| خيرالله خيرالله |
يطوي غياب غسّان تويني صفحة في تاريخ الصحافة اللبنانية، صفحة اسمها «النهار». كان غسّان تويني ساحر الصحافة اللبنانية. كان استاذا بالفعل. اكتشف صحافيين ومفكرين كبارا يصعب العثور على من هم في مستواهم من قريب أو بعيد مثل الراحل ميشال ابو جودة بحسناته وسيئاته، رحمه الله. كذلك اكتشف الكاتب العالمي أمين معلوف، أطال الله عمره أو الشهيد سمير قصير صاحب الرؤية الفذّة والنافذة في آن. لكنّه ارتكب ايضا صحافيين دون المستوى المطلوب بكثير حوّلهم إلى نجوم في العالم العربي ولبنان بعد ظهور اسماء هؤلاء في «النهار». كان ظهور الاسم في «النهار» كافيا كي تحوّل الصحافي، اي صحافي نجما!
كان غسّان تويني يعرف اللعبة الصحافية من الفها إلى يائها. اتقنها إلى درجة جعلت من «النهار» حصنا للكلمة الحرّة في لبنان والعالم العربي واحد الاعمدة التي قام عليها النظام اللبناني، بل التركيبة اللبنانية التي صمدت في وجه اعتى هجمة يمكن ان تتعرض لها دولة شرق اوسطية منذ فرض عليها العرب المتخاذلون والجبناء ان تكون الجبهة الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل.
كان غسّان تويني افضل من قاد اوركسترا فيها الصالح والطالح اسمها «النهار». حوّل «النهار» إلى امبراطورية صحافية بكلّ معنى الكلمة. كان من الكبر والثقة بالنفس إلى درجة انه لم يتوقف يوما عن دعم كلّ صاحب موهبة، او حتى شبه موهبة، انضمّ إلى «النهار» يوما. كان يعتبر نفسه فوق الجميع وان لديه القدرة على استخدام الجميع، بما في ذلك الذين لا يصلحون لانّ يكونوا اكثر من مصححين او مخبرين جيّدين...
كان غسّان تويني يؤمن بان الصحيفة الناجحة هي تلك التي فيها اكبر عدد من الصحافيين الناجحين. لكنّه كان يؤمن خصوصا بانّ «النهار» قادرة على صنع اسماء لنجوم تعود إلى صحافيين لا علاقة لهم بالصحافة. انه سحر غسّان تويني الذي لا يوازيه سحر، سحر رجل لعب دورا اساسيا في مساعدة لبنان على الصمود والبقاء على خريطة الشرق الاوسط في وقت كان هناك نظام سوري سعى في كلّ لحظة إلى ازالة الوطن الصغير من الوجود وتذويبه في كيان اكبر منه تبيّن مع الوقت انه غير قابل للحياة.
كان غسّان تويني صحافيا عبقريا، ادرك باكرا على غرار ما ادرك كامل مروّة الذي استشهد في العام 1966، ان الصحافة صناعة. عرف كيف ينتقل بالصحيفة من مكاتب متواضعة في سوق الطويلة إلى مدخل شارع الحمراء الذي كان في الستينات والسبعينات ارقى شارع في العالم العربي. وعرف لاحقا ان مستقبل «النهار» مثل مستقبل لبنان مرتبط باعادة الحياة إلى وسط بيروت الذي اعاد رفيق الحريري اعماره، فكان انتقال آخر لـ»النهار» إلى مبناها الجديد في وسط العاصمة بفضل جبران غسان تويني الذي كان مفترضا به اتمام الرسالة لولا آلة القتل السورية وادواتها التي اغتالت رمز استمرار «النهار» وبقاءها وديمومتها اواخر العام 2005.
بفضل مجموعة صغيرة من الجنود المجهولين صمدت «النهار» في الحمراء طوال سنوات الحرب الاهلية وحروب الآخرين على ارض لبنان. لم تعاد يوما القضية الفلسطينية، على الرغم من كلّ ما ارتكبه بعض الفلسطينيين على ارض لبنان وفي حق اللبنانيين. والتركيز هنا على بعض الفلسطينيين وليس على كلّهم. لعب هذا البعض بكلّ بساطة لعبة النظام السوري الذي كان همّه منصبا على تدمير كلّ مؤسسة لبنانية مرتبطة بعلاقة ما بازدهار الوطن الصغير وتقدّمه، بما في ذلك «النهار».
لم يكن غسّان تويني مجرّد صحافي. كان يعتبر نفسه سياسيا اكبر من بقية السياسيين. مزج بين الصحافة والسياسة ليس لانّه دخل المجلس النيابي صغيرا في انتخابات العام 1953، بل لانّه اكتشف مع الوقت ذاته قدرة «النهار» على لعب دور في اسقاط رؤساء الجمهورية، كما حصل مع الشيخ بشارة الخوري في العام 1952 او في صنع رؤساء للجمهورية، كما حصل مع الراحل سليمان فرنجية (الجدّ) في العام 1970.
التاريخ وحده سيقول ما اذا كان غسّان تويني، الذي صار بعد العام 1970 وزيرا ونائبا لرئيس مجلس الوزراء في حكومة الرئيس صائب سلام، رحمه الله، سياسيا ام مجرّد طامح إلى لعب دور سياسي متجاهلا الفارق بين السياسي الناجح والصحافي الناجح. هل العطش إلى دور سياسي والى السلطة يجعل الصحافي الناجح غير قادر على استيعاب معادلة في غاية البساطة فحواها ان الصحافي الناجح ليس في الضرورة سياسيا ناجحا؟
لو كان غسّان تويني سياسيا ناجحا، هل كان غامر في الذهاب بعيدا في مواجهة عهد فؤاد شهاب ثم مؤسسة ما كان يسمّى المكتب الثاني (مخابرات الجيش) وضباطه؟ لا شكّ ان اخطاء كثيرة ارتكبت في تلك المرحلة. ولكن يبقى هل يستأهل فؤاد شهاب كلّ هذا العداء الذي اظهرته له «النهار» وغسّان تويني؟ ألم يكن يستأهل فؤاد شهاب اعتذارا من غسّان تويني، خصوصا بعد الدور الذي لعبه في ايصال سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية على حساب رجل لائق كفوء اسمه الياس سركيس، رحمه الله؟
مرّة اخرى، وحده التاريخ سيحكم على غسان تويني السياسي الذي دخل مطلع السبعينات في مواجهة مكشوفة مع سليمان فرنجية ورموز عهده. وحده التاريخ سيحكم على دور غسّان تويني مندوب لبنان في الامم المتحدة وما اذا كانت له علاقة حقيقية بصدور القرار الرقم 425 عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة. هل كان دور غسّان تويني مفيدا للبنان عندما كان في الامم المتحدة في عهد الرئيس الياس سركيس، ام ان «النهار» كانت في حاجة اليه اكثر من اي وقت في تلك الفترة؟
في غياب غسّان تويني عن «النهار»، بين العامين 1976 و1988 كانت هناك مأساة يومية في الجريدة. طال غيابه عنها واستمرّت «النهار» تصدر بقوة الدفع الذاتي في بلد كان يحتضر. زاد الغياب غيابا في مرحلة ما بعد الاجتياح الاسرائيلي وانتخاب الشيخ امين الجميّل رئيسا للجمهورية. وقتذاك، لعب غسّان تويني دورا في التوصل إلى اتفاق 17 ايّار الذي لا يزال موضع جدل بين اللبنانيين الذين ربّما فوتوا فرصة للتخلص من الاحتلال الاسرائيلي باقلّ ثمن ممكن دفعه.
سيستمر هذا الجدل طويلا، خصوصا انه تحوّل جدلا عبثيا. ولكن، بعيدا عن الشعارات التي يطلقها بين حين وآخر بعض الاشخاص من الذين لم يقرأوا نص الاتفاق، هل كان امين الجميّل يمتلك خياراً آخر غير خيار الغاء 17 ايّار في ضوء الضغوط التي مارسها النظام السوري على لبنان... وفي غياب الدعم الدولي والعربي للوطن الصغير؟
بعد اتفاق الطائف وشبه العودة إلى السلم الاهلي إلى لبنان، عاد غسّان تويني إلى «النهار». اعاد اليها الحياة. كان دعم رفيق الحريري للمؤسسة مهمّا وحيويا في تلك المرحلة. كان هذا الدعم مرتبطا بدعم كلّ مؤسسة لبنانية تلعب دورا في اغناء الحياة الفكرية والسياسية والثقافية في البلد. كلّف دعم «النهار» رفيق الحريري الكثير. هذا ما ينساه كثيرون لم يدركوا يوما قيمة «النهار» وقيمة جبران غسّان تويني الذي كان ضمانة، لم تعد موجودة، لاستمرار مؤسسة فقدت اليوم قائد اوركسترا صحافية كان جزءا لا يتجزّأ من لبنان، بل من تركيبة لبنان وفرادته!
* كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
يطوي غياب غسّان تويني صفحة في تاريخ الصحافة اللبنانية، صفحة اسمها «النهار». كان غسّان تويني ساحر الصحافة اللبنانية. كان استاذا بالفعل. اكتشف صحافيين ومفكرين كبارا يصعب العثور على من هم في مستواهم من قريب أو بعيد مثل الراحل ميشال ابو جودة بحسناته وسيئاته، رحمه الله. كذلك اكتشف الكاتب العالمي أمين معلوف، أطال الله عمره أو الشهيد سمير قصير صاحب الرؤية الفذّة والنافذة في آن. لكنّه ارتكب ايضا صحافيين دون المستوى المطلوب بكثير حوّلهم إلى نجوم في العالم العربي ولبنان بعد ظهور اسماء هؤلاء في «النهار». كان ظهور الاسم في «النهار» كافيا كي تحوّل الصحافي، اي صحافي نجما!
كان غسّان تويني يعرف اللعبة الصحافية من الفها إلى يائها. اتقنها إلى درجة جعلت من «النهار» حصنا للكلمة الحرّة في لبنان والعالم العربي واحد الاعمدة التي قام عليها النظام اللبناني، بل التركيبة اللبنانية التي صمدت في وجه اعتى هجمة يمكن ان تتعرض لها دولة شرق اوسطية منذ فرض عليها العرب المتخاذلون والجبناء ان تكون الجبهة الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل.
كان غسّان تويني افضل من قاد اوركسترا فيها الصالح والطالح اسمها «النهار». حوّل «النهار» إلى امبراطورية صحافية بكلّ معنى الكلمة. كان من الكبر والثقة بالنفس إلى درجة انه لم يتوقف يوما عن دعم كلّ صاحب موهبة، او حتى شبه موهبة، انضمّ إلى «النهار» يوما. كان يعتبر نفسه فوق الجميع وان لديه القدرة على استخدام الجميع، بما في ذلك الذين لا يصلحون لانّ يكونوا اكثر من مصححين او مخبرين جيّدين...
كان غسّان تويني يؤمن بان الصحيفة الناجحة هي تلك التي فيها اكبر عدد من الصحافيين الناجحين. لكنّه كان يؤمن خصوصا بانّ «النهار» قادرة على صنع اسماء لنجوم تعود إلى صحافيين لا علاقة لهم بالصحافة. انه سحر غسّان تويني الذي لا يوازيه سحر، سحر رجل لعب دورا اساسيا في مساعدة لبنان على الصمود والبقاء على خريطة الشرق الاوسط في وقت كان هناك نظام سوري سعى في كلّ لحظة إلى ازالة الوطن الصغير من الوجود وتذويبه في كيان اكبر منه تبيّن مع الوقت انه غير قابل للحياة.
كان غسّان تويني صحافيا عبقريا، ادرك باكرا على غرار ما ادرك كامل مروّة الذي استشهد في العام 1966، ان الصحافة صناعة. عرف كيف ينتقل بالصحيفة من مكاتب متواضعة في سوق الطويلة إلى مدخل شارع الحمراء الذي كان في الستينات والسبعينات ارقى شارع في العالم العربي. وعرف لاحقا ان مستقبل «النهار» مثل مستقبل لبنان مرتبط باعادة الحياة إلى وسط بيروت الذي اعاد رفيق الحريري اعماره، فكان انتقال آخر لـ»النهار» إلى مبناها الجديد في وسط العاصمة بفضل جبران غسان تويني الذي كان مفترضا به اتمام الرسالة لولا آلة القتل السورية وادواتها التي اغتالت رمز استمرار «النهار» وبقاءها وديمومتها اواخر العام 2005.
بفضل مجموعة صغيرة من الجنود المجهولين صمدت «النهار» في الحمراء طوال سنوات الحرب الاهلية وحروب الآخرين على ارض لبنان. لم تعاد يوما القضية الفلسطينية، على الرغم من كلّ ما ارتكبه بعض الفلسطينيين على ارض لبنان وفي حق اللبنانيين. والتركيز هنا على بعض الفلسطينيين وليس على كلّهم. لعب هذا البعض بكلّ بساطة لعبة النظام السوري الذي كان همّه منصبا على تدمير كلّ مؤسسة لبنانية مرتبطة بعلاقة ما بازدهار الوطن الصغير وتقدّمه، بما في ذلك «النهار».
لم يكن غسّان تويني مجرّد صحافي. كان يعتبر نفسه سياسيا اكبر من بقية السياسيين. مزج بين الصحافة والسياسة ليس لانّه دخل المجلس النيابي صغيرا في انتخابات العام 1953، بل لانّه اكتشف مع الوقت ذاته قدرة «النهار» على لعب دور في اسقاط رؤساء الجمهورية، كما حصل مع الشيخ بشارة الخوري في العام 1952 او في صنع رؤساء للجمهورية، كما حصل مع الراحل سليمان فرنجية (الجدّ) في العام 1970.
التاريخ وحده سيقول ما اذا كان غسّان تويني، الذي صار بعد العام 1970 وزيرا ونائبا لرئيس مجلس الوزراء في حكومة الرئيس صائب سلام، رحمه الله، سياسيا ام مجرّد طامح إلى لعب دور سياسي متجاهلا الفارق بين السياسي الناجح والصحافي الناجح. هل العطش إلى دور سياسي والى السلطة يجعل الصحافي الناجح غير قادر على استيعاب معادلة في غاية البساطة فحواها ان الصحافي الناجح ليس في الضرورة سياسيا ناجحا؟
لو كان غسّان تويني سياسيا ناجحا، هل كان غامر في الذهاب بعيدا في مواجهة عهد فؤاد شهاب ثم مؤسسة ما كان يسمّى المكتب الثاني (مخابرات الجيش) وضباطه؟ لا شكّ ان اخطاء كثيرة ارتكبت في تلك المرحلة. ولكن يبقى هل يستأهل فؤاد شهاب كلّ هذا العداء الذي اظهرته له «النهار» وغسّان تويني؟ ألم يكن يستأهل فؤاد شهاب اعتذارا من غسّان تويني، خصوصا بعد الدور الذي لعبه في ايصال سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية على حساب رجل لائق كفوء اسمه الياس سركيس، رحمه الله؟
مرّة اخرى، وحده التاريخ سيحكم على غسان تويني السياسي الذي دخل مطلع السبعينات في مواجهة مكشوفة مع سليمان فرنجية ورموز عهده. وحده التاريخ سيحكم على دور غسّان تويني مندوب لبنان في الامم المتحدة وما اذا كانت له علاقة حقيقية بصدور القرار الرقم 425 عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة. هل كان دور غسّان تويني مفيدا للبنان عندما كان في الامم المتحدة في عهد الرئيس الياس سركيس، ام ان «النهار» كانت في حاجة اليه اكثر من اي وقت في تلك الفترة؟
في غياب غسّان تويني عن «النهار»، بين العامين 1976 و1988 كانت هناك مأساة يومية في الجريدة. طال غيابه عنها واستمرّت «النهار» تصدر بقوة الدفع الذاتي في بلد كان يحتضر. زاد الغياب غيابا في مرحلة ما بعد الاجتياح الاسرائيلي وانتخاب الشيخ امين الجميّل رئيسا للجمهورية. وقتذاك، لعب غسّان تويني دورا في التوصل إلى اتفاق 17 ايّار الذي لا يزال موضع جدل بين اللبنانيين الذين ربّما فوتوا فرصة للتخلص من الاحتلال الاسرائيلي باقلّ ثمن ممكن دفعه.
سيستمر هذا الجدل طويلا، خصوصا انه تحوّل جدلا عبثيا. ولكن، بعيدا عن الشعارات التي يطلقها بين حين وآخر بعض الاشخاص من الذين لم يقرأوا نص الاتفاق، هل كان امين الجميّل يمتلك خياراً آخر غير خيار الغاء 17 ايّار في ضوء الضغوط التي مارسها النظام السوري على لبنان... وفي غياب الدعم الدولي والعربي للوطن الصغير؟
بعد اتفاق الطائف وشبه العودة إلى السلم الاهلي إلى لبنان، عاد غسّان تويني إلى «النهار». اعاد اليها الحياة. كان دعم رفيق الحريري للمؤسسة مهمّا وحيويا في تلك المرحلة. كان هذا الدعم مرتبطا بدعم كلّ مؤسسة لبنانية تلعب دورا في اغناء الحياة الفكرية والسياسية والثقافية في البلد. كلّف دعم «النهار» رفيق الحريري الكثير. هذا ما ينساه كثيرون لم يدركوا يوما قيمة «النهار» وقيمة جبران غسّان تويني الذي كان ضمانة، لم تعد موجودة، لاستمرار مؤسسة فقدت اليوم قائد اوركسترا صحافية كان جزءا لا يتجزّأ من لبنان، بل من تركيبة لبنان وفرادته!
* كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن