| كتب عبدالله متولي |
نظمت كلية الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت جلسة علمية حوارية بعنوان: «ازمة الحوار في المجتمع: نظرة شرعية مجتمعية»، وقد عقدت الجلسة يوم **الاثنين 4 فبراير في قاعة الدكتور خالد المذكور، بالكلية، وبدأت الجلسة في تمام الساعة التاسعة صباحاً واستمرت لثلاث ساعات حتى الثانية عشرة ظهراً.
وقد دارت الحوارات والنقاشات في الجلسة حول خلال ورقتي عمل، احداهما بعنوان (ازمة الحوار في المجتمع نظرة شرعية) قدمها الدكتور مجيد الخليفة من جمهورية العراق، اما الورقة الثانية، فكانت بعنوان (ازمة الحوار في المجتمع نظرة مجتمعية) للدكتور راشد سعد العليمي من دولة الكويت، وقد قام بالتعقيب على النظرتين الشرعية والمجتمعية - الدكتور محمد العقيل من المملكة العربية السعودية، في حين قام بإدارة الحوار الدكتور وليد محمد العلي الأستاذ بكلية الشريعة وإمام وخطيب المسجد الكبير.
وعلى هامش الجلسة تم عقد دورة تدريبية (في فن الحوار وحسن الاستماع) قدم حقيبتها الدكتور محمد العقيل من المملكة العربية السعودية وذلك على فترتين، الأولى كانت يوم الاثنين 4/ 2/ 2013 والثانية فكانت يوم الأربعاء 6/ 2/ 2013، ومن الساعة 12.30 الى الساعة 2 بعد الظهر في الفترتين.
الجدير بالذكر، أن هذه الفعاليات كما قال الدكتور وليد العلي، جاءت في إطار الدور التوعوي والتربوي والتثقيفي الذي تضطلع به مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة، وبحاجة المؤسسات التعليمية والتربوية، وتأتي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت على رأس هذه المؤسسات كونها تتناول قضايا المجتمع بشقيها المجتمعي والشرعي، لتجلية الحقائق. وبيان الأسس والقواعد والأصول السليمة في كيفية التعامل مع القضية المطروحة للبحث والنقاش، ومن ثم الوصول الى الأهداف الصحيحة والغايات المرجوة، وأنجع طرق العلاج لما طال هذه القضية من خلل قد يكون له تأثيرات سلبية على المجتمع بشكل عام أو بإحدى شرائحه.
لقد أحسن القائمون على كلية الشريعة صنعاً، وأصاب أصحاب الفكرة واختيار الموضوع، لأنهم اختار قضية الحوار لطرحها للنقاش من الجانب الشرعي والمجتمعي بشكل بحثي وعلمي رصين، لتوضيح كل ما يتعلق بهذه القضية من حيث تعريف الحوار تعريفاً علمياً ومنهجياً، وبيان أنواعه وأهدافه وكذلك آدابه، وأصوله، وتوضيح الكيفية الصحيحة التي تعامل بها القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة مع قضية الحوار التي انحرفت في هذه الآونة عن جادة الصواب، وقد تداخلت فيها المفاهيم بعدما انساق أطراف الحوار في كثير من الأحيان الى أهوائهم، وحاول كل طرف الانتصار للانتماء الفكري أو الأيديولوجي، وخرج الحوار عن مساره الصحيح بعد ان اختلفت لغته، وأصبح للألفاظ البذيئة والسباب والشتائم نصيب كبير على مائدة الحوار... بل إن الأمر قد تخطى هذا الحد ووصل الى التنابز بالألقاب وانتهاك الحرمات، واستباحة الأعراض... فكان كل ذلك - وأكثر منه - مدعاة للفرقة والخلاف والتنافر وشق الصف وتفرقة الكلمة... وهذه هي آفات ومعاول هدم بنيان الأمة واضعافها وجعله لقمة سائغة وسهلة المنال خاصة وأن المتربصين بها كثيرون، ومنهم ما هو معلوم ومنهم من هو يتخفى في انتظار اللحظة السانحة للانقضاض على الأمة... قال تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» وجاء أيضاً: «وكونوا عباد الله إخوانا»، فما أحوجنا في هذه الأيام الى حوار هادف وبناء يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يتخذ من الأخلاق والقيم الإسلامية الثابتة قواعد للانطلاق، حتى يصل الى تحقيق الغايات السامية والأهداف النبيلة، دونما تجريح في أحد، أو تقليل من شأن آخرين أو التعريض بسمعة فريق آخر... حتى نكون كما وصفنا ربنا جل وعلا في كتابه العزيز بقوله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس».

نظرة شرعية
كانت البداية مع النظرة الشرعية لأزمة الحوار من خلال الورقة التي قدمها الدكتور مجيد الخليفة والذي مهد لها بقوله: للحوار آداب يجب أن يتحلى بها الإنسان للتمهيد للحوار، وآداب عند البدء وآداب بين يديه، وغياب هذه الآداب يؤدي إلى ظهور الخلل في الكلام والأزمة في الحوار، وما وصلت إليه الأمة - أفرادا ومجتمعات تدهور في المناظرة يعود بالدرجة الأساس إلى غياب الفكر الصحيح الذي يبنى عليه الكلام والمبني على الاحترام، وهو في الوقت نفسه لا يحيد عن الحق ولا يماري الباطل.
ونجد الكثير من هذه الأمور الخلافية سبقهم إليها أئمة من ذوي الرواية والروية، ولا ينبغي أن يعيب مقلد على مقلد ولا مجتهد على مجتهد. ذلك أن سر خلود الإسلام هو الاختلاف المحمود الذي سيرد تفصيله. وإن الداء الأكبر الذي استشرى في زماننا، وأدى إلى ظهور كل هذه التناقضات هو غياب سنة الحوار التي أرى أنها أولى الأولويات وأهم المهمات.
فقواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو الرائد والمطلوب.
أما إذا كان الخلاف انتصاراً لأهواء سياسية وتعصباً أعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط، إذ إن الهوى ليس له ضوابط ولا موازين، ولذلك حذرنا المولى - عز وجل - من اتباع الهوى فقال سبحانه وتعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ» (القصص: 50).
إن البناء الفقهي الإسلامي العظيم لم ينشأ من فراغ، وإنما نشأ عن مناهج وأسس وضوابط وموازين علمية دقيقة اتبعها أصحاب المذاهب في الاستنباط والاستخراج.
لذلك فإن غياب هذه الأسس والمناهج في الحوار والاختلاف أوقعنا فيما نحن فيه.
ولا أحسب أن هذه الموضوعات نالت حظّاً وافراً من الاهتمام والتعليم سواء في المدارس أو الجامعات، مما جعل حوار المتعالمين كحوار الطرشان، ونشأ عن ذلك ما نراه اليوم من فتن وتيارات مختلفة متنافرة، فقد يختلفون حيث لا اختلاف، وقد ينزلقون وهم يعتقدون أنهم مصلحون، وإنما هم في الواقع مفسدون، كما قال الله - تعالى - في أمثالهم: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ» «أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ» (البقرة: 11، 12).
• أهداف الحوار ومقاصده
بعد التمهيد انتقل الخليفة إلى أهداف الحوار ومقاصده على النحو التالي:
إقامة الحجة: الغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي. والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.
الدعوة: الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس قال تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (النحل: 125).
تقريب وجهات النظر: من ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر.
كشف الشبهات والرد على الأباطيل، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، كما قال تعالى: «وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» (الأنعام:55).
• الأصول والقواعد التي تضبط مسار الحوار
الأصل الأول: الوصول إلى الحق: فلا بد من التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والمجادلة بالباطل. يقول الإمام الغزالي عند ذكره لعلامات طلب الحق: «أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق» (1).
الأصل الثاني: تحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار، فإن كثيراً من الحوارات تتحول إلى جدل عقيم سائب ليس له نقطة محددة ينتهي إليها.
الأصل الثالث: الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي: الكتاب والسنة، والضوابط المنهجية في فهم الكتاب والسنة. وقد أمر الله بالرد إليهما فقال سبحانه: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» (النساء: 59).
فالاتفاق على منهج النظر والاستدلال قبل البدء في أي نقاش علمي يضبط مسار الحوار ويوجهه نحو النجاح، إذ إن الاختلاف في المنهج سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة لا حصر لها ولا ضابط.
الأصل الرابع: عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق على الأصل فلا بد من البدء بالأهم من الأصول وضبطها والاتفاق عليها، ومن ثم الانطلاق منها لمناقشة الفروع والحوار حولها.
• الآداب النفسية للحوار
آدابُ الحوار النفسية هناك آداب تتعلق بنفسية المحاور وشخصه، وهناك ظروف نفسية قد تطرأ على الحوار فتؤثر فيه تأثيراً سلبيّاً، فينبغي مراعاة ذلك حتى يحقق الحوار غاياته ويؤتي ثمراته، وأهمها:
أولاً: تهيئة الجو المناسب للحوار فلا بد من الابتعاد عن الأجواء الجماعية والغوغائية، لأن الحق قد يضيع في مثل هذه الأجواء. كما ينبغي اختيار المكان الهادئ وإتاحة الزمن الكافي للحوار، كما ينبغي مراعاة الظرف النفسي والاجتماعي للطرف الآخر.
ثانياً: الإخلاص وصدق النية
لا بد من توافر الإخلاص لله وحسن النية وسلامة القصد في الحوار والمناظرة، وأن يبتعد المناظر عن قصد الرياء والسمعة، والظهور على الخصم والتفوق على الآخرين، والانتصار للنفس، وانتزاع الإعجاب والثناء.
ثالثاً: الإنصاف والعدل
من المبادئ الأساسية في الحوار: العدل والإنصاف، ومن تمام الإنصاف قبول الحق من الخصم، والتفريق بين الفكرة وقائلها، وأن يبدي المحاور إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة، ومن نماذج الإنصاف ما ذكره الله - سبحانه - في وصف أهل الكتاب: «لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ» (آل عمران:113).
رابعاً: التواضع وحسن الخلق: إن التزام الأدب وحسن الخلق عموماً، والتواضع على وجه الخصوص له دور كبير في إقناع الطرف الآخر، وقبوله للحق وإذعانه للصواب، فكل من يرى من محاوره توقيراً وتواضعاً، ويلمس خلقاً كريماً، ويسمع كلاماً طيباً، فإنه لا يملك إلا أن يحترم محاوره، ويفتح قلبه لاستماع رأيه. وفي الحديث الصحيح: « وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله» (مسلم). أي يرفع منزلته في الدنيا عند الناس، وكذلك يرفعه في الآخرة ويزيد من ثوابه فيها بتواضعه في الدنيا.
خامساً: الحلم والصبر: يجب على المحاور أن يكون حليماً صبوراً، لا يغضب لأتفه سبب، ولا ينفر لأدنى أمر، ولا يستفز بأصغر كلمة. فقد أمر - سبحانه - نبيه بأخذ العفو وإعذار الناس وترك الإغلاظ عليهم كما في قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ» (الأعراف: 199).
سادساً: الرحمة والشفقة: إن المحاور المسلم المخلص الصادق يحرص على ظهور الحق، ويشفق على خصمه الذي يناظره من الضلال، ويخاف عليه من الإعراض والمكابرة والتولي عن الحق.
والرحمة جسر بين المحاور والطرف الآخر، ومفتاح لقلبه وعقله، ويقول - سبحانه - مخاطباً نبيه: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران: 159).
سابعاً: العزة والثبات على الحق: إن المحاور المسلم يستمد قوته من قوة الدين، وعظمة الإيمان، فلا يجوز أن يؤدي الحوار بالمسلم إلى الذلة والمهانة. والعزة الإيمانية ليست عناداً يستكبر على الحق، وليست طغياناً وبغياً، وإنما هي خضوع لله وخشوع، وخشية وتقوى، ومراقبة لله سبحانه.
ثامناً: حسن الاستماع: لا بد للمحاور الناجح أن يتقن فن الاستماع، فكما أن للكلام فنّاً وأدباً، فكذلك للاستماع، وليس الحوار من حق طرف واحد يستأثر فيه بالكلام دون محاوره، ففرق بين الحوار الذي فيه تبادل الآراء وبين الاستماع إلى خطبة أو محاضرة.
تاسعاً: الاحترام والمحبة على رغم الخلاف: الخلاف أمرٌ واقع لا محالة، ولكن لا يجوز أن يؤدي الخلاف بين المتناظرين الصادقين في طلب الحق إلى تباغض وتقاطع وتهاجر، أو تشاحن وتدابر.
• آدابُ الحوار العِلمية
أولاً: العلم شرط أساس لنجاح الحوار وتحقيق غايته، ومن دونه لا ينجح حوار، ويهدر الوقت ويضيع الجهد. فيجب على المحاور ألا يناقش في موضوع لا يعرفه، ولا يدافع عن فكرة لم يقتنع بها، فإنه بذلك يسيء إلى الفكرة والقضية التي يدافع عنها، ويعرض نفسه للإحراج وعدم التقدير والاحترام.
ثانياً: البدء بالنقاط المشتركة وتحديد مواضع الاتفاق بين كل متناظرين مختلفين حد مشترك من النقاط المتفق عليها بينهما والتي يسلم بها الطرفان، والمحاور الناجح هو الذي يظهر مواطن الاتفاق. والبدء بالأمور المتفق عليها يساعد على تقليل الفجوة، ويوثق الصلة بين الطرفين، ويعيد الحوار هادئاً هادفاً.
ثالثاً - التدرج والبدء بالأهم: إن المحاور الناجح هو الذي يصل إلى هدفه بأقرب طريق، ولا يضيع وقته فيما لا فائدة منه، ولا علاقة له بأصل الموضوع، فمعرفة الأهم والبدء به يختصر الطريق.
وأوضح الأمثلة على ذلك بدء الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - بأهم قضية وأكبر غاية، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له: «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ» (الأعراف: 95، 65، 73، 85). قالها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام.
رابعاً الدليل: إن أهم ما ينجح الحوار هو الدليل، ولا بد من إثبات صحة الدليل، كما قيل: «إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل». ولا يحسن بالمحاور أن يستدل بأدلة ضعيفة أو حجج واهية.
خامساً - ضرب الأمثلة: إن المحاور الناجح هو الذي يحسن ضرب الأمثلة، ويتخذها وسيلة لإقناع محاوره، إذ إن الأمثلة الجيدة تزيد المعنى وضوحاً وبياناً، قال تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (الحشر:21).
سادساً - العدول عن الإجابة: إن الأصل في الحوار الناجح أن يبنى على الإخلاص والتجرد للحق والصدق والوضوح، ولكن قد تتعذر هذه الصفات في الخصوم، فقد يكون الخصم يهوى الجدال والمراء، ويقصد إضاعة الوقت والتهرب من الحوار الجاد، وقد يلقي أسئلة لا قيمة لها ولا تفيد شيئاً بالحوار. ففي مثل هذه الأحوال يعدل المحاور الناجح عن الجواب المباشر للسؤال المطروح، إلى جواب مفيد مهم.
سابعاً - الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ: إن من أهم الآداب والصفات التي يتميز بها المحاور الصادق أن يكون الحق ضالته.
ثامناً - التحدي والإفحام وإقامة الحجة على الخصم: إن الهدف من الحوار هو الوصول إلى الحق، فعلى المحاور أن يتجنب أسلوب الإفحام والإسكات، لأنه يترك في نفس المحاور حقداً وغيظاً وكراهية.

قواعد في أدب الاختلاف
أولا - أنواع الاختلاف: الاختلاف نوعان: اختلاف مذموم، واختلاف محمود:
- الاختلاف المذموم هو اختلاف تضاد، ويرجع إلى أسباب خلقية متعددة.
- الاختلاف المحمود: وهو اختلاف تنوع، وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد، ومن ذلك ما يعرف بالخلاف الصوري، والخلاف اللفظي، والخلاف الاعتباري. وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية، واختلاف وجهات النظر، في بعض القضايا العلمية، كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية. وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية، كالخلاف في بعض المواقف السياسية، ومناهج الإصلاح والتغيير، ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف. والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية.
لقد كان الخلاف موجوداً في عصر الأئمة المتبوعين الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم. ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم.
بل كان الخلاف موجوداً في عصر شيوخ الأئمة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار، بل كان الخلاف موجودا في عصر الصحابة نظراً لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص.
بل إن الخلاف وجد في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فأقره ولم ينكره، كما في قضية صلاة العصر في بني قريظة، وهي مشهورة، وفي غيرها من القضايا.
ثانيا: الاختلاف رحمة: الاختلاف مع كونه ضرورة، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها.
ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك.
ثالثا: الاختلاف ثروة: اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه، وينمو ويتسع، لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية. وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وإن تعدد المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره.
ويختم الخليفة ورقته بالقول: إن الخلل الذي نعاني منه في مجتمعنا الإسلامي لا يصلحه إلا التفاعل من خلال الحوار بعيداً عن القهر وتأليب جانب على آخر، والسلطة السياسية يجب أن تمثل دور الوازع الذي يقف عند تهيئة جو الحوار الهادف، والذي يحترم حريات جميع الفئات، حتى وإن كانت متحفظة عليها، ولا يمكن أن نتخيل عدالة اجتماعية من دون استقلال فكري ومذهبي، نعم ولا بد من أدب في الحوار يحترم فيه صاحب السلطة. إن الأمم التي بنت حضارتها أوجدت أماكن مناسبة للمفكرين والمثقفين بالقرب من السلطة، واستفادت منهم في حركة النقد الهادف فأصبحوا عماداً لها، ولم يكونوا حرباً عليها. فالكبت الفكري لا يضر المفكر والمثقف فقط، بل سيضرب في عنق النظام بعد أن يستفحل خطره، فزبد النصائح التي تبذل للمجتمع والنظم إن لم تجد طريقها إلى النور، ستجد طريقها إلى من يحملها في قالب عنيف ومفاجئ، فالفكرة المكبوتة قنبلة موقوتة.
إن منهج الجدل والحوار الإسلامي قادر على احتواء جميع الصراعات والاختلافات، فقد احتوى هذا المنهج الصراعات مع الأديان الأخرى وانتصر، واتسع فكيف لا يتحمل الحوار بين المسلمين؟ إن الفكر الديني المستنير هو ضرورة مهمة لأي بناء حضاري، ولن يكون هنالك فكر ديني مستنير إلا في ظل الحوار الإسلامي.

نظرة مجتمعية
وحول أزمة الحوار في المجتمع قدم الدكتور راشد العليمي ورقة عمل جاء فيها: مما لا شك فيه به أن قوام الحياة والسعادة فيها هو وجود اجتماع بين مجموعات بشرية، تنتظم في حياتها بترابط وتآلف وقانون، ويكون بين أفرادها معرفة الحقوق والواجبات التي تجعل الحياة واضحة ومنسجمة في التعامل.
ومن العوامل التي تيسر لهم معرفة حقوقهم وتجلب لهم السعادة حسن التفاهم هي قضية الحوار، ووضوح العبارات بينهم، وفطنة انتقاء الكلمات الدالة على المودة والرحمة بينهم.
والضد لذلك له واقعه المؤلم، وأثره الوخيم بين أفراد المجتمع حينما لا يتحقق بينهم الحوار وفق أطره المناسبة، وقنواته الكريمة الموافقة للشرع، ثم بما ساد بينهم من أعراف طيبة وحسن تواصل.
ويموج العالم بعدد من الأزمات التي تظهر بصور متعددة، فمنها المالي والاجتماعي والأمني، وغير ذلك، لكن كل هذه الأزمات ترجع إلى أزمتين بارزتين باعتقادي: أولاهما أزمة الفكر.. وثانيهما أزمة الحوار، ولثقافة المجتمع تأثيره الواضح سلبا وإيجابا في هذه الأزمات.
وحينما نعلم بأن الحوار هو عملية تجري بين اثنين أو أكثر حول موضوع محدد للوصول إلى هدف معين، فيمكن القول بأن هذا النشاط له أهميته البالغة في المجتمع، ولهذا فإنه من خلال هذه الورقات سيتم تناول بعض الجوانب المتعلقة بأزمة الحوار من الناحية المجتمعية، من خلال النقاط الآتية:
أولا: خطر أزمة الحوار على المجتمع.
لعل من نفاذة القول التذكير بأن الحوار ليس فقط كلمة تقال باللسان، وحروفاً تنمّق بالبنان، في المنتديات والتجمعات، إن الحوار وثقافته تستوجب حينما تتصادم الرؤى وتختلف الأفكار، وتتباين الأفهام، حينها يكون للحوار محل، وإن الحلم ليحلو حين الغضب، والعفو عند المقدرة، والجود حالة الحاجة والقلة، والحوار حين الاختلاف.
ثانيا: الحث الشرعي لتعزيز الحوار في المجتمع.
المطالع لسيرة سلفنا رحمهم الله، وابتداء بالجيل الأول المبارك رضي الله عنهم، وخصوصا عند معايشتهم للنبي المعلم صلى الله عليه وسلم يلاحظ كيف مقدار التعزيز لهذه السلوك من التواصل بين أفراد المجتمع، وكيف تحقق أدب الحوار وفق أسس رائعة قام عليها الدين انتشارا وتعليما، وتوجيها إلى المكرمات والفضائل.
ولا نغض الطرف عن نشوب بعض من القلاقل التي وقعت في العهد المدني، والتي كان سببها انعدام رعاية الحوار وفق أطره الشرعية، فكان لها الدور البارز في وقوعها، ومن ثم تعلمنا من المعالجة النبوية الحكيمة السديدة كيفية وسبل دحرها وإزالتها قبل أن تزداد سوءا، وتنقلب إلى تفريق بين مجتمع الصحابة رضي الله عنهم.
ومن أمثلة حث الشرع وتعزيزه لدور الحوار مجتمعيا ما يأتي:
1/ (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125)، وهذا توجيه حكيم إلى أمة محمد بأهمية استخدام الحكمة والحوار في دعوة الناس إلى طريق الحق من خلال الحوار الهادف والمجادلة بالكلم الطيب مما يشير إلى قيمة كبيرة في حياة كل مسلم وهي استخدام الكلمة الطيبة والدعوة الصادقة في التعامل مع الناس وفي حوار الآخر وفي التأكيد على قيمة الرفق بالآخر والصبر وإظهار محاسن الدين بالقدوة الحسنة.
2/ قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة:83) قال الإمام السعدي رحمه الله: (ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
3/ قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) (الإسراء:53) وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزغُ بَيْنَهُمْ) أي: يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم.
فدواء هذا ألا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه فإنه يدعوهم (ليكونوا من أصحاب السعير).
4/ وورد في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ». رواه البخاري
ثالثا: أهمية الحوار بين أفراد المجتمع.
بعد أن علمنا حث الشرع لمراعاة قضية الحوار في حياتنا، وأنه من العوامل المهمة لكسب الناس، مع مراعاة الأدب فيه خشية أن ينزغ الشيطان بين أفراد المجتمع.
فإنه من الأهمية بمكان توجيه النظر وبعجالة إلى أهمية توجيه الشرع الكريم إلى أهمية مراعاة الحوار بين أفراد المجتمع، وهذا يتبين من خلال الأمثلة الآتية:
• الحوار من المحكوم مع الحاكم، ومن ذلك:
1/ النصح في السر: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْراً لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ). رواه مسلم
2/ الحذر من النبز والغمز بالوالي: عَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ العَدَوِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الفُسَّاقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ رضي الله عنه: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ». رواه الترمذي وصححه الألباني
• الحوار بين الناس بالحسنى:
1/ عن أَبُي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ». رواه البخاري.
2/ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ««المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». رواه البخاري
3/ عن أَبُي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْماً عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيباً؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِماً، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِراً؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ). سنن أبي داود
• الحوار مع الزوجة:
وهذا جانب واجب رعايته وفق الهدي النبوي الكريم في تعامله الرائع الكريم مع زوجاته؛ أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وكيف كان يكون، والأمثلة الآتية تظهر لنا بعض الجوانب من هذا.
1/ أن يصبر الزوج على بعض كلمات الزوجة الدالة على غضبها عليه، ويفهم هذا من حوارها معها، ومن مثال هذا ما ورد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: « أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ». قَالَتْ: «أَجَلْ وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ). رواه البخاري
2/ قد يكون الحوار بين الزوجين فيه شيء من الحوار مما لا يناسب حال ما يدعيه بعضهم أنه يمس رجولته، من خلال رفع الزوجة صوتها في الكلام، ويغفل أن هذا وقع بين النبي مع زوجاته، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: «أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ؟». قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَحْسَبُهُ قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا. سنن أبي داود.
رابعا: هل هي أزمة قديمة أو ظاهرة جديدة.
المتتبع لحال المجتمع الكويتي بصورة خاصة، وبعض المجتمعات الخليجية بصورة أوسع في النظر، بسبب اللصوق الجغرافي، والدين الواحد، وأيضا التشابه في الكثير من العادات والتقاليد يلاحظ بعين المنصف أنه لم تكن هناك ثمة أزمة حوار بين أفراد المجتمع باختلاف شرائحهم، العمرية والعملية، وغيرها، بل هي مما يضرب به المثل على حسن التواصل الكريم، والتحقيق لأحكام ديننا الأخلاقية بصورة رائعة مباركة.
خامسا: أمثلة للأزمة في الحوار مجتمعيا.
الناظر إلى حال المجتمع الكويتي بشكل خاص، يلاحظ بكل جلاء وفود مفاهيم غربية عليه متعلقة بالحوار، والتواصل الخطابي، مما لم يعهدها في عقود ماضية، ولم تنتشر فيما بين الصغير مع الكبير، ولا الذكر مع الأنثى، ولا حتى فيما بين الرعية مع ولاة أمرها، مما جعل النفوس قلقة تتساءل عن أسباب هذه التغرب في الحوار المجتمعي، ويتلفت إلى مصادر وحشيته فيما بينهم.
ومن أمثلة هذه الحوارات الغريبة في مجتمعنا، الآتي:
1/ استخدام كلمات نابية في الخطاب بين الناس.
2/ قسوة الكلمات المفضية من بدايتها إلى التهجم، وفيها الطعن في النوايا، والدالة على نصرة الذات في الحوار.
3/ تداول مفردات وعبارات لا تمت للدين بصلة، من جهة الأخلاق والهدي النبوي المبارك.
4/ نزع الحياء من طائفة واضحة من الناس، ممن لهم الصدارة السياسية، وفيهم الوضع الاجتماعي المرموق شكلا، باستخدامهم ألفاظا بعيدة عن عادات المجتمع المحافظ على دينه، ثم لنزعته العربية الاصيلة، وهذا من تشويه الصورة المجتمعية بين الناس.
5/ استخدام الكلمات الدالة على التخوين في المقاصد، والواضحة في سفول لهجة الحوار.
6/ اليسر عند طائفة من المتكلمين في عدم التوقي من خطر الغيبة والنميمة والبهتان في حوارهم مع الأفراد، أو بين الجموع.
7/ عدم الحذر من رفع الصوت، والذي نهى عنه ربنا بقوله: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: 19)
8/ أخذ زمام الحديث بالقوة، وعدم إظهار الاحترام للمخالف في أمور الدنيا ولا في غيرها، دلالة على نشر سياسة التكبيت والقهر في المجتمع.
9/ تهويل مقالة الطرف الآخر، وعدم وضعها في إطارها الصحيح، والتعامل معها بروح القصد الطيب.
سادسا: وسائل لتحقيق حوار مثمر في المجتمع.
إن الأخذ بآداب الحوار يجعل للحوار قيمته العلمية، وانعدامها يُقلِّل من فائدته المرجوة. إن بعض الحوارات تنتهي قبل أن تبدأ؛ وذلك لعدم التزام المحاورين بآداب الحوار، إن الحوار الجيد لا بد أن يكون له آداب، ولعلَّ من أهمها:
1/ إخلاص النية وطلب الحق.
التجرد في طلب الحق يعين على الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي بصيرة الإنسان؛ فلا يرى حقّاً إلَّا ما وافق هواه. والعلم وحده لا يكفي في ساحة الحوار؛ بل لا بد معه من الإخلاص والتجرد لطلب الحق سواءً ظهر على لسانه أو لسان محاوره، والنية والمقصد هو الوصول إلى الحق والصواب في المسألة.
2/ وضوح الهدف والحوار على قدر العقول.
مما لا نقاش فيه أن الناس ليسوا على مستوى واحد من العلم والذوق في الحوار، فلا بد من مراعاة مستوياتهم واختلاف عقولهم.
وهذا ما كان من نظر عند النبي صلى الله عليه وسلم عند محاورته وتعليمه لمن حوله من الصحابة رضي الله عنهم، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - من بني فزارة - ، فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود؟! فقال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: «ما ألوانها؟» قال: حمر. قال صلى الله عليه وسلم: «فهل فيها أورق؟» قال: إن فيها لورقا، قال صلى الله عليه وسلم: «فأنى تراه؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق! قال صلى الله عليه وسلم: «وهذا عسى أن يكون نزعه عرق!». متفق عليه
وها ما وجهنا إليه سلفنا رحمهم الله، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».
3/ العلم والتمكن «الاستعداد والمعرفة»:
إن الاستعداد لكل حوار أمكن معرفة وقته بالعلم والمعرفة في موضوع الحوار، وكذلك بآداب الحوار وأسسه، من الأسس الموجهة إلى التقاء مثمر بين الأطراف، وعلى الطرف الآخر فلا يجوز أن نقتحم أمراً لا نعلمه أو لا نحسنه، قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (الإسراء:36)؛ لأن العلم بموضوع الحوار وتفاصيله والتسلح بالحجة والبرهان سلاح ماضٍ بيد المحاور الناجح، ويمكنه من الوقوف على أرض ثابتة، وليس على رمالٍ متحركة، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف:108) فالإتقان من صفات المؤمن، وهو مظهر لاحترام الشخص لنفسه.
4/ الرفق والحلم:
قال الله تعالى لموسى وأخيه هارون عليهما السلام: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه: 43 - 44)، وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران 159).
5/ احترام الطرف الآخر:
ومن ذلك انزال الناس منازلهم؛ فالكبير له طريقة، وكذا الصغير، مع معاملة الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به هذه من الاسباب المفضية إلى تعزيز لغة الحوار بصورة راقية.
6/ ضبط النفس:
يُعد ضبط النفس أثناء الحوار من أهم سُبل التواصل والمساعدة على فعاليته وتأثيره؛ فهو يحقق الهدوء والتوازن وضبط الأعصاب وصفاء الذهن، والقدرة على الاستماع والفهم والإقناع، وعلى المحاور أن يبتعد عن السباب حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية! طابعَها الطعن والتجريح، والعدول عن مناقشة القضايا والأفكار إلى مناقشة التصرفات والأشخاص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعّان واللعان ولا الفاحش ولا البذيء) أخرجه الإمام أحمد.
وقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة:83)، وجاء في الحديث: (الكلمة الطيبة صدقة) متفق عليه، هذا كله حَضٌّ على مكارم الأخلاق؛ فالقول الحسن محمود على كل حال: في حال الرضا والغضب، ومع العالم والجاهل، ومع البرِّ والفاجر، ومع الصغير والكبير، ومع المسلم وغير المسلم.
7/ الاتفاق على أصل يرجع إليه في حالة الاختلاف:
لا بد من تحديد أصل للرجوع إليه مفيدٌ للطرفين في قطع التنازع، وتحقيق الهدف الذي كان من أجله الحوار، فالمتحاوران إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء لم يقع بمناظرتهما فائدة بحال.
الخاتمة:
وختم العليمي ورقته بقوله: مما سبق بيانه يتبين لنا أن هناك أزمة في الحوار بدأت تدب علينا في مجتمعاتنا، ومن الخورة بمكان أن نهملها وأن نغض الطرف عنها، أو نظهر مجتمعنا وأحوالنا بصورة مثالية دائمة، فإن معرفة الخلل ثم إظهاره بكل وضوح، يعين على تشخيص أعراضه ومعرفة أسبابه، ومن ثم وضع الحلول المناسبة لعلاجه.