يوفر «منتدى الدوحة الثامن للديموقراطية والتنمية والتجارة الحرة» فرصةللتأكد من أهمية الاستمرارية في أي تحرك سياسي أو تنموي من أي نوع كان، خصوصا عندما يتعلّق الأمر ببناء دولة حديثة ذات سياسة مستقلة على علاقة بما يدور في العالم.كان مهما أن ينعقد المنتدى للعام الثامن على التوالي في الدوحة. وكان مهما أن يعيد أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تمسك بلاده بالمبادئ والأسس التي قام عليها المنتدى، وذلك بتشديده في خطابه على عبارات محددة تصب في خدمة المشروع التحديثي الذي ينادي به منذ وصوله إلى السلطة منتصف التسعينات من القرن الماضي. من يمر في شوارع الدوحة هذه الأيام، يدرك ما هو المشروع التحديثي الذي ينادي به الشيخ حمد. انه مشروع مبني على قيام مدينة عصرية وجميلة وعملية في آن مع مراعاة الطابع الإنساني في عملية البناء. وهذا يعني بطبيعة الحال كل ما له علاقة من قريب أو بعيد بالإصلاحات السياسية والمشاركة الشعبية في القرار السياسي واحترام حقوق المواطن والعمل على تطوير البرامج التربوية بما يتفق والمقاييس الدولية المعتمدة. لم يعد سرّا أن الثروة الأساسية في أي بلد في العالم تظل للإنسان وأنه لا فائدة من أي ثروة مهما كانت كبيرة إذا لم توظف في تطوير الإنسان، ولذلك فإن هناك بلدانا غنية لا تمتلك نفطا ولا غازا ولا مواد أولية، كسويسرا وفنلندا وسنغافورة، ومصدر الثروة في بلدان من هذا النوع من البلدان هو الإنسان والبرامج التربوية المتطورة التي جعلت من المواطن العامل الأهم في بناء الدولة وديمومتها. من ينظر إلى العالم العربي، تحديدا، يكتشف أن لبنان لم يصمد في وجه العواصف التي يتعرض لها منذ ما يزيد على ثلاثة وثلاثين عاما إلا بفضل الإنسان المتعلّم. امتلكت قطر ثروة طبيعية كبيرة. كان في الإمكان توظيف الثروة في إقامة بنية تحتية وتوفير الحاجات الأساسية لكل مواطن، إلى أن تبين أن القيمة الحقيقية للثروة التي في باطن الأرض يمكن أن تتضاعف وتتضاعف متى وظفت في الإنسان القادر على المحافظة على تلك الثروة وتطويرها. من هذا المنطلق يرتدي «منتدى الدوحة للديموقراطية والتنمية والتجارة الحرة» أهمية استثنائية. إنه يوفر فرصة ليقف الشيخ حمد بن خليفة في افتتاح المنتدى ويردد كلاما بدأت آذان القطريين والعرب تعتاد عليه وتفهم أبعاده. يقول مثلا ان: «الديموقراطية سبيلنا إلى فكرة التقدم ولا نستطيع بغيرها أن نجد لأنفسنا موضعا في زماننا» ويضيف: «إننا بحاجة إلى تهيئة البيئة المناسبة لخلق روح الابتكار والتجديد، وذلك لن يتحقق إلا عن طريق المشاركة الشعبية واحترام حقوق الإنسان». لا بد من تعويد المواطن على سماع عبارات معينة منتقاة من قاموس العصر. ولذلك، تحدث أمير قطر عن: «التنمية التي يتوقف نجاحها على مدى ما يتحقق من استقرار»، وعن: «توفير مناخ مستقر لدعم مسيرة التنمية وتشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الأموال وإتاحة فرص عمل جديدة وزيادة حركة التجارة»، وعن: «أننا نجد أنفسنا إزاء مواجهة مثلثة الزوايا، ديموقراطية لها وسائلها من القوة، وتنمية شاملة تقف وراءها، وهي تختص بترتيب شؤونها كي تكون سندها، وتجارة حرة تشد من أزرها».أبعد من العبارات المستخدمة من أمير دولة قطر، هناك الممارسة السياسية التي تشير إلى أن العبارات المستقاة من قاموس العصر وما هو حضاري فيه ليس مجرد حبر على ورق. ذلك أن الشيخ حمد الذي دعم صمود الشعب اللبناني بالأفعال وليس بمجرد الكلام في حرب صيف العام  2006 ، يسمح لمنتدى الدوحة باستقبال تسيبي ليفني نائب رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية في إسرائيل. لم يحصل ذلك في الخفاء. جلست ليفني في جلسة الافتتاح إلى مائدة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري. وكان حول الطاولة نفسها وزير الخارجية العماني السيد يوسف بن علوي. لم يصافح رئيس الوزراء القطري تسيبي ليفني في الخفاء، بل تعمّد مد يده إليها أمام الجميع وتحدث إليها ومازحها أمام العدسات المسلطة عليه. أثبتت قطر مرة أخرى أن الجرأة كل لا يتجزأ وأن لا إصلاحات ديموقراطية على الصعيد الداخلي من دون انفتاح على الواقع. الأكيد أن مجيء تسيبي ليفني إلى الدوحة حال دون مجيء وزراء خليجيين آخرين إلى قطر للمشاركة في المنتدى، إنها ضريبة الجرأة والانفتاح والواقعية، كذلك حال مجيء الوزيرة الإسرائيلية دون حضور مسؤولين إيرانيين أو سوريين، باستثناء النائب محمد حبش، أو حتى أشباه مسؤولين مثل وزير الخارجية اللبناني المستقيل الذي كان مفترضا أن يشارك في إحدى الندوات. ولكن ما العمل في مثل هذه الحالات، هل على قطر التخلي عن خطها السياسي ودفن رأسها في الرمال، أم تتابع سياسة التصرف من دون عقد؟من الواضح أن قطر اختارت سياسة ترتكز على التعاطي مع الآخر من دون عقد. لكن ربما يكون أهم ما في هذه السياسة هو استمراريتها، أي بعدها عن التذبذب والتمسك بخط معين واضح المعالم. في النهاية، لا يمكن الحديث عن الديموقراطية والإصلاحات والتنمية والتجارة الحرة من جهة واعتماد سياسة منغلقة على الصعيد الخارجي من جهة أخرى. مرة أخرى، الجرأة كل لا يتجزأ وهي استثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر. «منتدى الدوحة» لم يعد منتدى موسميا. أنه دليل على أن المسؤولين عن الدولة يعرفون جيدا ما يريدون وإلى أين يسيرون بالبلد! في جلسة الافتتاح كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وكانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية فيما غاب معظم العرب!

خيرالله خيرالله كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن