|الدكتور عبدالرؤوف الكمالي|
مساحة خصصناها للتواصل مع قراء «الراي» الاعزاء، نقدم لهم من خلالها الاجوبة الشافية على ما يعن لهم من اسئلة حول امور وقضايا تحتاج إلى بيان ا**لحكم الشرعي فيها. يجيب عن الاسئلة فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرؤوف الكمالي استاذ الفقه في كلية التربية الاساسية.
وللتواصل ارسلوا بأسئلتكم عبر ايميل الجريدة
www.alraimedia.com
او فاكس رقم (24815921).

صيام يوم عاشوراء إذا وافق يوم السبت

السؤال: ما حكم صوم يوم السبت إذا وافق عاشوراء مثلًا كما وقع في هذه السنة؟
الجواب: هذه المسألة مما كثر فيها الكلام في السنين الأخيرة، ونستطيع أن نلخص الكلام فيها لأقول:
أولًا: لم أجد في ما علمت أحدًا من أهل العلم قال بتحريم وليس بكراهة صوم يوم السبت مطلقًا، فأقصى ما قيل في حكمه: الكراهة؛ وذلك إذا ما أُفرد بالصوم فقط.
ثانيًا: ولم يختلف العلماء في أنه لو صام يوم السبت قضاءً لفريضةٍ أو أداءً لنذرٍ، فهو جائز لا شيء فيه.
ثالثًا: ولم أجد خلافًا أيضًا للعلماء في أنه إذا لم يَقصدْ صوم يوم السبت لذاته، وإنما صامه لموافقته عرفةَ أو عاشوراءَ مثلًا، أو وافق عادةً له كمَن يصوم يومًا ويفطر يومًا فهذا كله جائزٌ، كما هو شأن صوم الجمعة في ذلك.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» رواه البخاري ومسلم، وعن جُويرية رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمسِ؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري» رواه البخاري، فدل هذان الحديثان صراحةً على أن صوم السبت مع غيره لا إشكال فيه.
وانظر إلى فقه الإمام أحمد رحمه الله في هذا فقد قال الأثرم: « قيل لأبي عبد الله [أي: الإمام أحمد]: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي أن يُفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيامٍ كان يصومه، واما أن يُفرد فلا». قال الأثرم: « قلت: رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس وصومَه يوم الجمعة وفطره يوم السبت، فصام الجمعة مفردًا، فقال: هذا الآنَ لم يتعمد صومه خاصةً، إنما كُرِه أن يتعمد الجمعة» انتهى كلامه رحمه الله.
رابعًا: وإنما وقع الخلاف بين العلماء في ما إذا أفرد يوم السبت بصيامِ تطوعٍ لا لغرضٍ من الأغراض السابقة، فذهب جماعةٌ من الشافعية والحنابلة إلى كراهة ذلك؛ واحتجوا بحديث عبد الله بن بُسرٍ وهو صحابي صغير رضي الله عنه، عن أخته الصَّمَّاء رضي الله عنها، أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: « لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افتُرِض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لَحاء عِنبة [أي: قشرها] أو عود شجرةٍ، فلْيَمضغْه» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه وابن ماجة، والحاكم وصححه، وصححه أيضًا الدارقطني وعبد الحق.
لكن هذا الحديث قد اختُلِف في ثبوته، فقد ضعَّفه جمعٌ من الأئمة الكبار، منهم الإمام الزهري والأوزاعي والإمام مالك ويحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد والأثرم، والطحاوي وابن القيم.
وهذا هو المترجح، أي: ضعف الحديث وعدم ثبوته؛ وذلك لثلاثة أسبابٍ:
الأول: أنه قد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا بما يرفع الاطمئنان في ثبوته وضبطه، ولهذا قال الإمام المحقق ابن حجر العسقلاني رحمه الله -: « لكن هذا التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتِّحاد المَخرج، يوهن راويَه، وينبئ بِقلَّة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالًّا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختُلف فيه أيضًا على الراوي عن عبد الله بن بُسرٍ أيضا» انتهى كلام الإمام ابن حجر رحمه الله.
الأمر الثاني: أنه قد ثبت بإسنادٍ حسنٍ عن راويه عبد الله بن بسرٍ رضي الله عنه ما يخالفه، فعن أبي عامرٍ قال: سمعت ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم وسئل عن صيام يوم السبت فقال: سلُوا عبد اله بن بُسرٍ... فقال: صيامُ يوم السبت: لا لك ولا عليك» أخرجه النسائي.
الأمر الثالث: أنه حديثٌ واحدٌ مخالفٌ لسائر الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين وغيرهما الدالة على جواز صوم يوم السبت، ودلالة بعضها على صومه ولو مفرَدًا، كحديث صوم يومٍ وفطر يوم، فقد يوافق صوم السبت وحده.
فالخلاصة: أن صيام يوم السبت إذا وافق عاشوراء أو عرفةً مثلًا، لم يمنع منه أحدٌ من الإطلاق من الأئمة والعلماء المتقدمين، لا سيما إذا صيم قبله تاسوعاء، فالقول بالمنع منه في هذه الصورة قولٌ لم يقل به أحدٌ من العلماء المتقدمين في ما علمت.
واما إفراد الصوم بالسبت فهو محل خلافٍ بين العلماء، لا في الحرمة وإنما في الكراهة، والأرجح عدم الكراهة أيضًا؛ لعدم ثبوت حديث المنع منه، والله تعالى أعلم.