إن «مرسوم تنظيم الاجتماعات العامة والتجمعات رقم 65 لسنة 1979»، الذي ارجأته الحكومة لمزيد من الدراسة ولإعداده على شكل مشروع جديد، قد يكون مادة خصبة لانتقاد اداء الحكومة من جميع القوى السياسية ويتقدمهم في ذلك المرشحون، وفي حال طرحه او   إحيائه مرة اخرى ليكون منسجماً مع الدستور قد يكون مصدراً للتأزيم والتصعيد بين السلطتين حتى في حال تقديمه للمجلس المقبل بحجة سد الفراغ التشريعي القائم، فالجميع يعلم ان المحكمة الدستورية سبق وان رفضت «مرسوم التجمعات» في عام 2006 كونه يتعارض مع مواد الدستور ولكننا لا نعلم عن نية الحكومة المقبلة وان كانت ستختلف عن سابق عهدها بعد ان ظهرت بعض الظواهر السلبية وأحداث لا تحفظ النظام العام بالبلاد، وفي حال بطلان المرسوم من قبل المحكمة الدستورية من جديد بسبب عدم دستوريته او رفض المجلس لهذا المشروع في دورته الجديدة فسيكون للحكومة، في نظري،  موقف آخر!، علينا ان ندرك أن البلد سوف يسير نحو منزلق خطير في حال اصرار الحكومة على انجاز هذا المشروع وقد يحول ديرتنا الحبيبة التي تتوجها الديموقراطية إلى دولة بوليسية او قمعية تنتهك فيها الحريات من خلال التدخل في نوعية الاجتماعات حتى وان كانت علنية، وبالتالي كيف لنا ان نتماشى مع قانون يعد غير دستوري تحيط به العيوب في بلد يزدهر بالديموقراطية والحرية، ولدينا دستور كفل الحريات للجميع من دون تمييز، كما انه اعطى لجميع الجمعيات الأهلية والنفع العام حرية التعبير عند عقد اي اجتماع او ندوة من دون اي قيود، والسؤال هنا: لماذا استعجلت الحكومة باصدار قانون التجمعات في صيغته الجديدة اثناء الاستعدادات الجارية لانتخابات مجلس الأمة؟ ثم لماذا تراجعت عنه بسرعة؟ ثم ما الضرورة وراء اصرارها على طرحه مرة اخرى في المستقبل القريب وسط هذه الظروف الصعبة؟ ان عزم الحكومة على انجاز هذا المشروع المرفوض شعبياً قد يدخل البلد في نفق مظلم ويورطنا في صراع سياسي قد يتفاقم ويتحول إلى ازمة بين المجلس والحكومة، ونحن في بلد صغير لا يتحمل المزيد من الازمات او المواجهات، ثم ان الكويت منذ استقلالها لم تشهد مثل هذا التوجه ولم تتعود على هذا الطرح الذي تبنته الحكومة في تضييقها على الحريات، إننا نتساءل عن الفائدة التي سوف تجنيها الحكومة من تعكير الأجواء السياسية في البلاد، ومن تفاقم موجة الانتقادات وزيادة عدد المتحفظين على ادائها، ثم سخطهم من الطريقة التي تدير بها دفة الأمور المتمثلة بالقرارات الارتجالية والطرح غير المدروس لمشاريعها وقوانينها والذي تتجاهل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتبعاتها؟لذلك أرى انه من الأجدر بالحكومة أن تصرف النظر عن مشروع القانون الجديد الذي يخص الاجتماعات العامة والتجمعات، المزمع تقديمه في المجلس المقبل، وان تلغيه من اجندتها كلياً حتى تتجه إلى ما ينفع الناس نحو اصلاح المسيرة السياسية والاقتصادية، وفرض هيبة الدولة لا تكون عن طريق اصدار قوانين معيبة وغير دستورية!، وبالتالي فإن تراجع الحكومة واستدراكها لانعكاسات «قانون التجمعات» قرار حكيم ومنصف إذ لقي ارتياحاً شعبياً كونه يحقق رغبات جميع فئات الشعب الكويتي، خصوصاً في ظل الأوضاع الحالية التي نشهد فيها اعراساً من الانتخابات الحرة النزيهة بروح ديموقراطية عالية، والتي يعتمد نجاحها على كيفية التجمعات الشعبية، فقد تعود الشعب الكويتي على عادة التجمعات الحرة او المظاهرات السلمية العلنية من دون اي قيود او ضغوط منذ صدور الدستور.نشكر الحكومة بخطواتها الرشيدة على تعطيل «قانون التجمعات»، ونتمنى منها ان تعي خطورة التوسع في اصدار مراسيم الضرورة حتى لا تقع بأزمة سياسية اخرى كونها تخالف «المادة 71» من الدستور الذي ينص على وجوب موافقة مجلس الأمة على أي قانون جديد يصدر من الحكومة في الوقت الحالي، ناهيك عن مخالفتها «المادة 44» منه التي تجيز عقد الاجتماعات من دون الحصول على اذن مسبق وهو عكس ما ينص عليه القانون الجديد، كما إننا متفائلون بأن الحكومة الرشيدة سوف تقوم بمسؤولياتها كافة في محاربة شراء الأصوات في أثناء فترة الانتخابات المقبلة بدلاً من البحث عن مراسيم التأزيم التي تسمى الضرورة! ولكل حادث حديث. حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.

علي محمد الفيروزكاتب وناشط سياسي كويتيalfairouz61_alrai@yahoo.com