| بيروت ـ «الراي» |
ماذا بعد انكشاف خفايا «الصندوق الاسود» للعملية الامنية البالغة الخطورة التي كان يعد لها «مستشار» الرئيس السوري بشار الاسد، الوزير والنائب السابق (اللبناني) ميشال سماحة، وقادته امس مع «مضبوطاته واعترافاته» الى خلف القضبان في المحكمة العسكرية.
اي موقف ستتخذه الحكومة اللبنانية في ضوء الاعترافات «الموثقة» لسماحة، الذي يوصف في بيروت بـ «رجل الاسد»، واقراره بنقل متفجرات من مكتب رئيس الجهاز الامني السياسي السوري اللواء علي مملوك، لزرعها في شمال لبنان في اطار مخطط دموي - فتنوي؟
كيف سيتصرف الحلفاء المحليون لسماحة وللنظام السوري بعدما انفضح امر العمليات لتخريب لبنان وتصدير الازمة السورية اليه بـ«الحديد والنار»، لا سيما «حزب الله» الذي سارع الى التراجع عن موقف متسرع تحدث فيه عن «فبركات امنية لن نسكت عنها»؟
ما الذي دفع شخصية سياسية كميشال سماحة للانتقال من موقع مستشار للاسد في العلاقات العامة والاعلام، ومن دور «منتظر آت» في الجيوبوليتيكا على الشاشات، الى ادارة عملية امنية، ومدها بالمتفجرات والمال، لاحداث فتنة دموية هائلة في بلاده «الام»؟
هذه الاسئلة التي شغلت بيروت، في انديتها السياسية والشوارع والسفارات العاملة فيها، جرجرت «الرواية الكاملة» لتواطؤ سماحة والنظام السوري على تفجير الاوضاع في لبنان، ومن تلك الاسئلة ايضاً:
? هل ستؤدي الضغوط التي يمارسها الاسد على «مرجعيات» في لبنان الى طمس الادلة الدامغة وبـ «الصوت والصورة»، على النحو الذي يؤدي الى «تمييع» هذا الملف الخطر؟
? هل تجرؤ الحكومة اللبنانية، امام الوقائع المذهلة عن تورط كبار المسؤولين السوريين في مخطط لتفجير الفتنة الطائفية في لبنان، على تقديم شكوى الى جامعة الدول العربية او الامم المتحدة، او حتى استدعاء السفير السوري؟
? بعد ما قاله سماحة «هيك بدو بشار»، اي مقاربة سيعتمدها «حزب الله» لغسل يد حليفه الاستراتيجي، اي النظام السوري، من خياره المكشوف لزعزعة استقرار لبنان و«تفجيره».
لا تملك الدوائر المراقبة في بيروت اجابات حاسمة على هذه «السلة» من الاسئلة التي طغت على كل ما عداها في اليوم الثالث على توقيف سماحة، الذي اقتيد امس السبت الى المحكمة العسكرية، ايذاناً ببدء محاكمته.
وكان ملف سماحة شهد تطوراً متوقعاً امس تمثل في ختم محضر التحقيق الاولي وتسليمه للمدعي العام التمييزي بالوكالة القاضي سمير حمود الذي قام بدوره بإحالته على النيابة العامة العسكرية مع كل المضبوطات والأدلة والأفلام قبل ان يتمّ سوق الوزير والنائب السابق الى المحكمة العسكرية.
ومن المنتظر ان تدّعي النيابة العامة العسكرية على سماحة بحلول الاثنين كحدّ اقصى وتحيله على قاضي التحقيق العسكري.
وفي هذه الاثناء بقيت الوقائع «المثيرة» لكيفية «الايقاع» بسماحة تتوالى، وسط إرباك حلفاء النظام السوري في بيروت وارتياح 14 آذار لأول ضبط لهذا النظام بـ «الجرم المشهود» في ملفات «تخريبية» في لبنان.
وكان لافتاً ما كشفته تقارير صحافية عن ملابسات توقيف الوزير والنائب السابق والدور الذي لعبه الشخص (يقال انه من آل كفوري) الذي كان سماحة يحاول تجنيده لتنفيذ المهمات التفجيرية في الشمال في توثيق الاتهامات وتأمين ادلة «لا يرقى اليها الشك» وأصابت حتى أكثر الاطراف التصاقاً بالنظام السوري بـ «الذهول».
وبحسب هذه التقارير فان م. ك.، كان حضر قبل نحو ثلاثة اسابيع إلى «فرع المعلومات»، وأبلغ رئيسه العميد وسام الحسن بأن سماحة طلب منه «تأمين مجموعة من الشباب الموثوقين لنقل عبوات ناسفة إلى منطقة الشمال وتفجيرها هناك، لقاء مبلغ مالي». وبعد استغراب الحسن ما قاله م.ك.، وفي ضوء إلحاح الأخير وطلبه ضمانات أمنية، بادر الحسن إلى مراجعة مدعي عام التمييز السابق القاضي سعيد ميرزا (لم يكن قد تقاعد بعد)، وأبلغه بإفادة م.ك.، عندها طلب ميرزا تقديم طلب إلى النيابة العامة التمييزية، حتى يحظى المخبر بالحماية القانونية، على ان يحظى بحماية امنية من «المعلومات»، ثم تم تزويده بقلم صغير يوضع في جيب القميص مجهز بكاميرا بهدف تصوير ما سيحصل.
وبعد فترة قصيرة، حصل اتصال بين سماحة وم.ك.، واتفقا على لقاء في مكتب سماحة في الأشرفية، قام خلاله م.ك. بتسجيل وتصوير كل الوقائع وسلمها في اليوم التالي إلى الحسن (كلام عن العبوات ونقلها إلى الشمال، وتفجيرها في أي تجمع كبير في عكار، واستهداف أي شخصية مهمّة، (أعطى مثالاً النائب خالد الضاهر)، وأي (شخصية سورية معارضة)، وتوالت اللقاءات بين سماحة وم.ك. وزُوّد ميرزا بتفاصيلها.
وبعد فترة قصيرة، ابلغ م.ك. «فرع المعلومات» ان سماحة طلب لقاءه الثلاثاء الماضي، أي قبل يومين من التوقيف، وذلك في موقف السيارات الكائن تحت مبنى مكتبه في الاشرفية، لتسليمه العبوات مع المبلغ المالي (170 الف دولار اميركي) وطلب منه ان يسجل وقائع اللقاء بدقة بالقلم ـ الكاميرا.
وبحسب التقارير ذاتها، ابلغ م.ك. مساء اليوم نفسه، «فرع المعلومات» أن سماحة سلمه العبوات الناسفة، وانه صوّر سماحة وهو ينقل العبوات شخصياً إلى صندوق سيارته. فطـُلب اليه ان يحضر بسيارته فوراً إلى «فرع المعلومات» مع العبوات، وتم فوراً إبلاغ مدعي عام التمييز بالوكالة القاضي سمير حمود، الذي أمر بمصادرتها جميعاً، كما طلب تحضير الملف ومراجعته فيه.
وتبين ان عدد العبوات 24 عبوة ناسفة، اربع منها كبيرة الحجم، زنة الواحدة حوالي 15 كيلوغراماً من المواد المتفجرة المدموجة بكرات معدنية صغيرة، وهي كناية عن اربع قوارير غاز متوسطة الحجم ومزودة بفتيل متفجر وصاعق، وجهاز تحكم عن بعد.ووفق التقارير فانه بعيد توقيف سماحة حصل تواصل مع «حزب الله» الذي استنكر في البداية ما وصفه بـ «التعرض والفبركة ضد سماحة» قبل ان يبرز يوم الجمعة تطور في موقفه اذ ابلغ من يعنيهم الامر انه لم يتبنَ الموقف الذي اعلنه رئيس كتلة نوابه محمد رعد من التوقيف «الذي لن نسمح به».
وبحسب ما تم نشره فان سماحة بعدما ووجه بالوقائع والأدلة وبالأفلام المصورة عن العبوات الناسفة ومبلغ الـ170 الف دولار، قال للعميد وسام الحسن: «سأكون واضحاً معك، أعترف أنني ارتكبت غلطة كبيرة، وأشكر ربي أنكم كشفتم القضية قبل ان تحصل التفجيرات كي لا أحمل وزر الدم والضحايا التي ستسقط»، ثم اعترف بانه ذهب إلى سورية قبل ايام قليلة، وتوجه مباشرة بسيارته التي كان يقودها بنفسه إلى المبنى الامني، حيث يقع مكتب اللواء علي المملوك، وهناك اخذت منه سيارته، وتم وضع العبوات الناسفة في صندوقها الخلفي، ومن هناك قادها سماحة من دمشق إلى بيروت.
وفي سياق متصل، تضاربت المعلومات حول م.ك وكيفية تعرفه الى سماحة، اذ اشارت تقارير الى انه كان يعمل لحساب دولة أجنبية هي التي جنّدته لمراقبة تنقلات الوزير السابق ووضع تقارير يومية عنه، وأن هذا العنصر بات وثيق الصلة بسماحة إلى حد أنه طلب منه الأخير نقل العبوات الناسفة التي حصل عليها، في حين لفتت تقارير اخرى الى ان م.ك سبق ان التقاه سماحة مرات عدة في مكتب اللواء علي المملوك وهو ما جعله مصدر ثقة، الا ان هول المخطط الذي كان يُخطط للشمال دفع بالأخير الى إفشاء سرّه.
في هذه الأثناء، ووسط معلومات عن ان «بنك اهداف» المخطط الارهابي كان يتضمّن زرع عبوة ناسفة تطيح موكب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي خلال زيارته لعكار التي يبدأها الاثنين، إضافة الى عبوة ناسفة تستخدم في إفطار يحضره مفتي طرابلس والشمال «مالك الشعار»، فضلا عن اهداف أخرى بينها النائب خالد الضاهر، والنائب معين المرعبي، وقيادات في المعارضة السورية، ترصد الدوائر المراقبة التداعيات السياسية لهذا الملف وكيفية «الرد» الرسمي عليه بعدما كان رئيس الجمهورية رسم سقفاً متشدداً للغاية حيال الخروق السورية للاراضي اللبنانية قصفاً وذلك بطلبه تسليم رسالة احتجاج الى السفير السوري في بيروت، من دون ان يتضح المدى الذي يمكن ان يذهب اليه لبنان الرسمي امام اكبر إحراج على مستوى علاقته مع الدولة السورية.