محمد العوضي

مثل هذه الزاوية وغيرها التي تتناول الشأن العام لا تصلح للكتابات التخصصية إلا بقدر يسير وموزون ومبسط ومختصر يناسب الشريحة المستهدفة وهي عامة الناس، وموضوع طائفة البهرة كي يستوعب - من جهة المذهب والعقيدة - يتطلب ارجاعها إلى جذورها التي صدرت منها والمظلة المذهبية العامة التي تستظل تحتها، ألا وهي «الاسماعيلية الباطنية» وتطورها وفروعها  ويعتبر كتاب فضائح الباطنية للإمام أبو حامد الغزالي - بتحقيق عبدالرحمن بدوي - أشهر  المصنفات التي تناولت هذه العقيدة قديماً أما حديثا فيعتبر كتاب «طائفة الاسماعيلية» لمحمد كامل حسن مرجعا مهماً في الموضوع، وان كانت أطروحة الدكتور سليمان السلومي لنيل الدكتوراه حول الاسماعيلية أوسع بحثاً وقد أشرف عليها الدكتور عثمان عبدالمنعم عيش رئيس قسم العقيدة والفلسفة في الأزهر سابقاً. لكن الكتب التي تناولت الفرق والطوائف لم تغفل عن ذكر الاسماعيلية وفروعها ككتاب الملل والنحل للشهرستاني الذي يدرج بعض فرق الباطنية في زمرة الملاحدة الذين يعطلون احكام الشريعة.وعندما تقرأ في كتاب «راحة العقل» للداعي الاسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني المتوفى سنة 408 هـ - بتحقيق الدكتور مصطفى غالب - أشهر المعاصرين ممن يمجد في كتاباته الحركات الباطنية ويمتدح جهودها في سبيل التحلل من أحكام الشرع!! كتاب: «راحة العقل» للكرماني المصدر الأصيل للاسماعيلية ما هو الا خليط من عقائد وفلسفات مغرقة في الرمزية تتصدرها نظرية الفيض الافلاطونية والفيثاغورية المحدثة، فالفلسفة اليونانية مصدر أصيل لعقائد الاسماعيلية وعقائد مسيحية ويهودية اضافة إلى بعض العناصر المجوسية (انظر كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للنشار) وليس هنا مجال بسط الكلام على عقائدهم في النبوات والوحي، ثم تفرعت حركات باطنية اسماعيلية الباطنية عبر التاريخ الإسلامي كالحركة الاسماعيلية في اليمن والقرامطة في البحرين والفاطميين العبيديين في المغرب ومصر أما البهرة فهم فرع للاسماعيلية المستعلية، وذكرت طرفاً من أخبارهم في مقالي الماضي الذي كان بعنوان «البهرة: صكوك الغفران... وتذاكر لصلاة العيد»... وبينت عبوديتهم لزعمائهم الذين اتخذوا أتباعهم عبيداً على طريقة الابهار ثم الضرائب وذكرنا ان هناك ضريبة يفرضها زعيم البهرة على جثة الميت يدفعها أهله للزعيم ليصدر بموجبها (صك الغفران) يعلق على صدر الميت ليدفن معه حتى يدخل الجنة!! وكلما زادت قيمة الصك ارتفعت درجات الميت في الجنة، وبهذا يتم احياء جريمة صكوك الغفران التي كان يمارسها البابوات في عصور الظلمات والتخلف الأوروبي في عالمنا الإسلامي باسم الإسلام!!! كما أن مكتب زعيم الطائفة يصدر تذاكر لصلاة العيد وتختلف قيمة التذاكر في الصف الأول عن قيمتها في الصف الأخير، فتقل قيمة التذكرة من صف إلى صف حسب درجة الابتعاد عن زعيم الطائفة، تماماً كتذاكر السينما وحفلات الرقص، الفرق فقط في سعر التذكرة هناك القرب والبعد من زعيم الطائفة وهنا القرب ومسافة البعد من شاشة السينما او مسرح الرقص!!انه النصب والعبث والتجارة بالدين وتشويهه إلى اقصى حد.وللتوسع في الاطلاع على هذه المعلومات كتاب دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور السوداني أحمد محمد جلي كمرجع ومصادر أخرى. ولا بد من لفتة مهمة جداً وهي أن الانتهاء إلى الأئمة العظام والسادة الأعلام كالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه شرف، ولكن كثيراً ما يكون المنتمون صادقين شعورياً في حبهم للرمز ولكنهم بعيدون عنه في الحقيقة فالبهرة بانتمائهم لآل البيت ولنسل الإمام علي بن أبي طالب لا يقدم لهم مسوغ الرضى والسلامة من الانحراف الذي غرقوا به... فالإمام علي رضي  الله عنه بريء من عقائد وطقوس وبدع وانحرافات البهرة، فهل سيفتح لهم مسجد خاص بهم انها جريمة من عدة جوانب أولها ان هؤلاء في أمس الحاجة لأن يخرجوا من عزلتهم وتقديسهم لرمزهم وانغلاقهم على أنفسهم ليقتربوا من جمهور المسلمين ويعرفوا الحق ويتخلصوا من الخرافات والسقوط في ذل القيادات التي تتاجر حتى بموتهم وأعيادهم!! وهذا لا يكون إلا إذا دخلوا مساجدنا وصلوا معنا... أحلى رسالة وصلتني على الهاتف للصديق ضرار الراشد وهي كالتالي: البهرة يقولون: نحن مسلمون ومسالمون ونحتاج مسجداً (تصريح في الجرائد) ونحن نقول: ان كنتم مسلمين ومسالمين فلماذا لا تصلون مع المسلمين المسالمين!ذهبت إلى صنعاء القديمة في اليمن وصليت في جامعها الكبير فشدني مشهد المسلمين السنة والزيدية وهم في صفوف مشتركة بجوار بعضهم البعض هذا يسدل يديه وهذا يداه على صدره بلا أدنى حساسية، قاتل الله السياسة التي تثير الفتن وتمزق الصفوف.

محمد العوضي