قبل أيام قليلة من هذا الشهر احيت الولايات المتحدة الذكرى الاربعين لاغتيال زعيم السود القس «مارتن لوثر كينغ» الذي ناضل اعواما من عمره من اجل الحقوق المدنية للسود في أميركا منذ الثلاثينات إلى فترة الستينات، وكان شهيدا وبطلا في المطالبة بالمساواة العرقية بين فئات الشعب الأميركي منذ بدء مقاطعة حافلات مونتغومري (الأباما جنوب) في عام 1956، والمسيرات السلمية مع حشود جماهيرية من انصاره وحتى خطابه الشهير في اغسطس عام 1963 الذي بدأ بجملة «Ihave Dream» امام 250 ألف شخص في واشنطن، وتلك كانت بداية انطلاق حملة المطالبة الفعلية بالمساواة في الشارع الأميركي، وما عزز دوره التاريخي كيفية اختياره للكلمات النضالية التي اجتاحت كل ولاية من الولايات المتحدة قال: «أحلم أن يأتي يوم يقوم فيه كل اسود في هذا البلد، كل فرد غير ابيض في العالم بأسره بناء على ما هو عليه كإنسان وليس على لون بشرته». ومن مقولاته الجماهيرية الشهيرة التي هزت شعوب العالم بأسره: «لدي حلم، انه في يوم من الايام وعلى تلال جورجيا الحمراء، سيكون ابناء العبيد وابناء ملاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معاً على مائدة اخاء، وانه حتى (ميسيسبي) ستتحول إلى واحة حرية وعدالة، فأطفالي سوف يعيشيون في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم، ولكن بمستويات شخصياتهم».لقد كان اغتيال «مارتن لوثر» في الرابع من ابريل 1968، عند وقوفه بشرفة فندق «لوراين موتل» في ولاية تينيسي، الطعنة الكبرى التي قصمت ظهر السود المطالبين بحقوقهم المدنية هو الألم الذي اصبح يلازم آمالهم إلى يومنا هذا، فاليوم بعد تحقيق نصر الحرية والعدالة والمساواة العرقية على أرض الواقع في الولايات المتحدة اعاد المرشح الديموقراطي الاسود باراك اوباما ذكرى النضال ضد العنصرية مرة اخرى اثناء جولاته الانتخابية، وذلك حينما تعهد على مواصلة الدفاع عن الحقوق المدنية للسود بشكل أكبر عند دخوله البيت الابيض، وهو استكمال لحلم «لوثر» الذي يطمح بتعزيز الحقوق المدنية للسود، فقد تحدث اوباما عن مشكلة العنصرية في حملاته الانتخابية بعقلانية وبهدوء واستطاع من خلال هذا التصرف امتصاص غضب السود على البيض من ناحية الاعراق، إذ قال: «اعتقد ان الانتخابات المقبلة ستكون كافية لمحو انقساماتنا العرقية»! مؤكدا على ضرورة العمل معا لتخطي الجراح القديمة للعنصرية، نعم هناك توجه كبير من الاميركيين الذين ينتمون إلى اصول افريقية لاعطاء المرشح اوباما اكبر نسبة من الاصوات التي تساعد على النجاح بامتياز للوصول إلى سدة الرئاسة وذلك على الرغم من معرفتهم بأصول عائلة اوباما ذلك ان والده كينيا وليس أميركيا، ولكن ما يميز اوباما عن غيره انه ترعرع لفترة طويلة خارج الولايات المتحدة، تحديدا في اندونيسيا، وهو مطلع بشكل جيد على الديانة الاسلامية وثقافتها بالاضافة إلى إلمامه بفن التعامل مع الديانات الاخرى، لذا نجد ان هناك نسبة كبيرة من الاميركيين الذين يندرجون من اصول عربية لديهم الرغبة في نجاح اوباما في الانتخابات الاميركية المقبلة، والعالم بحاجة إلى رئيس اميركي يؤمن بالسلام أكثر من إيمانه بالحرب، وأوباما له صفات عديدة تساعده على ان يفهم العالم بشكل افضل من غيره من الرؤساء، ولكننا نرى ان الفرق الاساسي عند اوباما هو عرقه الذي يفوق الجنس أهمية في معظم انحاء العالم وذلك من الناحية الرمزية، وهذا ما يذكرنا بنضال القس «مارتن لوثر كينغ، ها هنا اليوم نرى المرشح الديموقراطي اوباما يكافح ويجتهد من اجل الوصول إلى كرسي الرئاسة وشعار حملته يقول «حان وقت التغيير»، قد نتفق معه بعض الشيء حول هذا التغيير، ولكن قد يكون هناك من لا يؤمنون بالتغيير، والسؤال هنا: هل سيكون للولايات المتحدة رئيس يشبه من ناحية الشكل معظم سكان الأرض في العالم؟ المنظور الأميركي يرى ان باراك أوباما أسود، بينما هو من منظور الشعوب الاخرى أسمر اللون وداكن البشرة لونه قريب من معظم شعوب العالم وخصوصاً الشعوب العربية والاسلامية، إذن فرئاسة أوباما للولايات المتحدة سيكون لها معان أخرى من حيث اجادته فن التكتيك السياسي وفن العلاقات الخارجية في وقت تراجعت فيه شعبية الولايات المتحدة نحو الأسوأ بسبب سيطرة «الحزب الجمهوري» على الرئاسة الأميركية، وبسبب تورط ادارتها في الحروب الاقليمية على مدى الأعوام الأخيرة.إن شعار المرشح أوباما المؤمن بأمل التغيير نحو مستوى أفضل للولايات المتحدة قد يعطي الشعب الأميركي دافعاً لاختياره من دون النظر الى عرقه أو جنسه، كما أن أوباما حتماً سيغير المواقف المعادية تجاه بلده حتى وان لم تتغير السياسة نفسها بشكل جذري، بل أنه كما يقول سيحاول اخراج الولايات المتحدة من مستنقع العراق وأفغانستان، والعمل ايضاً على تقريب العلاقات مع «دول الشر» إن حالفه النجاح، ولكنه حتماً سيواجه أكواماً من القيود والضغوط من الأطراف الاخرى المعادية لهذا التوجه.إذن في السباق الرئاسي الأميركي نحن أمام حدثين، إما ان تفوز المرشحة هيلاري كلينتون أو يفوز المرشح باراك أوباما، وفي حال وصول هيلاري الى سدة الرئاسة سيعني هذا انه وللمرة الأولى في تاريخ أميركا ستتولى امرأة هذا المنصب الرجولي الرفيع، في حين يشير الكثير من المتابعين والمحللين الى صعوبة وصول المرشح باراك أوباما الى سدة الرئاسة بما انه من اصول افريقية ووالده كينياً!، ولكن لم لا؟ فالشعب الأميركي سواء كان أبيض أم أسود حتماً سيؤمن بالتغيير، وعندئذ سيكون للولايات المتحدة رئيس شعبي بلون «القرفة»!وذلك للمرة الأولى في تاريخها الرئاسي، وكما يقول القس الاسود جيسي جاكسون: «يبقى الأمل حياً»!، ولو حدث هذا فإن على جميع شعوب السود في العالم أن تتهيأ الى نموذج جديد في العلاقات العرقية في الولايات المتحدة!يسعى المرشح أوباما الآن الى حسم السباق مع هيلاري كلينتون عن طريق فوزه بولاية بنسلفانيا، في 22 ابريل الجاري، الا ان الوضع الانتخابي بالنسبة له ليس سهلاً بل معقداً، لأن أغلب الناخبين في تلك الولاية «جمهوريون» يميلون الى حد ما نحو هيلاري، غير أن أوباما في المقابل يجد هناك تأييداً جيداً من الشباب والطلاب الذين يبحثون عن التغيير.التقدم الكبير الذي حققه أوباما على المستوى القومي أمام منافسته يتبدد يوماً بعد يوم، لكن النجاح «العرقي» الذي حققه بين البيض والسود مازال عالياً وهو خطوة نحو كسب المزيد من المؤيدين في معركة صعبة يحاول فيها وضع حدٍ للجدل وليتخطى الجراح القديمة للعنصرية والاختلافات الدينية، فهو كما يقول اختار أن يكون مرشحاً للرئاسة في هذه اللحظة التاريخية لأنه يؤمن بشدة أنهم لا يستطيعون ايجاد حلول للتحديات التي يواجهونها إن لم يكونوا معاً: نعم... الكلمات التاريخية التي قالها القس الاسود «مارتن لوثر كينغ» سنة 1963 تحت عنوان «لدي حلم» قد تتكرر مع المرشح أوباما وتتحول الى واقع ملموس! ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسيalfairouz61_alrai@yahoo.com