| كتب عبادة أحمد |
ضيّعت الكويت أربع سنوات كان يمكن ألا تضيع لو أن فكرة «شراء الأصول» لقيت آذاناً صاغية، طالما أن هناك مجالاً لضمان شفافيتها وبعدها عن «تنفيع الجيوب».
عادت الفكرة لتلقى قبولاً، أو هذا على الأقل ما تشير إليه أجواء الفريق الاقتصادي الحكومي، الذي انفردت «الراي» أول من أمس بالكشف عن تحضيراته لتدابير اقتصادية «كبيرة».
كان علي رشيد البدر أشهر من تبنّى الفكرة، وتبناها فريق الإنقاذ الاقتصادي برئاسة محافظ البنك المركزي السابق الشيخ سالم عبد العزيز الصباح اواخر العام 2008، لكنها أُجهضت قبل أن تبصر النور.
ربما كان الهلع وضبابية المشهد وراء عدم تبنيها، لكن بعد أربع سنوات ثبت أن لا بديل عنها، خصوصاً أن معظم البنوك المركزية شرقاً وغرباً أقرت مبدأها. فهل ينجح الفريق الاقتصادي الحكومي في ضخ الحياة فيها مجدداً بشكلها القديم أو بشكل جديد؟
ما تشير إليه المعلومات المتسرّبة حتى الآن أن الفريق الاقتصادي الرباعي الذي يضم البنك المركزي ووزارتي التجارة والمالية والهيئة العامة للاستثمار يعمل على بلورة «باقة حلول» متكاملة، تشمل إلى جانب إطلاق المشاريع وتحفيز النمو، استحداث تدابير تخفف الضغوط عن محافظ الرهونات المصرفية وتطلق عجلة السيولة في أسواق الأصول.
كيف ذلك؟
بسّط البدر، في لقاء لـ «الراي» معه في ذروة الأزمة، وصفته للحل بقصة رمزية؛ لنفترض أنه في حيٍّ من الأحياء، صار الجميع واقعين تحت الدين. محل الملابس مدين للمصبغة، والمصبغة مدينة للبقالة، وصاحب البقالة مدين لمحل الملابس.
إذا أقرضت عشرة دنانير لصاحب محل الملابس فإنه سيسدد دينه للمصبغة، التي بدورها ستسدد للبقالة، التي سيسدد صاحبها لصاحب محل الملابس، الذي سيعيد العشرة دنانير لمن أقرضه إياها وكان الله يحب المحسنين.
المطلوب من الحكومة أن توفّر شيئاً من قبيل هذه «العشرة دنانير»، لا أكثر ولا أقل.
لكن كيف يتم ذلك؟
ليس في الأمر اختراع جديد. هناك آليات متعارف عليها دولياً لشراء الأصول في فترات الأزمات. فالولايات المتحدة مثلاً ضخت تريليونات الدولارات لإعادة رسملة شركات كبرى وشراء أصول مالية، وكانت نتيجة ذلك أن الأسواق الأميركية تسجل هذه الأيام أفضل مستوياتها منذ خمسة أعوام.
محلياً، كانت الفكرة تقضي بإنشاء صندوق تتشارك في رأسماله البنوك مع الهيئة العامة للاستثمار، تكون مهمته شراء الأصول من الشركات المدرجة التي تواجه صعوبات سيولة، (أسهم، عقارات، أصول مدرة للدخل... الخ)، بسندات ريبو (إعادة شراء) لأجل خمس سنوات، بالسعر السوقي ووفق معايير فنية وشفافة، مع ضمان حق الشركة البائعة بإعادة شراء الأصل بالسعر نفسه بعد خمس سنوات، على أن تسدد عائداً معيناً للصندوق.
ولضمان عدم وقوع أي خسارة المال العام والبنوك في حال انخفاض سعر الأصل عن سعر الشراء، يعطى الصندوق حق إلزام الشركة التي باعته الأصل بإعادة شرائه عند انتهاء الأجل.
هذه الآلية كفيلة، وفق الخبراء، بتحريك مياه السيولة الراكدة. فالكثير من المجموعات الاستثمارية والشركات المدرجة لديها أصول لا بأس بها، حتى ولو كانت متعثرة. (أما الشركات الورقية التي لا تلوي على شيء فقد فرزها السوق وافتُضح أمرها). والمشكلة أن هذه الأصول غير سائلة، فيما المطلوبات سائلة، بمعنى أنها واجبة السداد، والمشكلة الأخرى أن أسعار هذه الأصول متهاوية، سواء كانت أسهماً أو عقارات أو أصولاً مدرّة للدخل.
ويبدو أن القناعة باتت راسخة بأن القطاع الخاص يملك السيولة الكافية لانتهاز الفرص، لكن المشكلة تكمن في ضعف الثقة التي تولّد شللاً في أسواق الأصول. فمثلاً، هناك شعور عام بأن أسهماً مثل «زين» و«الوطني» وسواها تستحق أسعاراً أفضل من هذه، لكن حين يأتي الأمر إلى تحريك الأموال للشراء يستبدّ الإحجام، ربما لعدم الثقة بأن الأسعار لن تهوي أكثر. والمعادلة نفسها تنطبق على السوق العقاري.

باقة أوسع وأشمل
لكن ما يجري البحث فيه حالياً هو باقة متكاملة، تشمل، إلى ما سبق، إطلاق عجلة الإنفاق الحكومي وفتح مجالات الاستثمار، لأن تحريك السيولة من دون إيجاد قنوات لاستثمارها في القطاعات المنتجة يعيد السوق إلى دورات تضخم أسعار الأصول التي كانت أصل البلاء.
إلا أن هذه الباقة لن تتضمن على ما يبدو أي إجراءات جديدة لرفع أسعار الأسهم، فتحسّن أسعار الأصول وتخفيف عبء محافظ الرهونات عن البنوك كفيلان بتحسّن السوق تلقائياً، ما يعني أن سبب إحجام «المحفظة الوطنية» لن يظل قائماً، فربما تتحرك على أسس استثمارية فستسفيد وتُفيد.
مناقشات اليوم تبدو جديّة، وربما يمكن انتهاز اللحظة السياسية لكسر الجمود القائم منذ سنوات.
صحيح أن الممكن اليوم بعضه لم يكن ممكناً بالأمس، لأن الصورة لم تكن واضحة، ولم يكن لأحد أن يتكهن بالمدى الذي سيصل إليه تراجع الأصول، لكن الصحيح أيضاً أن مارس 2009 كان نقطة قاعٍ حقيقية للسوق، ولو أن الحكومة تدخّلت حينها لما كانت الأزمة ظلت في عمق الجهاز المصرفي والمالي حتى اليوم، ولما تأخر التعافي إلى هذا الحد، ولما وصل السوق إلى قاعين جديد في 2011 و2012.