نلقي اليوم الضوء مع ضيفنا إبراهيم الحمري على جوانب عديدة من الماضي حيث يذكر لنا الفرضة التي كانت مقراً لجلب البضائع ثم تطرق الى عمله في نقلها إلى أماكن** بيعها كما يذكر الاسواق المتوافرة في ذلك الزمان ثم يحدثنا عن عمله مدرباً لقيادة السيارات... أحاديث شيقة ومتنوعة نقضيها فلنترك له ذلك:
والدي قدم للكويت وحين قدومه عمل عند أحد الشيوخ في مزرعته في العبدلي حيث يتولى تصليح المكائن المتواجدة في المزرعة لكن هذا العمل لم يستمر فيه والدي اتجه الى الأعمال الحرة فهي متوافرة في تلك الفترة والوضع يشجع على ذلك فالفرضة التي هي في مثابة الميناء كانت هي محطة جلب البضائع للكويت قاطبة والوالد كان مجاله في البداية هي شراء الخضراوات وبيعها فالكبراء التي كانت يطلق عليها الفرضة مختصة في الخضراوات كان محلها على الصّـيف بالقرب من الميناء وتأتي المراكب الخشبية الشراعية من العراق وايران والهند وترسو فيها وبشكل يومي خصوصاً المراكب التي تأتي من العراق والحركة تعج بالناس، ولم يكن الأمر يقتصر على المراكب الشراعية بل بدأت حركة النقل البري تعمل فكانت السيارات اللواري سيارات النقل الكبيرة تأتي من سورية ولبنان والاردن وغيرها من الدول والفواكه بالطبع تأتي من لبنان وسورية أما فلسطين فيأتي منها الخيار والطماطم والرقي عن طريق الأردن والعراق التمور تأتي منه بكثرة وهذا كله في الخمسينات... وقد اشترى للمحال بيع المواد التموينية والدي سيارة يستخدمها في نقل البضائع ينقلها لهم في محالهم ومكان تواجدهم في المرقاب والشرق والجبلة فالمحلات لبيع المواد التمويتية كانت متوافرة بكثرة والناس تتعامل معها لأنه ليس هناك جمعيات تعاونية وهذا العمل الذي استمر طويلاً كان أكثر شيء في فرجان وشوارع المرقاب لأن كان فيها بقالات بكثرة وأنا جئت الى الكويت بعد الوالد وتسلمت مكانه في العمل حيث انه عاد الى البلد.

القرية
نحن قريتنا اسمها «زعترة» في القرب من بيت لحم واهلها فلاحون يزرعون الحبوب وشجر الزيتون وهو موجود بكثرة وبيت لحم هي مهد المسيح عليه السلام كان يأتيها كثير من الزوار وأنا درست في قريتي حتى الفصل السادس.

العربانة
سيارة النقل التي استلمتها وهي عبارة عن سيارة ذات عجلات ثلاث لها بوز طويل وعجلة في الإمام واثنتان خلف وحجمها كبير ولها مقود ونحن أكثر ما كنا نشتري منه شركة عليان وكان معي عمال اهوازيون كنا نشتري صندوق البرتقال بسبع روبيات والرخص كان سائدا في ذلك الوقت.

الوسيلة
اول بداية نقل البضائع من الفرضة كانت على عربات تجرها الحصن كان مركزها في جواخير في القرب من بوابة الشامية يأتي لها من يعمل عليها وفي المساء يرجعها الى مكانها ثم تطور الامر وصار مكانها العربانة ذات الثلاث عجلات وكان يستوردها عبدالمحسن البراك وقيمة الواحدة 1500 روبية او 3000 روبية على نوع هذه العربانة، لانها اذا كانت ذات غرفة فوقها سعرها اكثر من الاخرى التي تكون مجردة ونحن كنا نشتريها شاصي ونحن نفصل لها من نجارين في الشرق وطريقة الشراء بالتقسيط والكل يشتري على معرفة الوالد سالم الحميري وكفالته ومكان مكتب عبدالمحسن بالقرب من سوق الصفافير في الشرق وهو الله يرحمه كان متساهلاً مع الناس يبيع بلا كفيل على حسب التيسير، كان عبدالمحسن البراك طيباً جداً الى ابعد الحدود ويبيع على الثقة والعربانة ذات الثلاث عجلات انتهى العمل بها سنة 1963، وحلت مكانها سيارات الوانيت.

المواصلة
استمررت أنا في عملي توزيع المواد الغذائية الخضار في الصباح والمساء معلبات حتى حلول عام 1963... وكان هناك صديق لنا يستعين بنا لأنه بائع سمك نذهب معه في منتصف الليل الى اللنجات الراسية في عرض النقعة ونحملها على العربانة الخاصة بنا ثم نوصل له السمك في سوق السمك والدنيا مظلمة لأن سوق السمك كان البيع والشراء به وقت الفجر.

الطريقة
أنا كنت اذهب في المساء الى جميع زبائننا أصحاب البقالات المتناثرة في فرجان وشوارع المرقاب وأخذ احتياجاتهم من السوق لكي أوفرها لهم من الغد والخضرة نأتي بها لهم وقت الصباح أما المعلبات فيتم توزيعها وقت المساء هكذا كان تقسيم العمل لنا لكن المعلبات كان شراؤها ليس من سوق الفرضة القريب من السيف كنا نشتري من سوق السلاح وسوق الطحين والتجار كثيرون منهم المنيس وسعد اللافي والمدعج والصقر.

الطرق
كانت طرق الكويت لا يذكر بها الزحام، اشارة المرور اذكر انها اثنتان فقط واحدة بالقرب من قصر نايف والثانية في الشرق ومحطات البنزين قليلة والطرق المعبدة ليست كثيرة وانا ادركت دروازات السور بعد هدمه.

الماء
كانت المهارة هم من يقومون بحركة نقل المياه على عربات ذات دفع يدوي والمهارة يدفعونها وفوقها خزانات المياه «التنكر» ويوصلونها للبيوت وكل درب توصيل يقوم من اوصله بوضع خط على جدار البيت كعلامة على كمية المياه التي قام بتوصيلها اي كل درب يوضع له خط حتى يصل الى 30 خطاً على ايام الشهر بعدها يتم حسابه اما البركة التي ادركتها فهي بركة ام سدرة في المرقاب كانت في القرب من المطبخ المركزي واذكرها لاننا كنا نسكن في القرب منها 20 سنة وكان مسجد الوزان قريباً منا وخارج السور، كانت المناطق المسكونة قليلة وقد تركت المهارة العمل في نقل الماء سنة 1962.

المرقاب
المرقاب كانت كلها كويتيين قبل أن يخرجوا منها للمناطق الجديدة والمساجد كثيرة فيها لكن نحن ادركنا جزءا منها سكنه العزاب وكان بها مقر سيارات الأجرة اما العربانة ذات الأرجل الثلاث فلقد استخرجت لها رخصة قيادة من المرور سنة 1958 وكان المرور في محل وزارة الإعلام حالياً وطبعاً لابد ان تحسن قيادة هذه العربانة ذات العجلات الثلاث والذي أجرى لي اختبار القيادة شخصية كانت معروفة لدى الناس وخصوصاً أصحاب السيارات وهو العريف حلاوة وكان يطبق لوائح المرور بحذافيرها وكان - رحمه الله - متواجداً في القرب من الاسواق واصحاب السيارات كانوا يقفون على أطراف الطرق مما يسبب عرقلة لحركة السير لكن كان لهم العريف حلاوة في المرصاد فعندما يصل لهم خبر تواجد العريف حلاوة كل يهرول مسرعاً ويضع سيارته في المكان المناسب أنا حينما قدمت الاختبار سألني العريف حلاوة من الذي علمك قيادة هذه العربة قلت له والدي فقال مادام والدك علمك فأنت ناجح لأن والدك سوف يحرص على مصلحتك ويعلمك.
كان هناك ساحة كبيرة مخصصة لاختبارات وبها أخذت أجري الاختبار وعريف حلاوة يقول تقدم وارجع بعدها قال ناجح.

التنزيل
كانت المراكب الشراعية ترسو مقابل الفرضة ثم تقوم مراكب صغيرة بتنزيلها على الساحل.

اليوم
كان يومنا يعج بالحركة والنشاط قبل الفجر، موعدنا مع سوق السمك وعند بزوغ الفجر نكون في سوق الفرضة نحمل الخضار وكل شارع وناحية وفريج في المرقاب نقف عنده حتى وقت الظهيرة بعدها يكون وقت توزيع مواد التموين ثم نعود الى المرقاب مرة أخرى حتى تغيب الشمس وفي الخمسينات كانت الكهرباء قليلة لذلك كان يعم السكون والهدوء البلاد في المساء.

الاستقلال
يوم استقلال الكويت كنت حاضرا لهذا الاحتفال الكبير وحين حدوث أزمة قاسم كنت وسط المتظاهرين عند قصر السيف وأخذنا جحش «حمار» صغيرا وجعلنا عليه صورة عبدالكريم قاسم وحملناه على سلة سيارة كبيرة وأخذنا نهتف بصوت عالٍ «يا بوسالم عطنا سلاح نحن نقاتل وانت ارتاح».
وخرج علينا الشيخ عبدالله السالم - رحمه الله - وخطب بنا خطبة عظيمة.... أما فرحة الاستقلال فكانت عظيمة فلقد كان الاحتفال به في شارع الخليج والكل شارك به كل جالية كان لها دور وتعرض الفلكلور الخاص بها ونحن فلسطينيون كنا نقوم بالفلكلور المشهور في بلدنا وهو الدبكة الفلسطينية وسحجة الأردنية.

الأسواق
كان سوق السلاح تكثر به الدكاكين التي تبيع المواد الغذائية من حبوب وحنطة وعيش وسكر وهيل وقهوة وبالقرب منه سوق الطحين وسوق الجت وسوق اللحم والسمك وشارع الغربللي يباع به الأحذية كان فيه سوق الحريم والدهلة.

الأمان
على كثرة المحال التجارية والباعة في الأسواق الكويتية في تلك الأيام لم نكن نسمع حوادث سرقة وسطواً، كان الباعة يضعون قماشاً على البضائع ويذهبون وقت الصلاة ويرجعون حتى في الظهيرة حينما يستريحون وكانوا يضعون قطع القماش على البضائع ويذهبون ساعة وساعتين ثم يعودون وقت العصر ولا أحد يأتي إليها كانت الحالة أماناً بشكل لا يتصور.

الغنم
سوق الغنم كان محاذياً لبوابة الشامية وقد عملت به فترة أيام الروبيات كان الضأن والماعز متوافرة بكثرة لأن أهل الأغنام كانوا يجلبون أغنامهم الى السوق بشكل يومي وهناك دلال خاص هو من يتولى عمل المزايدة اي المزاد على هذه الأغنام وأنا كنت ادخل هذه المزايدة اذا رأيت أن لي فائدة بها وانا اذا دخلت المزايدة في بيع الجملة ورست عليّ على الفور أقوم ببيعها لا أجعلها تتأخر عندي.

الصلبوخ
كنت أعمل على سيارة اجرة وركب معي من يعمل في الصلبوخ ومكان عملهم في تلك الأيام على الحدود العراقية وكان جميعهم عراقيين يعملون في الصلبوخ وانا كنت اظن محل اقامتهم قريباً وذهبت معهم حتى أوصلهم وكانوا يقومون في بيوت شعر فلما اوصلتهم فاذا عندهم قطيع بعارين قد ضاع منهم فقالوا اذهب معنا نبحث عنه فقلت لهم إن سيارتي ليس فيها بنزين فرفع السلاح في وجهي فقلت لهم لا يتطلب الموضوع رفع السلاح سوف اذهب معكم.
فذهبت معهم وسط الصحراء والدنيا كانت ليلاً فوجدنا أناساً وسألناهم فقالوا البعارين ذهبت جنوباً فواصلنا السير فوجدناها وهي باركة فانزلتهم عند بعارينهم فقالوا خلاص اذهب كما تشاء فمشيت على آثار عجلات السيارة حتى وصلت الى بيوت شعر ثم مشيت مرة اخرى على آثار عجلات سيارتي حتى عرفت الطريق الموصل للكويت بعدها تركت نقل الركاب.

الجراد
في أول الستينات جاء موسم الجراد بكثرة في ناحية الكويت والسعودية والخليج، فكان يؤتي به بخياش في صفاة الشامية والخيشة كانت ممتلئة بالجراد وقيمة مبيعاتها عشر روبيات ونحن حينما نشتريه نخرجه ونجعله أكواماً أمام الناس الذين كانوا يشترونه بكثرة وهذه الأكوام كانت لا تتعدى روبية، والجراد كان أنواعاً أما رأس الغنم لا يتعدى 15 روبية أما الدهن والسمن فهي متوافرة في صفاة الشامية لكن أنا لم أتاجر فيهما فهي لها اناس يحسنون العمل بها.

المطر
في الخمسينات والستينات كانت الأمطار في الكويت تأتي في موسمها والربيع يخرج في وقته والشتاء كان بارداً وفصل الصيف حاراً والنفوس كانت طيبة والناس مشاكلها قليلة وفي السنوات جاءنا المطر مصحوباً بالبرد التي اثر على زجاج السيارات فكسرها وهذا كان سنة 1963 لأن حبات البَرَدَ كانت كبيرة في الحجم.

التعليم
سنة 1972 انشأت مكتباً لتعليم قيادة السيارات وهذا الموضوع كان مشجعاً من الناحية التجارية فالسيارات أخذت تكثر في الكويت وبدأت الناس تستغني عن سيارات الأجرة والكويت توسعت وانشئت مناطق كثيرة في انحائها والعمال اخذت تأتي للكويت طلباً للرزق لذلك افتتحت هذا المكتب وكان معي اثنان من اخواني اما السيارات التي استخدمناها لهذا المشروع فقد اشتريناها من احدى الشركات وكان نوعها داتسون وقيمة الواحدة منها 500 دينار ولم يكن الاوتوماتيك متوافراً في تلك الأيام ومحل تعليم المتدربين كان في منطقة المنصورية وبها ساحات كبيرة والمتدربون نساء ورجال وكل متدرب على حسب استيعابه للتعليم لكن أكثر المتدربين من الرجال... وهناك كانت رهبة عند بعض الناس من قيادة السيارة لكن نحن كانت طريقتنا معهم بالتدرج وكان الذي يفحص المتدربين محمود البلهان ورئيس قسم الفحص سالم الرومي وساعة التدريب كانت بنصف دينار واستمررت على هذا المنوال حتى سنة 1990، وكفيل رخصة عملنا كان العم الله يرحمه سعود سليمان الفاضل كان رجلاً طيباً وخيّراً. كانت معاملته لنا كأننا أولاده. كان طيباً لأبعد الحدود كان أباً لنا وقد سكن منطقة الروضة ومحبوباً للجميع كانت كفالته مجانية وكان يدفع من ماله الخاص لنا ليشتري لنا سيارات كاشاً ونحن نقسطها عليه مساعدة منه لنا.

المكاتب
لم يكن هناك مكاتب لتعليم السيارات كثيرة حينما بدأنا بالعمل في تعليم القيادة، وكان قبلنا اربعة مكاتب فقط: الحمدان والعقاب والمهدي والعثمان ونحن مكتب الاخلاص.

الحج
أول حملة التحق بها هي حملة رزق الله الخالدي كنت بها ادارياً وسائقاً واستمررت ثماني سنوات متواصلة منذ السبعينات كنا نستخدم السيارات الشفر الكبيرة كنت أتوجه مع الحجاج الى المدينة ونقضي بها ثمانية أيام وصاحب الحملة رزق الله الخالدي يتوجه الى مكة حتى يجهز مقر الحجاج لحين وصولهم الى مكة والذي يتضمن سكناً في مكة وأرضاً في منى ثم يرجع لنا في المدينة ويأخذنا الى مقر الحملة وكانت وسائل النقل هي الباصات الكبيرة ويرافقها تريللتين بها أمتعة الحجاج وكان الحج في تلك الأيام أموره سهلة ومتيسرة ولم يكن هناك زحام مثل هذه الأيام وحين رجوع الحجاج هناك استقبال لهم عند المراكز الحدودية.

دسمان
اذكر مرة ذهبت مع احد الاشخاص الى قصر دسمان وقابلنا الشيخ عبدالله سالم وسلّمت عليه ودار حديث بيني وبينه وسألني من اي البلاد في فلسطين أنت؟ فأخبرته، وكان رجلا متواضعا جدا.