| القاهرة - «الراي» |
قال الناقد الأسترالي بيل أشكروفت، الذي يعد أحد أهم رواد الدراسات ما بعد الكولونيالية في العالم ويعمل محاضرا بقسم اللغة الإنكليزية في** جامعة نيو ساوث ويلز بأستراليا، إن صوت النقد في الوطن العربي «جيد»، رافضا اتهامه بالتقصير، وقال إنه اتهام خاطئ.
وأشار أشكروفت، في حوار مع «الراي» في القاهرة، إلى أنه يهتم في أبحاثه بدراسة التأثيرات الثقافية التي أحدثتها الحقبة الاستعمارية على المجتمعات المستعمرة، وردود أفعال الثقافات المستعمرة حيال التحكم الاستعماري.
وشدد على أنه يهتم أيضا بدراسة المقاومة الأدبية والسياسية، وهو ما جعله واحدا من أكثر المؤيدين للقضية الفلسطينية.. «الراي» التقته في القاهرة، وكان لنا معه هذا الحوار:

- كيف تقرأ الأوضاع الثقافية في الوطن العربي، إذا ما قارنتها بمثيلتها في دول العالم المتقدم؟
• في البداية أود أن أقول إنه لا يمكننا الحديث عن وسط ثقافي عربي لأن الثقافة العربية بها اختلافات عديدة يختزلها مصطلح «الوسط الثقافي العربي»، فيوحي بأن الثقافة العربية هي ثقافة واحدة، وهذا غير صحيح؛ سأتحدث عن الوسط الثقافي المصري هنا وأنا ألاحظ أنه وسط حيوي حيث تعقد المؤتمرات حول النقد والأدب، وهناك حركة تجعله غنيا، وبالمقارنة بشكل عام بين ما يمكن أن نقول عنها الأوضاع الثقافية العربية، ومثيلتها الأوروبية فإن الرابط الأساسي بين الوسطين هو الصراع «العربي- الإسرائيلي» في فلسطين، وللأسف هذا الرابط الخلافي معقد، ورغم كثرة الحديث عن ضرورة حل هذه الأزمة باعتبارها الصلة التي تربط الوسطين، فإنه لا توجد مساعٍ حقيقية لإنهاء الأزمة، فإسرائيل هي حليف الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، لذا تعمل الأخيرة على حمايتها لأنها تخدم مصالحها.
- وكيف ترى الاتهامات للثقافة العربية، بأنها مصدر للعنف؟
• لا أنكر أن هناك اتهامات للثقافة العربية بأنها مصدر للعنف، وهو الاتهام الناتج من نظرة المستشرقين الأوائل الذين أتوا مع الاستعمار الأوروبي ونقلوا صورة مغلوطة عن الثقافة العربية، والحقيقة أن الثقافة العربية ثقافة متسامحة وغنية، واللغة العربية نفسها لغة رومانسية وشاعرية، أنا لا أقرأ العربية ولكني أعلم هذا؛ مع ذلك فإن اللوم لا يقع على المستشرقين المبكرين فقط، وإنما يقع على العرب أيضا، فهم لا يتكلمون لغة الآخر، عليهم أن يوصلوا ثقافتهم وآدابهم للآخر بلغته، وأبسط مثال على ذلك أن يحترموا الوافدين الأجانب إلى كل مؤتمراتهم، ويتم تحضير نسخ باللغة الإنكليزية من أوراق المؤتمر كي يستطيع الوافد أن يبدي رأيه في المؤتمر الذي يحضره، ويفهم مضمونه، ويفيد ويستفيد، لا أن يفيد فقط.
- النقد في العالم العربي متهم بالقصور، فكيف ترى النظرية النقدية في العالم العربي؟
• لقد قطعت النظرية النقدية العربية شوطا واسعا في مجال تطورها وتقدمها، وهذا جيد للغاية، وأنا أرى تقليدا قديما وهائلا للغاية في النقد الأدبي العربي ومعاصرا أيضا، ليست القضية أن النقد العربي قاصر ولكنه فقط لم يتم التواصل معه بشكل واسع خارج حدوده، ولم تتم ترجمته والتواصل به مع النظريات النقدية الغربية من خلال لغات أخرى غير العربية وهذا شيء استراتيجي ويمكن فعله عبر لغة عالمية كالإنكليزية مثلاً، ولكني أعتقد أن مستوى النقد في مصر والعالم العربي عالٍ، واتهامه بالتقصير خطأ ناتج عن الصور النمطية السائدة عن العالم العربي، فالشيء الوحيد الذي يحتاجه النقد العربي هو أن يتم التواصل معه.
- كيف تنظر إلى النظرية النقدية في سياق جنسياتها المختلفة، هل تتغير بتغير الجنسية؟
• أعتقد أنها نظرية نقدية فحسب، الأفكار لا جنسية لها، أفكارنا تأتي من أي مكان نحن نأخذ تلك الأفكار ونحولها، وبالتالي فالنظرية تصبح شيئا فشيئا أكثر عالمية، صحيح أن لدينا أنواعا معينة من النظريات نشأت في أماكن بعينها كالنظرية الشكلانية في روسيا، والنقد الجديد في الولايات المتحدة الأميركية، وما بعد البنيوية التي هيمن عليها الفرنسيون بكل تأكيد، ولكن الأفكار سرعان ما تخرج من نطاقها لتتحرك عبر الحدود، لأن لديها حياة وهي تكبر وتتوسع، وتنتشر كالنار في الهشيم، وما بعد الكولونيالية خير مثال على ذلك، فهي تتوسع في صيغ وسياقات مختلفة.
- كيف تقيم حال المقاومة الثقافة في العالم العربي؟
• المؤتمرات والفعاليات الثقافية الكبرى قد تكون مؤشرا جيدا على المقاومة الثقافية، ولكن السؤال: المقاومة الثقافة تجاه من؟ إن كان للآخر في الدول الأخرى غير العربية، فإنني أرى أن العرب فخورون بلغتهم، وهذا مصدر المشكلة، والطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها أن ينقلوا أفكارهم عن أنفسهم هي أن يتحدثوا للآخرين بلغاتهم التي يفهمونها؛ الأدب ما بعد الكولونيالي يهتم بهذه النقطة، لأن الناس المعنيين به يأخذون الأفكار المكتوبة بلغتهم ويحولونها من لغتهم الأم إلى لغة أخرى، وتظل مفهومة، أظن أن التحول الثقافي الذي أراه في الدول العربية يحتاج لأن يتم توجيهه بشكل أكبر إلى الآخر بلغته، اللغة العربية لغة عاطفية والناس يفكرون في اللغة العربية بطريقة تكاد تكون مقدسة، ولهم ارتباط عميق بها.
لكن هناك عنصرا جديدا في معادلة المقاومة الثقافية يمكننا الحديث عنه، ألا وهو الإنترنت الذي لم يعد مجرد وسيلة للتحرير أو الهيمنة، هو الآن يلعب دورا مهمًّا في تحرير مستخدميه، إذا ما التزموا بالحذر في التعامل معه، لأنه يضم الكثير من النفايات؛ بشكل عام ورغم كل ما يمكن أن نأخذه عليه أعتقد أنه الوسط الأكثر ديموقراطية في العالم الآن، وبهذا المعنى فهو أداة ووسيلة مفيدة لتحرير الأفكار، وهناك العديد من المدونات التي تقوم بدور هائل في مجال الأفكار عن المرأة والأقليات العرقية، وفي رأيي هو أداة مهمة للوقوف ضد الطغيان، ووسيلة للتفكير خارج الإطار الرسمي، أو خارج الصندوق كما يقولون.
- ما الكتب التي تحب قراءتها عن العربية؟
• أقرأ كتبا مترجمة لمحفوظ، وهو كاتب مهم للغاية، كذلك أقرأ للشاعر الفلسطيني محمود درويش بالطبع، فالأدب العربي المترجم له تأثير قوي، وهو أدب حي ينتشر وينمو الآن بشكل جيد؛ في مصر يمكننا قراءة الأدب بشكل ما بعد كولونيالي، فمصر مستعمرة بريطانية سابقة، صحيح أن أدبها الذي كتب في المرحلة الكولونيالية كتب منذ فترة طويلة ولكن هناك طرقا لقراءته أيضا، حيث توجد فيه قضايا ما بعد كولونيالية، وأعتقد أن ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية أصبح صيغة قوية من صيغ التعبير عن الذات، فالناس يفهمون من خلال هذه الترجمات الكثير من الأشياء عن المجتمعات العربية.
- كيف ترى الكتاب العرب الذين يكتبون بلغات غير العربية كآسيا جبار مثلا؟
• إنهم يقومون بعمل رائع، يحققون خلاله تواصلا أكبر مع الآخر بلغته، يمسكون بالخطاب المهيمن وهو الإنكليزية ويعبرون عن أنفسهم من خلاله، ينفتحون على العالم، وهذه طريقة هائلة للكتابة خارج الحدود، ولكن في المقابل لا يجب أن يتخذ المتحدثون بالعربية موقفا دفاعيا ضد هؤلاء أمثال آسيا جبار، فيرفضون الكتابة بغير العربية، لأنهم بالتأكيد سيغيرون رأيهم إذا ما اطلعوا على الدور الذي تحققه تلك الكتابات في تحقيق التواصل بين أناس مختلفين.