ما الذي يحدث في العراق؟ هل صحيح أن الإدارة الأميركية استطاعت تحسين أوضاعها أو أوضاع البلد بعد مرور خمسة أعوام على إسقاط النظام العائلي- البعثي الذي أقامه صدّام حسين؟ هل يمكن القول أن العراق في ظل حكومة نوري المالكي في وضع أفضل مما كان عليه في ظل نظام المقابر الجماعية؟من الواضح، أن ما حصل في البصرة أخيرا يعطي فكرة عما ينتظر العراق. ما ينتظر العراق حروب داخلية جديدة ستطول... مؤدية إلى مزيد من الشرذمة وذلك في ظل حكومة ضعيفة تشكو من تجاذبات وانقسامات ذات طابع مذهبي ومناطقي يصعب التخلص منها. كانت «معركة البصرة» التي خاضها المالكي شخصيا مؤشرا إلى فشله الشخصي من جهة، والفشل الأميركي في إقامة جيش قوي يكون بديلا عن الجيش العراقي السابق، الذي اتخذ الحاكم المدني للعراق بول بريمر قرارا بحله في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها غامضة، من جهة أخرى. إلى الآن، لا يزال هناك في الولايات المتحدة نفسها من يبحث عن تفسير للقرار الذي اتخذه بريمر وأبلغه إلى الرئيس بوش الابن وكبار مساعديه في الثاني والعشرين من مايو في العام 2003. كان وزير الخارجية كولن باول غائبا عن اللقاء، الذي تم عبر الأقمار الاصطناعية،  بين كبار المسؤولين في واشنطن من جهة وبول بريمر الذي كان في بغداد من جهة أخرى. ولما عاد باول من رحلة إلى باريس، سأل كوندوليزا رايس، التي كانت مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، عن القرار القاضي بحل الجيش، فأجابت أنها لا تعرف عنه شيئا. كل ما فعلته رايس أنها وافقت على القرار من دون مناقشته. ويشير تقرير طويل، نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أخيرا حول هذا القرار، إلى أن بريمر وضع كبار المسؤولين الأميركيين أمام الأمر الواقع.  فوجئ هؤلاء جميعا بإتخاذه القرار وطرحه في الإجتماع الذي تم برئاسة بوش الابن. لم يستطع أي من المسؤولين عرض وجهة نظر مختلفة، خصوصا أن الصيغة، التي استخدمها من كان في حينه صاحب القرار الأول والأخير في العراق، حظيت بموافقة بوش الابن وذلك تحت شعار عام كان ينادي به أحمد الجلبي وهو «استئصال البعث».إلى اليوم، لا يزال العراق يعاني من قرار بريمر الذي لا تفسير له سوى أنه كانت للرجل أجندة خاصة به لا علاقة لها بتلك المقررة في مرحلة الإعداد لاجتياح العراق. وهذا ما كشفته وثائق نشرت أخيرا. قبل أسابيع قليلة من بدء العمليات العسكرية التي قادت الجيش الأميركي إلى بغداد فدخلها في التاسع من أبريل 2003، كان كبار المسؤولين في وزارة الدفاع، بمن فيهم دوغلاس فيث المحسوب على المحافظين الجدد، يعرضون خططا ترتكز على المحافظة على الجيش العراقي بعد تنظيفه من آثار البعث. وفي هذا المجال، قدّم فيث بنفسه، مستعينا بشاشة ورسوم، عرضا يشرح فيه أن الخطة الأميركية التي اعتمدت تقوم على فكرة الإبقاء على ما بين ثلاث وخمس فرق من الجيش القديم لتشكل نواة لجيش جديد مهمته محصورة في حماية البلد.جاءت «معركة البصرة» التي أوقفها اتفاق لوقف النار توصلت إليه الحكومة العراقية مع ممثلين لمقتدى الصدر في مدينة قم الإيرانية، بإشراف قائد كبير في «الحرس الثوري» الإيراني ورعايته، لتكرس الفشل في إعادة بناء جيش جديد. اضطرت حكومة المالكي إلى الإستعانة بالإيرانيين لتغطية الهزيمة التي لحقت بها في البصرة. لم ينفع الدعم العسكري الذي طلبته من الأميركيين والبريطانيين. كل ما أدّى إليه الدعم هو تأمين تغطية لانسحاب شبه منظم لقوات الجيش والشرطة من البصرة وتركها لـ «جيش المهدي» التابع لمقتدى الصدر والميليشيات الأخرى التي تدور في فلكه وعددها نحو ثماني عشرة ميليشيا. لم يستطع الجيش والشرطة السيطرة على أي حي من أحياء البصرة. كانت حسابات المالكي، الذي تقدم بنفسه في اتجاه البصرة لإنهاء ظاهرة «جيش المهدي» المدعوم من إيران، خاطئة. بدا واضحا أن الإيرانيين يراهنون حاليا على اعتراف أميركي كامل من دون مواربة بدورهم في العراق، وبأنهم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في البلد. والأهم من ذلك أنهم يريدون القول لكل من يهمه الأمر أن حكومة المالكي موالية لهم ومخترقة منهم كليا، لكن هذه الحكومة، المدعومة أيضا من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» بزعامة عبد العزيز الحكيم الذي ينادي بإقليم جنوبي، لا تستطيع أن تفعل شيئا من دون العودة إلى طهران.لم يفشل الجيش العراقي الجديد ومعه القوات الخاصة التابعة للشرطة في مواجهة «جيش المهدي» في البصرة فحسب، بل فوجئ أيضا بامتداد المواجهات إلى مناطق أخرى في العراق، بما في ذلك بغداد نفسها. ولعل أخطر ما في الأمر أن جنودا ورجال شرطة انضموا بالمئات إلى «جيش المهدي»، أو رفضوا إطلاق النار في اتجاه عناصره. وكانت النتيجة عودة المالكي إلى بغداد خائبا!بعد خمسة أعوام على سقوط صدام حسين وفراره من بغداد ثم توقيفه في حفرة وتنفيذ حكم الإعدام به بطريقة مشينة للمالكي وغيره، لا يزال العراق من دون جيش ولا تزال الإدارة الأميركية تبحث عن سياسة، اللهم إلاّ إذا كان تقديم البلد على طبق من فضة إلى الإيرانيين وتفتيته هو الهدف النهائي للغزو الأميركي للعراق. لا يمكن بأي شكل الترحم على نظام المقابر الجماعية الذي أقامه صدّام، الذي فتك بشعبه وأراد إزالة دولة عربية مسالمة اسمها الكويت من الوجود، لكن السؤال- اللغز الذي لا يزال من دون جواب: من وضع لبول بريمر أجندته؟ من دفعه إلى اتخاذ القرار بحل الجيش في العام 2003. إنه القرارالذي دفعت حكومة المالكي ثمنه في البصرة في 2008. في الختام، من يريد شرذمة المنطقة وإثارة كل أنواع الغرائز البدائية فيها؟ من يحل هذا اللغز الكبير الذي لا تفسير له سوى الرغبة في قيام شرق أوسط جديد على حساب كل ما هو عربي في المنطقة!

خيرالله خيرالله كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن