| بيروت ـ «الراي» |
يبدو لبنان هذه الأيام بين «ناريْ» السياسة والاقتصاد، الأولى تستتبع هواجس أمنية ذات صلة بالأزمة السورية، والثانية تنذر بهزّ «الأمن الاجتماعي» والاستقرار المالي انطلاقاً من معضلة سلسلة الروتب والرواتب للقطاع العام، ومن خلفهما يستمرّ ملف قانون الانتخاب الشغل الشاغل لفريقيْ 8 و 14 آذار من دون اوهام كبيرة بامكان التوصل الى توافق مبكّر حوله.
... «شيك بلا رصيد». هكذا وُصف سلوك الحكومة في قضية سلسلة الرتب والرواتب بعدما أقرّتها مع «وقف التنفيذ» بانتظار تأمين مواردها المالية وعلّقت إحالتها على البرلمان الامر الذي فجّر امس، «غضبة» نقابية مع إضراب موظفي القطاع العام والاساتذة وتظاهُرهم امام السرايا الحكومية ملوّحين بـ «اننا سنطوّق السرايا ونشلّ البلد بكامله في حال لم تُحل السلسلة على مجلس النواب».
واذا كانت الحكومة حشرت نفسها في «الزاوية» في موضوع السلسلة بحيث بات السير بها بمثابة إطلاق «رصاصة في الرأس» على الوضع الاقتصادي - المالي على ما تحذّر الهيئات الاقتصادية، والتراجع عنها أشبه بإطلاق رصاصة «على رأس» الحكومة نفسها في ظلّ وضع النقابات «الاصبع على الزناد»، فان الرصيد السياسي لهذه الحكومة القائم على «ايديولوجيا» النأي بالنفس عن الأزمة السورية بدأ يتآكل على وقع مجموعة من الملفات الحامية أبرزها:
* تزايُد المؤشرات لتورُّط أحد أبرز مكوّنات الحكومة و«رافعتها» اي «حزب الله» في الملف السوري، من خلال سقوط ضحايا من كوادره في القتال بسورية، وهو ما أخذ يحرج الحكومة لتناقُضه مع خيار النأي بالنفس الذي يعتبره المجتمع الدولي «مبرّر» استمرارها.
* «ضبط» النظام السوري مجدداً «متلبساً» بالتخطيط لتفجير الوضع اللبناني، وهو ما عبّرت عنه التسجيلات التي احتفظ بها الوزير والنائب السابق ميشال سماحة لمكالمات كان يجريها عبر هاتفه الخليوي كما داخل سيارته، وكشفت ان مستشارة الرئيس السوري بشار الاسد السيدة بثينة شعبان كانت على علم بالمخطط «الفتنوي» لشمال لبنان الذي استدعى ان ينقل سماحة لتنفيذه 24 عبوة داخل سيارته من سورية بالاتفاق مع مدير مكتب الامن الوطني فيها اللواء علي مملوك ومعاونه العقيد عدنان (مجهول باقي الهوية).
* الوثائق السورية المسرّبة والتي تبثّها «العربية - الحدَث» ويشير بعضها الى تورُّط نظام الرئيس بشار الاسد في عمليات اغتيال وتخريب في «القُطر اللبناني» بهدف ترييح النظام.
وفي غمرة الصخب الذي أحدثه تورُّط اطراف لبنانيين في الازمة السورية ومحاولات نظام الأسد توريط لبنان في «المستنقع» السوري، استمرّ قانون الانتخاب في «عين الحدَث» الداخلي في ضوء الوقائع الآتية:
* نجاح «14 آذار» في رفع مستوى التنسيق في ما بين مكوناتها و«إخماد» التباينات «الجانبية» التي كادت ان تخرج الى الضوء مع السجال الذي اندلع بين حزب الكتائب ومنسق الامانة العامة لهذه القوى فارس سعيْد والذي نجحت الاتصالات على اعلى المستويات في احتوائه وسحبه من العلن.
وشكّل لقاء الثلاث ساعات «الجدي والعميق والايجابي» الذي جمع مساء الثلاثاء بين الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في جدّة اشارة قوية الى التفاهم الكامل بين أطراف «14 آذار» حول قانون الانتخاب ومقاربته «يداً واحدة» انطلاقاً من اقتراح الدوائر الخمسين وعلى قاعدة الحاجة الى التفاهم حوله مع النائب وليد جنبلاط، وتفادي ان يؤدي الانهماك في ملف قانون الانتخاب الى إرباكات مجانية في صفوف «14 آذار» و»فقدان التركيز» على الملف السوري وتداعياته اللبنانية.
وفي البيان الذي صدر عن المكتب الاعلامي لزعيم «تيار المستقبل»، ان الاجتماع مع جعجع، الذي التقى ايضاً مسؤولين سعوديين، كان «مناسبة لاستعراض آخر التطورات التي يشهدها لبنان والمنطقة»، موضحاً ان الحريري ورئيس «القوات» كرّرا «توافقهما التام إزاء القضايا الوطنية والاستحقاقات التي يواجهها لبنان، وأكدا بقاء صفوف «14 آذار» موحدة في مواجهتها، ومتابعة التنسيق بين كافة مكونات الحركة الاستقلالية في لبنان، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية الداهمة والمخاطر التي يواجهها لبنان، كما في ظل الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الخطيرة التي يُعانيها كل اللبنانيين».
ومن شأن تواصل الحريري - جعجع والذي من المفترض ان يعطي زخماً للتواصل بين «القوات» وجنبلاط ان يسرّع في الاتصالات لعقد لقاء تشاوري ثان لقوى «14 آذار» بعد الاول الذي عُقد في معراب قبل نحو شهر.
* اتجاه الانظار الى الاجتماع الذي تعقده اللجان النيابية المشتركة اليوم لاستكمال البحث في الاقتراحات المتعلقة بقانون الانتخاب وتشكيل لجنة مصغرة من مختلف الاطراف تتولى النقاش في البندين الخلافيين الابرز وهما التقسيمات الانتخابية ونظام الاقتراع، من دون اي توقعات بان تنجح مثل هذه اللجنة في الوصول الى ارضية مشتركة خارج تفاهم سياسي على اعلى المستويات يشكل انعكاساً لتوافق اقليمي - دولي على مجمل الوضع اللبناني ربطاً بمآل الازمة السورية سواء لجهة سقوط النظام السوري من الآن حتى موعد الانتخابات النيابية بعد اقلّ من تسعة اشهر او لجهة احتمال صموده حتى ذلك التاريخ.
* المعلومات عن ان رئيس البرلمان نبيه بري، الذي يعتبر البعض انه يعتمد سياسة «إنهاك كل الافرقاء» وجعلهم يفرغون ما في جعبتهم، يتحضّر ليُخرج من «جيبه» اقتراحاً من خارج المشاريع التي يحصل التجاذب حولها حالياً، وسط تقارير اشارت الى نفض الغبار عما يُعرف بـ «قانون فؤاد بطرس» الذي تم التوصل اليه نتيجة مداولات اللجنة التي ترأسها الوزير السابق بطرس وتم تشكيلها العام 2005 العام 2005 ويقضي بانتخاب 71 مقعداً من اصل 128 على اساس النسبية و57 على أساس النظام الأكثري، على ان يكون القضاء هو الدائرة المعتمدة.
في هذه الأثناء، بقيت الوثائق السورية التي بثّتها قناة «العربية» واتهمت فيها «حزب الله» بالتورط في اغتيال النائب جبران تويني العام 2005 محور ردود في بيروت رغم نفي الحزب القاطع اي علاقة له بهذه الجريمة و«بالاغتيال السياسي».
وكان لافتاً في هذا السياق توقف كتلة «المستقبل» عند ما بثته محطة «العربية» عن «أن «حزب الله» تعاون مع الأجهزة الأمنية السورية في جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني»، معتبرة هذه الوثائق «بمثابة اخبار»، ومطالبة الحكومة والأجهزة القضائية اللبنانية كما المحكمة الدولية وأجهزتها المختصة «بتسلم نسخ من هذه الوثائق والكشف عليها وإعلان نتيجة ذلك على الملأ».