «مادري» الذي تكفل بعلاجه، وحين شاهد هذا الإعياء والتعب الذي ظهر على جسد كريم قال ما دري:
«سأتصل بيوسف وهبي كي نؤجل التصوير يومين أو ثلاثة إلى أن تسترد قواك»
نهض كريم مذعوراً من فراشه وقال لـ «مادري»:
كيف تؤجل التصوير. لا... هذا مستحيل... إنه أول فيلم ناطق أقوم بإخراجه ماذا سيقول الناس عني، سيقولون إنه تصنع المرض لأنه فشل، أنت تعرف الصحافة عندنا يا مادري، والجمهور، إنهم لا يرحمون، بل ماذا سيقول يوسف، وكل يوم يمضي يكلفه مصروفات باهظة، لا... لا...
أرفع عيني من على المذكرات لأصدم بيد ديانا تلوح بالنفي في وجهي:
لا... لقد ضحك يوسف وهبي على أبي، ولم يعطه حقوقه المادية، ثم إنهم حين أنتجوا فيلم (أولاد الذوات) سافر يوسف وهبي ثم أبي وأمي إلى باريس، وحكت لي أمي قائلة: سافروا إلى باريس لإنتاج فيلم (أولاد الذوات)، وظل إسماعيل وهبي المحامي شقيق يوسف في مصر وقد قال أبي لهم: اعطوا لابنتي ديانا الفلوس كمصروف شهري كي تعيش منها، لكنه لم يعطنا أي شيء، واضطرت خالتي إلى الاقتراض من أصحاب بابا القريبين جداً، وهذا لا يصح أن يقال ولكنها الحقيقة.
استدانت خالتي من الدكتور أحمد حسين، ومن الدكتور زكي طنطاوي، والدكتور فودة، وهم أصدقاء أبي، وقد كانوا معه في ألمانيا، ويعرفون أمي وأبي جيداً، هم أصدقاؤه، ولا دخل لهم بالسينما أو العمل فيها.
لقد كرر يوسف بك هذه الأفعال مع كثيرين من ممثلي المسرح وقالت لي ذلك أيضاً- مدام دولت أبيض الكلام لديانا ما عدا أمينة رزق فقد كان يعطيها أجرها، لأنها حبه الكبير.
وحين عادوا من باريس ذهبت والدتي ليوسف وهبي في مسرح رمسيس الذي كان في شارع عماد الدين وقالت له: كيف تفعل مثل هذه الأفعال؟!
وحين رجع بابا من باريس لم يعطه فلوساً، وماما هي التي سألت عن حق أبي، لأن أبي لم يكن يعنيه المال. فقال لها يوسف بك: هل معك عقد، هل لديك ما يثبت أنني لم أدفع له فلوساً، وهل لديك ما يثبت أني (لازم) أدفع له فلوساً؟!!
إن أبي أخرج فيلم «أولاد الذوات» ولم يأخذ مليماً واحداً... ثم إنني أعرف أنه لم يكن يدفع مرتبات الممثلين الذين كانوا يعملون معه... الله يرحمك يا طنط دولت... (تقصد دولت أبيض).
بالطبع استغربت كلام ديانا وسألتها: إذا من أين كان يعيش هؤلاء الممثلون؟
أجابت: يوسف كان غنياً جداً، ويرى أنه ليس (شغله) من أين يعيشون؟!
ولكن والدك تعامل مع يوسف بعد هذا الفيلم...؟!
قالت ديانا: لأن بابا كان مخلصاً له، لكن العلاقة صارت سطحية بعد صداقة عمر، وأتذكر أن ماما قالت لي إنهم كانوا في احدى المرات معزومين في الأوبرا، وجاء يوسف وهبي فتجاهلته والدتي ورفضت مصافحته، فقال لها أبي:
كيف تفعلين مثل هذه الأفعال، فقالت له: أنا لا أستطيع أن أنسى ما فعله معك.
يوسف بك كان (ماسك) في الفلوس (شوية)، وهذا لا ينفي أنه كان فناناً كبيراً... ومسرحياً عظيماً.
قبل رحيلها بأيام التقيت أمينة رزق في معهد ناصر لأعرف الحقيقة من وجهيها وأعرضها دونما تدخل مني، وجدتها في مستشفى معهد ناصر وبادرتها بسؤالي:
كانت بهيجة حافظ ويوسف وهبي ومحمد كريم خارج مصر لتصوير فيلم أولاد الذوات، وطلبك يوسف وهبي فوراً لتقومي بدور البطولة بدلاً من بهيجة... هل معلوماتي صحيحة؟
قالت السيدة أمينة رزق: بعد انضمامي لفرقة رمسيس، وبعد دورة من الزمان أصبحت بطلة فرقة رمسيس، وقدم يوسف مسرحية اسمها (أولاد الذوات)، وكانت أيامها عزيزة أمير في طلعتها الأولى فكان لها رونق كبير، فقال إنه سوف يستضيفها لتقديم مسرحية (أولاد الذوات) فمثلتها ونجحت نجاحاً كبيراً جداً، فأراد أن يقدمها في السينما عام 1931، وكنت قد حللت مكان عزيزة أمير في الفرقة فمثلت ذات الرواية على المسرح، لجأ يوسف وهبي إلى صديقه كريم، ذلك المخرج العظيم، وبدلاً من أن يقع اختيار محمد كريم في البطولة السينمائية على عزيزة أمير اختار بهيجة حافظ.
كانت السينما ما زالت حديثة العهد، فلم تكن هناك معدات، وكانت تعيش على الأفلام الصامتة، وعدم توافر المعدات دعا لأن يأخذ يوسف مجموعة الفيلم، ويذهبوا إلى فرنسا لتنفيذ الأجزاء الناطقة لفيلم «أولاد الذوات»، وحين ذهبوا إلى فرنسا لا أعرف ما الذي حدث بينهم وبين بهيجة حافظ، وأصروا على ألا تشارك في الفيلم، وفوجئت بأنهم أرسلوا لي لتقديم الدور، وقد قامت بهيجة حافظ برفع قضية عليهم وكسبتها.
وعن رؤية أمينة رزق لمحمد كريم كمخرج قالت: كان مخرجاً عظيماً، ومتفانياً ومخلصاً لفنه جداً، وكان دقيقاً جداً جداً جداً... في كل حركة، حتى لو أن هناك روباً غير مفرود بشكل جيد يرتديه أحدنا كان يصرّ على أن يأتي بنفسه ويفرده على الأرض، فكان في وقته لا مثيل له، إن أعمال كريم واضحة، وهو لا يحتاج إلى أي مدح مني.
وحتى لا يلتبس الأمر، ولكي لا يكون كلام سيدة الأحزان- أمينة رزق- في موضوع بهيجة حافظ واختلافها مع محمد كريم به حساسية لأحد هؤلاء الأشخاص فقد ذكر كريم في مذكراته التي صدرت عن كتاب الإذاعة عام 1972 الواقعة بقوله: «... كانت بهيجة حافظ تقوم بدور «زينب هانم» في أولاد الذوات والدور قوي من الناحية التمثيلية يحتاج إلى ممثلة قديرة. كنت قبل السفر إلى باريس، قد رشحت للدور عزيزة أمير... ولكن قامت في طريق هذا الاختيار عقبات أهمها أن ظروف يوسف العائلية كانت تحتم استبعاد عزيزة أمير، فاختاروا بهيجة حافظ دون أن أكون راضياً عن هذا الاختيار... لقد سبق لبهيجة أن مثلت دور زينب في فيلم زينب الصامت. وكنت أعرف مقدرتها التمثيلية... كما كانت إمكانات صوتها من عوامل معارضتي في اختيارها لتمثيل فيلم ناطق... وكانت سامحها الله لا ترتاح إليّ لأنها كانت تعتقد أن صرامتي وشدتي في العمل قسوة عليها وإساءة لها... من أجل هذا اشترطت ألا أتدخل في تعليمها الدور، ولا عملها كممثلة... وقد تولى إسماعيل وهبي المحامي تحفيظها الدور قبل سفرها إلى باريس وعندما بدأنا العمل قمت من جانبي باحترام شروطها فلم أتدخل بخلاف عادتي في تعليمها الحركات التمثيلية اللازمة للمشهد وعاملتها معاملة الممثلة الكبيرة القادرة على أداء أي موقف يطلب منها. كنت أجلس على كرسي بخلاف عادتي أيضاً وأوضح لها ما هو مطلوب منها وأترك لها حرية تمثيل الموقف بالأسلوب الذي يرضيها.
وكان المشهد من المواقف التمثيلية العنيفة... إذ إن (زينب هانم) كانت تفاجئ زوجها في العوامة متلبساً بخيانتها مع عشيقته «جوليا»... فلم تتمكن من أداء الموقف كما ينبغي فقد كان أداؤها دون المستوى الذي يتطلبه الدور من حيث قوة التعبير والأداء... بل إنها فضلاً عن هذا كانت تتلعثم وتخطئ في الحوار وكانت تنطق الألفاظ العربية محرفة... فكنت أقول:
ده غلط
إسماعيل بك علمني كده!
مش معقول يكون علمك كده...
وبعد مناقشات طويلة... طلبت من يوسف وهبي أن يحضر ليرى ويسمع.
وحضر يوسف ودخل حجرة مهندس الصوت (هي حجرة صغيرة كانت ملاصقة للبلاتوه ويفصل بينهما جدار زجاجي شفاف بحيث يسمع من يجلس فيها كل الحوار ويرى في الوقت نفسه كل ما يجري في البلاتوه) وبعد أن رأى... وسمع... همس في أذني طالباً تسجيل المنظر على عيبه.
ودارت الكاميرا... وقبل أن ينتهي المنظر وقعت بهيجة على الأرض مغمى عليها فحملتها بمعاونة زوجها «محمود حمدي» إلى غرفتها الخاصة.
وفي اليوم التالي ذهب يوسف وهبي لزيارتها في الفندق فقيل له إنها تركته... بعد ذلك علمنا أنها عادت إلى مصر. حيث رفعت قضية أمام محكمة عابدين تطلب فيها الحكم بإلزام يوسف وهبي أن يدفع لها باقي الأجر المتفق عليه في العقد ومصاريف العودة... ورد يوسف على هذه الدعوى بدعوى أخرى أمام محكمة مصر الكلية يطلب فيها الحكم بإلزام بهيجة حافظ وزوجها محمود حمدي متضامنين بأن يدفعا له ما سبق أن دفعه لهما تحت حساب العقد مضافاً إليه قيمة التعويض المنصوص عليه في العقد كشرط جزائي... وقد استغرق نظر الدعويين وقتاً غير قصير وتبودلت فيهما عدة اتهامات وأولتهما الصحافة اهتماماً كبيراً... ويعتبر أول نزاع بين ممثلة ومنتج في تاريخ السينما المصرية!
ويبدو أن السينما الناطقة منذ بدايتها والقضايا عامل مشترك وأساسي فيها.

في الحلقة المقبلة:

- راسله يوسف وهبي وطلب:
ابحث لي عن شغل وسأبيّض وجهك!
- وهبي في رسالة أخرى:
سلفني ألف ليرة يا كريم!
- تبرّع لاحتفالات العيد الفضي
لفرقة رمسيس كرمى لصديقه