لقد حالفني الحظ أن أكون من رواد ديوانية العم حمد الأحمد البحر رحمه الله، فلقد بدأت زيارتي للديوان بعد التحرير وحتى وفاته في 18/2/2005، ومازلت أتردد على الديوان... فمازال مفتوحاً ولم توصد أبوابه رغم وفاته، ورواد الديوان محدودو العدد منهم الأصدقاء والأقرباء والمعارف، وعندما التقي بهم مرة في الأسبوع أكتشف تلك الحوارات الراقية، التي تكشف مراحل من تاريخ الكويت السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وترسم صورة قد تكون منسية أو أنها لا يمكن ذكرها لأنه ليس كل شيء يعرف يقال، ديوانية العم أبو علي لديها قاعدة مهمة، وهي ان أي متحدث يذكر خبراً أو حادثة فعليه أن يذكر المصدر الموثوق به ولا يقول «يقولون» فقط، لهذا، الأحاديث جادة وعميقة ولها مصداقية،أنا شخصياً عندما تلم بالكويت أحداث سياسية أتذكر العم حمد البحر، بأحاديثه وأقواله الحكيمة التي مازالت راسخة في الذاكرة لا تتلاشى، ولهذا في هذه المقالة أحاول أن أرسم- من خلالها- بعض تلك الأقوال التي تدل على حكمة أبو علي رحمه الله، وبعد نظره وعقلانيته وثباته فهو رغم أن الأمراض التي ألمت به لسنوات عدة... فلم أذكر أنه اشتكى لأحد رواد الديوانية، إنما كان يجلس يومياً يستقبل الأصدقاء ليدور الحديث في شتى المناحي. وهنا أتذكر أقوال حكيمة من رجل حكيم ليسجلها على الورق.
صمودعندما حدثت كارثة الغزو العراقي تشبث العم حمد البحر بالأرض، ولم يغادر الكويت وهو على يقين أن صدام سيأتي يوما ويطرد شر طرده... لم يغادر رغم أن بإمكانه المغادرة لتلقي العلاج في الخارج، إلا أنه ظل صامداً في الكويت يستقبل الأصدقاء في ديوانه الصغير، ويقول لنا في ما بعد إنه عندما تحقق النصر وطردت القوات العراقية من الكويت، خرج إلى الطريق الرئيسي أمام المنزل يرقب ناقلات جنود ومدرعات لقوات التحالف وكانت إنكليزية وأميركية- لا أذكر- يقول تقدم للأمام وراح يلوح بيده يشكرهم قائلاً باللغة الإنكليزية «thank you»، وكان الرد على ذلك الترحيب من قبل مجندة أميركية وقفت قائلة: «sorry we are late» آسفين لقد تأخرنا» لهذا- ولكي يرد الجميل- قام بعمل لوحة صغيرة الحجم أمام منزل يحاذي الطريق العام، يتوسطها أعلام دول التحالف، وتقول كلمات اللوحة «friends and allies for Ever» أصدقاء وحلفاء إلى الأبد، ومازالت اللوحة قائمة في مكانها، ومضى عليها ما يقارب من ثمانية عشر عاماً.
المواطن الصالحالعم أبو علي رحمه الله، بإمكاننا أن نطلق عليه المواطن الصالح، الذي يؤمن بأن احترام القوانين احترام لهيبة الوطن، فرغم أن أمام منزله ارتداداً كبيراً إلا أنه لم يتعد على أرض الدولة ويقيم ديوانية، العم ابو علي كان كل فترة يجري اتصالاً بوزارة الكهرباء والماء، ليطلب الفاتورة لسداد ما عليه من مستحقات، ويتصل بوزارة المواصلات ليسدد فاتورة المكالمات، ولكن يأتيه رد الموظفة «يا حجي الناس ما تسدد الفواتير ليش متعب نفسك»، ولكنه يصر على دفع ما عليه لأنه يؤمن بأن هذا واجب المواطن، الذي يحترم الوطن ويبتغي استقراره.
عبدالله السالمالعم أبو علي أذكر قوله: ان أهم شخصية في تاريخ الكويت هي شخصية عبدالله السالم الذي صنع للكويتيين دستورا ومجلسا يتحاورون فيهما ويناقشون ويتشاجرون، بدلاً من أن يتشاجروا في الشوارع، وكان يقول عن الذين يتذمرون من الأوضاع السياسية في الكويت ومتغيرات المجتمع: «الذي لا يقبل هذه الأوضاع والمتغيرات أمامه ثلاثة خيارات لا رابع لها، وهي إما أن يقبل ويتعايش مع الوضع، وإما أن يهاجر ويبحث له عن وطن آخر... أو أن ينتحر».
العروبةالعم حمد البحر لم يصدم من الموقف العربي أثناء الغزو، الذي بدا متخاذلاً من بعض الدول العربية، وله قول حكيم هو: «ان العرب إذا وقفوا معك ما فادوك، وإذا وقفوا ضدك ما ضروك».أقوال حكيمة من رجل حكيم، غادرنا ونحن نتذكر دائماً رؤيته الثاقبة كلما آلمت بنا الأحداث.