> عابوا على الحجاج بن يوسف الثقفي بطشه الذي كان سمة ولايته لإقليم العراق يوم أن كان أميرا لها في ولاية أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وعابوا عليه سحق أي تمرد شعبي وأي خروج على ولاة الأمر حينها، ولكن في مواجهة هؤلاء هناك كثير من علماء المسلمين الذين برروا له كثير هذا القمع «الحجاجي» بقولهم: «من اعتاد على الفوضى والشغب والتمرد وكسر هيبة الحكم والسلطان لا سبيل لإسكاته إلا بعصا الحجاج وسيفه.» وإن كان العلماء يترحمون على كثير من العلماء الذين طالهم سيف الحجاج، وفي النهاية كما يقال «الشر يعم والخير يخص» والمولى يبعث هؤلاء العلماء على نياتهم يوم القيامة، أما الاستشهاد بالحجاج وبطشه في مواجهة الفساد ودعاة الفوضى وتخريب الجو الانتخابي فهو ليس تبريرا لإجراءات الداخلية في قمع هذه الفوضى، كما أن إجراءاتها لن تصل بالتأكيد إلى جزء بسيط من سياسة الحجاج في علاج ذلك، فإن كنا ننشد انتخابات نزيهة وخمسين عضوا يصلون إلى قبة البرلمان بمعايير الكفاءة والوطنية والتجرد من الانتماءات الفئوية والقبلية فلندع الداخلية «تشوف شغلها»، وليتعاهد مرشحوا القبائل بوثيقة وطنية لتجريم أي فرعية أو اللجوء إليها لاختيار نواب الأمة، ولا يقدموا أنفسهم لإجراءات الداخلية القمعية على طبق من ذهب.> «عافور» الجمعة الذي أفرد عضلاته لثلاثين دقيقة فقط في أجواء الكويت وضواحيها مخلفا زلزالا «تسوناميا» متواضعا، ولله الحمد، كشف فوضى وزارات الخدمات والداخلية، وأيضا إجراءات الطوارئ، فمن البداية لم يشاهد أو يسمع المواطنون أي تحذير أو تنبيه في وسائل الإعلام من إعصار بهذه القوة، لم يتم التنبيه على المواطنين تجنب الخروج من المنزل أو الصيادين من النزول إلى البحر في حين أن أرصاد الدول الغربية تحذر مواطنيها قبل اسبوع من أي تقلبات جوية متوقعة، وأنا شخصيا، ومع عائلتي، عشت ساعة من الزمن بين الحياة والموت وذلك من بداية الإعصار إلى نهايته، الأبناء شاهدوا الموت بأم أعينهم سوى الصغير عمر الذي انشغل بالتقاط مشاهد تصويرية لهذا الإعصار المدمر عبر جهازه الخلوي، الأشجار العالية تتساقط أمامنا كأنها علب البيبسي وأعمدة الإنارة الطويلة تتساقط في الشوارع وأسلاكها الكهربائية تقذف بشررها، والسيارات تتصادم كأنها لعب أطفال وكأننا في حلم وليس أمام حقيقة إلهية... اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك العفو فيه. وبعد أن هدأت العاصفة وودع «العافور» أجواء الكويت بقيت مخلفات هذا الإعصار من دون إجراءات سريعة من وزارات الخدمات المعنية بإجراءات الطوارئ كالأشغال والكهرباء، ناهيك عن غرق الشوارع بمياه الأمطار المصاحبة التي كشفت إجراءات واستعدادات الأشغال الهزيلة التي تعيدنا إلى أعوام 2004 و2003 حينما غرقت شوارع الكويت بسبب عدم استعداد الوزارة لهذه الأجواء، وأتوقع لو أن مجلس الأمة كان على رأس عمله لطالب نوابه، على خلفية فضيحة «عافور الجمعة» باستقالة وزراء الخدمات إن لم تكن الحكومة بأكملها. > الدعوة إلى تحويل الكويت إلى دائرة واحدة تعود إلى الواجهة وبقوة وقبل أن يتم تجريب النظام الجديد «الدوائر الخمس»، ولكن السيد الطبطبائي له رأي مختلف تماما فهو يشبه تطبيق هذا النظام بديموقراطية إسرائيل التي تعتمد على الدائرة الواحدة، وليته لم يضرب المثال بإسرائيل في ذلك الأمر، فإسرائيل وبعيدا عن العواطف الدينية والعقائدية تعتبر نموذجا حضاريا في تطبيق الديموقراطية الانتخابية باعتمادها الدائرة الواحدة، وكثير من الدول الأوروبية ستتحول إلى تطبيق هذا الخيار الانتخابي لأن من شأنه القضاء على كل وسائل تخريب الانتخابات، وأما دفاع النائب السيد عن نظام الدوائر الخمس، فضلا عن حسرته لإلغاء النظام المتخلف القديم، فهو أمر طبيعي ومنطقي لأنه الكفيل بأن يحتفظ بمقعده... الدائم. > عزوف الكثير من النواب السابقين عن خوض الانتخابات المقبلة له سببان: الأول أن الكرسي الأخضر والترشيح للانتخابات لم يعد مجديا وكلفته المادية باهظة لا سيما لمتوسطي الدخل من النواب، والبعض منهم لا يزال يسدد فواتير نجاحه في 2006 وتسديد مديونياته لتمويل حملته السابقة فمن الطبيعي وقوفه عاجزا عن تمويل أي حملة مقبلة. والسبب الآخر طبيعة الدوائر الجديدة واندماج المناطق مع بعضها البعض في دائرة واحدة ضخمة ما أدى إلى تأثر القواعد القديمة للمرشح، وبالتالي فهو يرى أن فرص نجاحه بعيدة فآثر الإعلان عن عدم الخوض على أمل الوصول في نهاية المطاف إلى خيار «الدائرة الواحدة» التي تتساوى فيها فرص الجميع وتذوب معها معايير القبيلة والطائفة والتكتل والمناطق.> سعد الفرج بأسلوب بليغ جدا يقول لحسينوه: «هل كيف يا حسين يصير الغش؟» ونحن نوجه هذا التساؤل لوزارة الداخلية: هل كيف يتم مراقبة المال السياسي في فترة الانتخابات؟ وإذا كانت الوزارة تريد المشورة فنشير عليها ألا تتعب نفسها في مراقبة المال السياسي بطرقها التقليدية فالعملية أصبحت أكثر مرونة وسهولة في تحويل المال السياسي إلى بائعيه بواسطة التحويلات البنكية، ودفع الفواتير المستحقة، وتأثيث دور العبادة، ودفع المخالفات المتراكمة، بل ودفع مهور المعاريس الجدد وهلم جرا... ولا عزاء لبرلمان الأمة النزيه.

عامر الفالحfree_q8i@hotmail.com