| ماريا نشأت نجيب |
/> تساقطت أوراق رزنامتي كأوراق الخريف الجافة، باردة متشققة تحمل بين ثنياتها أياما على وشك الرحيل، يومان فقط وألامس السحاب، بدأت أعد حقائبي وأخرج ثيابي وأدخل ألعابي والبيت صار شرفة تتمايل فيها نسمات الذكريات، ترافقها الدمعة منفردة تارة، والضحكة تزين الدمعة تارة أخرى، أتجول في أركان بيتي، ويتجول معي خيالي فاتحا أبواب الماضي كناقوس يصرخ في دنيا النسيان، أدير وجهي لأتهرب من البكاء، وعلى طرف عيني تظهر صورة المكتب الصغير الذي بدأت عليه أحلامي، مازالت آثار أقلامي تداعب ظهره، وعلى الطرف الآخر ألمح سريري حيث كنت أغفو وأترك همومي على وسادتي الزرقاء، أترك جدراني تصيح بكل ملصق وكل حكاية مزخرفة عليها: لا تغادري. وأنا بألمي أجيب: يجب أن أفعل. قد رسمت كل متر من منزلي في طبقات روحي، وأشعر إني قد أعود، أو بالأصح (قد لا أعود) فالحياة غادرة والوقت لص أعمى، وقد تكون هذه آخر مرة تطئ قدمي فيها نسيج سجادتي، تسلل الأرق إلى عيني، والقلق انساب في مجاري أحلامي، الوداع أشواك تغرس في جفني، تؤلم أسلاك ذاكرتي كما تجهد أجزائي، أتعرق من حزن الفراق، ومكيفي يلحن موسيقاه المعتادة، صوته كفرامل السيارة أحبته أذني كالونيس الليلي، نهضت مهمومة أتجول نصف نائمة نصف مسروقة من عالم الراحة، أتلمس أغراضي، أناجي أيام الماضي، فتحت النافذة ونظرت نظرة السقيم المشتاق، أتأرجح بناظري بين الشارع والبناء، ثم شردت نحو الفضاء، أحفظ تضاريس السماء التي كانت سقف خواطري ومنديل دمعتي السريرية، سحبني التفكير وخدعني التعب، فأسندت رأسي على الحائط وغفوت خمس دقائق أتدفأ من نعومة الهواء وأتأهب لمشوار الغد ورحلة المستقبل التي على وشك أن تتفجر نيرانها من براكين مشاعري، مستقبلي الذي حتم علي أن أترك ما أحب لأجري في شارع مجهول، ألهث خلف ما لا أعرف لأبني كياني المخفي الهوية، وتنضج أوراقي المتفرعة من أغصان طفولتي، وأصنع اسمي الذي زينته بالنضال والكفاح، الحياة مراحل متواصلة بها العديد من المفترقات والتناقضات والطرق المتفرعة، نواصل المسير فيها حتى ننزع لثام هوياتنا وترتفع نبرات أصواتنا المختبأة تحت شعار الإنتظار، عدت إلى وعيي وتذكرت جيدا أن أمسي قد علمني ومضى، ومستقبلي رهن حاضري واستعدادي، فأويت إلى فراشي، تغلغلت بين وسائدي، ابتسم وأتحدى الخطوة المجهولة، فثقتي درع لاقتحام منبع مخاوفي، وطموحي شلال يتدفق على صحراء عجزي، ونظرتي حفرة عميقة تنحدر على رصيف السطحية، وخطوتي سلم مرصوص بقلمي وخطي على أوراق حياتي الثابتة في دفتر إيماني، فلا يبعثرها الهواء ولا يقصفها عنف الزمن، لا تجعدها العجرفة، ولا يقهرها الخذلان ولا يوهمها اللين، يدي صممت وقلبي قوى، وعقلي نفذ الأساس واختار الموقع، فوجدت نفسي أودع مسقط رأسي على طريق الانطلاق في الصراع، أستجيب لنداء التحدي، أشارك الأحياء في دوامة الانقلاب المعتادة، أرمي كرتي نحو الشبكة، فقد حان دوري لأجري وأعتلي منبر التسديد وأطلق صوتي المكتوم في حنجرتي الذهبية الصغيرة، لا أخاف من الإخفاق،فمهما كانت النتيجة ستظل علامة فارقة في سيرتي الذاتية، وخط أتوقف عنده وأنحني أمامه لأتعلم، سيكون دوما أفضل من القبوع في خوفي، الخوف من البناء يعني المكوث أبد العمر بين الرمال، سبحت بين أوتاري المنسقة، وتركت ساعاتي تعبر على وتيرة منتظمة... أنفاسي المسترخية العابرة مع صوت مكيفي، كأنما فرقة من الستينات عادت لتفتح أبواب مسارحها، انبثق الفجر من قلب السماء معلنا بداية اليوم الحافل، استيقظت لأبحر على قارب الاستعداد، أرجو الوقت أن يخطفني إلى نهاية اليوم ليهدأ البال، أخذت أرتب حقائبي وأكمل مرحلة التوديع الجسيمة، كبت جوعي في ميدان أحشائي، وألمي تركته على رفوف كتبي التي لم أستطع أن أحملها في حقائب سفري من كثرتها وثقلها على عمود ظهري، عاد الصدى إلى غرف بيتي كأنما ببغاء الوحدة أخذ يصيح، ومع اقتراب موعد السفر أخذت ألقي التحية على كل ركن حملني وحفظني وستر أسراري، ألقي النظرة الأخيرة وأترك بصمتي على مقبض الباب لتبقى رائحتي في بيتي، وصورة بيتي في يدي، أطفأت الأنوار أغلق كتاب عيشي في هذه البلد وأغادر عتبة الباب لأدخل غلافا جديدا بعنوان مختلف، ركبت السيارة أناشد القمر ينزع النقاب وينير طريقي نحو المطار، أصور لوحات الذكرى الأخيرة في هذه البلاد، أنسحب بهدوء من مداخل الذكرى القابعة على حافة الطرقات، على اليمين المدرسة، وعلى اليسار المركز التجاري... تبا أريد أن أقود مغمضة العينين، فلا تتحرر خراف عقلي في حقول الذكريات الجميلة، وتفتح بوابات الدموع القاسية من شبابيك عيوني اللامعة، عبرت اللحظات ودخلت المطار لأشعر بلمسة القشعريرة، لا فرق بينه وبين الشتاء كلاهما يثير رجفتي، كأني دخلت عالما آخر، شعرت أني أستعيد ذاتي المشتتة بين ربوع الماضي الجميل، والتحمت أجزائي على صوت المذيعة التي تعلن عن انطلاق الرحلة، اتجهت إلى بوابة الانتظار كطفلة استعادت روحها، أرى المحلات والمطاعم فتبث في أنفاسي حلاوة المغامرة، وصوت موسيقى الأوبرا يراقص مسامعي، يذكرني بحلمي الأثري المتعلق بحب السفر، وتحييه في شراييني بعدما ارتخى جسمي من هيمنة السنين الطوال، مشقة وعناء قضيته الأسابيع الماضية تلاشى كالدخان الحائر أمام عرش الطائرة البيضاء المتوجة خلف لوحات الزجاج، سرقت شغفي بعزتها، وهزت نبضي بثباتها، تفرد جناحها الحديدي وترفع رأسها نحو القمة، تعتلي منصة المجد الممزوج بالخطورة في كل خطواتها، قوية صامدة منذ القدم، ثابتة تضرب بعجلاتها صخور المجرى، يتدافع الركاب إليها كاندفاع النحل، كل يأخذ مكانه في حضنها الدافئ تحت ظل هيكلها المتين، أخيرا وقفت على سجادتها وجلست على كرسيها، واستسلمت للهواء والضجة العابرة بين أركانها، أصوات المضيفة المختلطة ببكاء الطفل الصغير الخائف، أما أنا فوضعيتي تنم عن قدومي من كوكب آخر، أحلم وأتقلب وأتخيل، أعبر بين المصاعد الهوائية، أنا الآن طير يحلق في أ قاصي العنان، أشير بيدي على النافذة الزجاجية لأسجل مسودة على المدن التي تظهر صغيرة كالتماثيل المستندة في مخازن المتاحف الزمنية، صور من المعارض تداخلت مع تحف الواقع فبثت جملة من البهجة على شفا لساني، وتلونت السعادة الغريبة الساخرة على نغمة شفتي أحدق في آخر نقطة تظهر على خريطة البصر، أتنفس ببطء كمن يحاول النوم في سرداب دافئ مظلم، فتثير عيني شرارة من جناح الطائرة، تحدد وجهة الطيار وتعيق خطتي الحربية للنوم الهادئ، حان وقت الوجبة، فرفعت رأسي ألتف في أجواء السحر، أتلمس رائحة العصير والخبز المستلقي على الأطباق في يد المضيفة، قد صار الركن مرتعا يثير الشغف، يدغدغ حواسي كل لحظة، مع كل تمايل خفيف للطائرة تتمايل روحي وتبتسم بعد أن غرقت في بحر الدموع الحاد، روحي يعذبها الوداع والآن يدللها طيف النسيم، أتذوق لهفة المغامرة، أدير عجلة الحكايات فتندفع نبرة التحدي، أدهن غرفة أفكاري بلون التغيير، أتقبل لمسة الهجرة المندفعة من تحت سور الروتين، أكسر حاجز التسلسل، أترك فيضان التجوال يغرق أنفاسي وينعش أعضائي المستلقية على أرض الانقباض، تتبلور أغنية العمل وينصهر الشوق في قارورة الت عمير، ويهبط جفناي مع الجناح الأملس والعجلات المتخلخلة الدافعة التراب قرب طرف المطار الآخر، قد انتهت جولة الإقلاع والسفر ومرحلة الإعداد، وبدأت مرحلة الهبوط في أرض العمل، مرحلة الشقاء، مرحلة البناء، نضع حبة الرمل مع قليل من الصخر، نضيف الحديد إلى تربة العمر ونوزع المزيج على جوانب الشقوق، فنغلق المنافذ ونخفي العيوب ونصنع الإنسان، لي أمنية أن أرفع راية الصرح الكبير الذي سيخفف مدامع البشر، ويطوي قلاع التعب، سأضع قلبي في دراستي وعملي، وأكمل حلقة الجد وأختمها بشجرة المستقبل الوارفة، تحت ظل الظروف سأحمل قلمي وورقتي، وأسجل حركة قلبي واتجاه نظرتي الحساسة، إذا اشتدت علي حرارة الوحدة سأحاربها بمظلة العمل، وإذا احتد على رئتاي اختناق اليأس، سأرش عطر التجديد، سأعزل خاطري عن كل المحطمات، ما يكسر عاطفتي يقصف ظهري، وما قد يوجع مفاصلي لربما يطيب إحساسي، فأجد في هذه البلد أسرة افتقدتها في غربتي أو صديقا يعوضني عمن آذاني في مصلحة، ولربما أستعيد مفهوم التجمع الذي سيضمد جرح هجرتي، فأنا مسافرة أقاتل ظلام الشوق بالحنين، وأعاند جذور الكد بالتعب، أنا مسافرة أتواصل مع غدي بالطائرة وأمسي أتركه في محطة القطار، أنا مسافرة أحمل في صدري مذكرات أثقلت كاهل صناديقي، أبكت حقائبي ونضرت أقلامي، قد وصلت إلى البلد المطلوب لكني أعلم أن غدا لي رحلة في الاتجاه المعاكس وسأمر من جديد على الخدش الذي تركته صفعة أقدامي على رصيف المطار.
/>
/> تساقطت أوراق رزنامتي كأوراق الخريف الجافة، باردة متشققة تحمل بين ثنياتها أياما على وشك الرحيل، يومان فقط وألامس السحاب، بدأت أعد حقائبي وأخرج ثيابي وأدخل ألعابي والبيت صار شرفة تتمايل فيها نسمات الذكريات، ترافقها الدمعة منفردة تارة، والضحكة تزين الدمعة تارة أخرى، أتجول في أركان بيتي، ويتجول معي خيالي فاتحا أبواب الماضي كناقوس يصرخ في دنيا النسيان، أدير وجهي لأتهرب من البكاء، وعلى طرف عيني تظهر صورة المكتب الصغير الذي بدأت عليه أحلامي، مازالت آثار أقلامي تداعب ظهره، وعلى الطرف الآخر ألمح سريري حيث كنت أغفو وأترك همومي على وسادتي الزرقاء، أترك جدراني تصيح بكل ملصق وكل حكاية مزخرفة عليها: لا تغادري. وأنا بألمي أجيب: يجب أن أفعل. قد رسمت كل متر من منزلي في طبقات روحي، وأشعر إني قد أعود، أو بالأصح (قد لا أعود) فالحياة غادرة والوقت لص أعمى، وقد تكون هذه آخر مرة تطئ قدمي فيها نسيج سجادتي، تسلل الأرق إلى عيني، والقلق انساب في مجاري أحلامي، الوداع أشواك تغرس في جفني، تؤلم أسلاك ذاكرتي كما تجهد أجزائي، أتعرق من حزن الفراق، ومكيفي يلحن موسيقاه المعتادة، صوته كفرامل السيارة أحبته أذني كالونيس الليلي، نهضت مهمومة أتجول نصف نائمة نصف مسروقة من عالم الراحة، أتلمس أغراضي، أناجي أيام الماضي، فتحت النافذة ونظرت نظرة السقيم المشتاق، أتأرجح بناظري بين الشارع والبناء، ثم شردت نحو الفضاء، أحفظ تضاريس السماء التي كانت سقف خواطري ومنديل دمعتي السريرية، سحبني التفكير وخدعني التعب، فأسندت رأسي على الحائط وغفوت خمس دقائق أتدفأ من نعومة الهواء وأتأهب لمشوار الغد ورحلة المستقبل التي على وشك أن تتفجر نيرانها من براكين مشاعري، مستقبلي الذي حتم علي أن أترك ما أحب لأجري في شارع مجهول، ألهث خلف ما لا أعرف لأبني كياني المخفي الهوية، وتنضج أوراقي المتفرعة من أغصان طفولتي، وأصنع اسمي الذي زينته بالنضال والكفاح، الحياة مراحل متواصلة بها العديد من المفترقات والتناقضات والطرق المتفرعة، نواصل المسير فيها حتى ننزع لثام هوياتنا وترتفع نبرات أصواتنا المختبأة تحت شعار الإنتظار، عدت إلى وعيي وتذكرت جيدا أن أمسي قد علمني ومضى، ومستقبلي رهن حاضري واستعدادي، فأويت إلى فراشي، تغلغلت بين وسائدي، ابتسم وأتحدى الخطوة المجهولة، فثقتي درع لاقتحام منبع مخاوفي، وطموحي شلال يتدفق على صحراء عجزي، ونظرتي حفرة عميقة تنحدر على رصيف السطحية، وخطوتي سلم مرصوص بقلمي وخطي على أوراق حياتي الثابتة في دفتر إيماني، فلا يبعثرها الهواء ولا يقصفها عنف الزمن، لا تجعدها العجرفة، ولا يقهرها الخذلان ولا يوهمها اللين، يدي صممت وقلبي قوى، وعقلي نفذ الأساس واختار الموقع، فوجدت نفسي أودع مسقط رأسي على طريق الانطلاق في الصراع، أستجيب لنداء التحدي، أشارك الأحياء في دوامة الانقلاب المعتادة، أرمي كرتي نحو الشبكة، فقد حان دوري لأجري وأعتلي منبر التسديد وأطلق صوتي المكتوم في حنجرتي الذهبية الصغيرة، لا أخاف من الإخفاق،فمهما كانت النتيجة ستظل علامة فارقة في سيرتي الذاتية، وخط أتوقف عنده وأنحني أمامه لأتعلم، سيكون دوما أفضل من القبوع في خوفي، الخوف من البناء يعني المكوث أبد العمر بين الرمال، سبحت بين أوتاري المنسقة، وتركت ساعاتي تعبر على وتيرة منتظمة... أنفاسي المسترخية العابرة مع صوت مكيفي، كأنما فرقة من الستينات عادت لتفتح أبواب مسارحها، انبثق الفجر من قلب السماء معلنا بداية اليوم الحافل، استيقظت لأبحر على قارب الاستعداد، أرجو الوقت أن يخطفني إلى نهاية اليوم ليهدأ البال، أخذت أرتب حقائبي وأكمل مرحلة التوديع الجسيمة، كبت جوعي في ميدان أحشائي، وألمي تركته على رفوف كتبي التي لم أستطع أن أحملها في حقائب سفري من كثرتها وثقلها على عمود ظهري، عاد الصدى إلى غرف بيتي كأنما ببغاء الوحدة أخذ يصيح، ومع اقتراب موعد السفر أخذت ألقي التحية على كل ركن حملني وحفظني وستر أسراري، ألقي النظرة الأخيرة وأترك بصمتي على مقبض الباب لتبقى رائحتي في بيتي، وصورة بيتي في يدي، أطفأت الأنوار أغلق كتاب عيشي في هذه البلد وأغادر عتبة الباب لأدخل غلافا جديدا بعنوان مختلف، ركبت السيارة أناشد القمر ينزع النقاب وينير طريقي نحو المطار، أصور لوحات الذكرى الأخيرة في هذه البلاد، أنسحب بهدوء من مداخل الذكرى القابعة على حافة الطرقات، على اليمين المدرسة، وعلى اليسار المركز التجاري... تبا أريد أن أقود مغمضة العينين، فلا تتحرر خراف عقلي في حقول الذكريات الجميلة، وتفتح بوابات الدموع القاسية من شبابيك عيوني اللامعة، عبرت اللحظات ودخلت المطار لأشعر بلمسة القشعريرة، لا فرق بينه وبين الشتاء كلاهما يثير رجفتي، كأني دخلت عالما آخر، شعرت أني أستعيد ذاتي المشتتة بين ربوع الماضي الجميل، والتحمت أجزائي على صوت المذيعة التي تعلن عن انطلاق الرحلة، اتجهت إلى بوابة الانتظار كطفلة استعادت روحها، أرى المحلات والمطاعم فتبث في أنفاسي حلاوة المغامرة، وصوت موسيقى الأوبرا يراقص مسامعي، يذكرني بحلمي الأثري المتعلق بحب السفر، وتحييه في شراييني بعدما ارتخى جسمي من هيمنة السنين الطوال، مشقة وعناء قضيته الأسابيع الماضية تلاشى كالدخان الحائر أمام عرش الطائرة البيضاء المتوجة خلف لوحات الزجاج، سرقت شغفي بعزتها، وهزت نبضي بثباتها، تفرد جناحها الحديدي وترفع رأسها نحو القمة، تعتلي منصة المجد الممزوج بالخطورة في كل خطواتها، قوية صامدة منذ القدم، ثابتة تضرب بعجلاتها صخور المجرى، يتدافع الركاب إليها كاندفاع النحل، كل يأخذ مكانه في حضنها الدافئ تحت ظل هيكلها المتين، أخيرا وقفت على سجادتها وجلست على كرسيها، واستسلمت للهواء والضجة العابرة بين أركانها، أصوات المضيفة المختلطة ببكاء الطفل الصغير الخائف، أما أنا فوضعيتي تنم عن قدومي من كوكب آخر، أحلم وأتقلب وأتخيل، أعبر بين المصاعد الهوائية، أنا الآن طير يحلق في أ قاصي العنان، أشير بيدي على النافذة الزجاجية لأسجل مسودة على المدن التي تظهر صغيرة كالتماثيل المستندة في مخازن المتاحف الزمنية، صور من المعارض تداخلت مع تحف الواقع فبثت جملة من البهجة على شفا لساني، وتلونت السعادة الغريبة الساخرة على نغمة شفتي أحدق في آخر نقطة تظهر على خريطة البصر، أتنفس ببطء كمن يحاول النوم في سرداب دافئ مظلم، فتثير عيني شرارة من جناح الطائرة، تحدد وجهة الطيار وتعيق خطتي الحربية للنوم الهادئ، حان وقت الوجبة، فرفعت رأسي ألتف في أجواء السحر، أتلمس رائحة العصير والخبز المستلقي على الأطباق في يد المضيفة، قد صار الركن مرتعا يثير الشغف، يدغدغ حواسي كل لحظة، مع كل تمايل خفيف للطائرة تتمايل روحي وتبتسم بعد أن غرقت في بحر الدموع الحاد، روحي يعذبها الوداع والآن يدللها طيف النسيم، أتذوق لهفة المغامرة، أدير عجلة الحكايات فتندفع نبرة التحدي، أدهن غرفة أفكاري بلون التغيير، أتقبل لمسة الهجرة المندفعة من تحت سور الروتين، أكسر حاجز التسلسل، أترك فيضان التجوال يغرق أنفاسي وينعش أعضائي المستلقية على أرض الانقباض، تتبلور أغنية العمل وينصهر الشوق في قارورة الت عمير، ويهبط جفناي مع الجناح الأملس والعجلات المتخلخلة الدافعة التراب قرب طرف المطار الآخر، قد انتهت جولة الإقلاع والسفر ومرحلة الإعداد، وبدأت مرحلة الهبوط في أرض العمل، مرحلة الشقاء، مرحلة البناء، نضع حبة الرمل مع قليل من الصخر، نضيف الحديد إلى تربة العمر ونوزع المزيج على جوانب الشقوق، فنغلق المنافذ ونخفي العيوب ونصنع الإنسان، لي أمنية أن أرفع راية الصرح الكبير الذي سيخفف مدامع البشر، ويطوي قلاع التعب، سأضع قلبي في دراستي وعملي، وأكمل حلقة الجد وأختمها بشجرة المستقبل الوارفة، تحت ظل الظروف سأحمل قلمي وورقتي، وأسجل حركة قلبي واتجاه نظرتي الحساسة، إذا اشتدت علي حرارة الوحدة سأحاربها بمظلة العمل، وإذا احتد على رئتاي اختناق اليأس، سأرش عطر التجديد، سأعزل خاطري عن كل المحطمات، ما يكسر عاطفتي يقصف ظهري، وما قد يوجع مفاصلي لربما يطيب إحساسي، فأجد في هذه البلد أسرة افتقدتها في غربتي أو صديقا يعوضني عمن آذاني في مصلحة، ولربما أستعيد مفهوم التجمع الذي سيضمد جرح هجرتي، فأنا مسافرة أقاتل ظلام الشوق بالحنين، وأعاند جذور الكد بالتعب، أنا مسافرة أتواصل مع غدي بالطائرة وأمسي أتركه في محطة القطار، أنا مسافرة أحمل في صدري مذكرات أثقلت كاهل صناديقي، أبكت حقائبي ونضرت أقلامي، قد وصلت إلى البلد المطلوب لكني أعلم أن غدا لي رحلة في الاتجاه المعاكس وسأمر من جديد على الخدش الذي تركته صفعة أقدامي على رصيف المطار.
/>