| محمد صالح السبتي |
للسيارة ثلاث مرايا... اثنتان جانبيتان وواحدة في الوسط تريك ما يدور خلفك بكل التفاصيل... إلا أنه ومع وجود هذه المرايا هناك زوايا عمياء لا تراها إما لدرجة ضبط المرآة أو لغيرها من الاسباب، وقد يختلف الأمر من سائق لآخر ومن سيارة لأخرى، لكن المحصلة أن هذه المرايا قد تعجز أحياناً عن مشاهدة هذه المناطق أو الزوايا العمياء.
في الحياة أيضاً هناك زوايا عمياء لا يستطيع الانسان أن يراها مهما بلغ من حسن الفكر والعقل والثقافة والخبرة، لكنها قد تخفى عن بصيرته ونظره فلا يراها، وقد يراها غيره، أو قد يراها أحياناً وتختفي أحياناً أخرى.
سبب الخلاف بين الناس كل الناس اما اختلافهم في تفسير ما يرون من الاشياء والحوادث، واما أن بعضهم لم ير هذه الزوايا العمياء وغيره شاهدها... اختلاف البشر في تفسير الامور قد يكون واضحاً في أذهاننا، فقد خلقنا الله مختلفين في كل شيء بما في ذلك طريقة فهمنا للحوادث وتفسيرها واستنتاج المدلولات، إلا أن كثيرا منا لا يعي أن هناك زوايا عمياء في الحياة قد تكون خافية عليه أو على غيره.
هذه المناطق العمياء في الحياة كما هي في قيادة السيارة تختلف وجوداً وعدماً ووضوحاً وضبابية بحسب مكان السيارة أو خط سيرها وأحياناً بحسب ما تريد أن تراه خلفك وأحياناً بحسب طريقة ضبط المرآة وأحياناً للشارع دور في هذا الوضوح والضبابية، وسرعة وبطئ من هو بالخلف، وعوامل كثيرة تؤثر على حسن رؤيتك لما يدور خلفك. الحال كذلك في الحياة والاختلاف بين البشر، فهذه الزوايا المعنوية يتأثر فهمك لها وغيابها عنك بأشياء كثيرة قد لا تكون مسؤولاً عنها، لكنك في النهاية مسؤول عن حسن فهمك وتقديرك لمثل هذه الأمور.
المسألة دقيقة جداً، ومهمة جداً ومفيدة جداً، هي لا تنهي الخلاف بين البشر قطعاً، لكنها من الممكن أن تنهي الاختلاف، بالامكان انتهاء الشجار والنزاع، لو اطلق كل انسان فكره في جميع أمور الحياة وخلافاتها وأمعن النظر في الكم الهائل للزوايا العمياء فيها أو التي قد توجد في ما قد يثور من خلافات لاستيقن تماماً أن رؤياه للامور مهما كانت قناعاته وايمانه بها الا أنها قد تكون غير مطابقة للواقع... وأن رؤيا غيره ومهما كانت درجة اقتناعه بخطئها الا أنها قد تكون صائبة. توسيع المدارك، ايجاد الاعذار، محاولة الانفتاح على الآراء كل الآراء كل هذا لا يأتي الا إذا اقتنعنا أن هناك زوايا عمياء لا نراها.
هذا كله لا يعني قلة ايمان بالافكار، ولا قتلاً للطموح في الدفاع عن المقتنعات، لا بل يعني مع شدة الايمان اعطاء مساحة للغير واحترام رأيه. اعكس الاماكن مع أي شخص تختلف معه فستجد الثمرة من معرفة «الزويا العمياء».
 
@ LawyerModalsbti