| سعاد العنزي |
الهوية الإنسانية حقيقة مفهوم جدا واسع وعام ومظلة عريضة تشمل عدداً من المقاربات والتصورات الخاصة بمفهوم الهوية وأقسامها المتعددة، والمتباينة، وهذا ما قادنا إلى تقسيمها في هذا المقال، فالهوية تقرأ من مداخل وزواياعدة، وتنقسم إلى قسمين رئيسين : الهوية الجمعية للجماعة الإنسانية، التي تشكل الطابع العام لأخلاق ومبادئ وقيم الجماعة الإنسانية التي تعيش على أرض واحدة، وكيان واحد، وتلتحم مع الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية لهذه الأمة وتشكل معالم خارطتها الإنسانية، وهذا ما قد قاربناه تقريبا بصورة عرضية بالجزء الثاني من هذه المقالة عندما تحدثنا عن (الهوية كرسم ووسم مشتت لفضاء النص)، والهوية الفردية للشخص الواحد، والتي تتمايز وتتغاير كاختلاف بصمة الأصبع الواحد من إنسان لآخر. ومن هنا فإننا نجد إن كان الجزء السابق يتقاطع باختصار مع هذه الهوية الجمعية، المكونة للشخصيات التي عامت اختناقا في النص، وتحولت إلى ذوات ممسوخة فإن الشاعر، المطل علينا في النص من خلال التمظهر اللغوي بضمير الأنا مباشرة ( أنا كائن يسجنني الهروب...؟)، أو من خلال بعض ضمائر المتحدث (تاء وياء المتكلم : كلما وضعت قلبي في قفص وجدت بابه مفتوحا)، قد بدا هو الآخر ذاتا حزينة تنصهر وروح الجماعة وتفكر في آلامها وإنكساراتها وتنظر وتفلسف واقعها وتحمل على ذاتها عاتق تحويل الذاكرة الشفاهية المندسة في تلك الممرات الخفية والمعلقة بأبراج الروح، إلى حالة إنسانية محكي عنها ومتمظهرة كتابيا في النص الشعري، مجموعته الشعرية، وقد حمل الشاعر هذا الإرث عبر (ضمير المتكلم: الأنا) ملتحما والجماعة الإنسانية، ومقدما رؤية أكثر حساسية وشفافية كونها نابعة من الذات الشاعرة، التي لا تنفصل عن الشعور والإحساس، فهو كنموذج للأنا الشخصية أنا وحيدة، هاربة من المجهول متعددة الجروح والطعون، وليست مخفقة، بلا أقدام، ولنلاحظ معنى بلا أقدام الذي يحيل إلى انعدام الحركة على المكان، على الأرض، على المادي والملموس، ويحاول جاهدا أن يمرن نفسه على السير في الهواء، ليحدث للمتلقي الذي هو كامل الوعي بهوية الشاعر المحترقة من عبث التقسيمات الإنسانية، عمق روح المفارقة الساخرة، من العيش والسير على الهواء بدلا من الأرض التي لا تتسع له، كإنسان ولا تكترث له كإنسان وليتحول إلى روح ميتة، بل في مقدمة قافلة الموتى، لأنه باختصار شديد، وشديد جدا: ( لا أحد يهتم لظل بلا أقدام) (قصيدة تمرين وهمي، ص:15).
بالطبع هنا الشاعر قدم لنا فهما خاصا بمفهوم هويته الذاتية، وأعطى القدم وهي عضو من أعضاء الجسد بعدا تصويريا ويحائياً عميقا جدا، تشير إلى انه يعيش في فضاء من الهواء والخيالات والأفكار بدلا من أن يسير سيرا ماديا ملموسا بقوة على هذه الأرض، لأنه يقول وكأنهم يريدون أن يمنعوننا من السير على هذه الأرض، لأنه ليس لنا حق في الانتماء. لأنه في نص لاحق من نفس المجموعة الشعرية معنون بـ «خارج القانون» يقول : (صحوت بلا فم) فإذا كانت لدينا لحد الآن صورة إنسان ممسوخ (يد مقطوعة، بلا فم، ولا أقدام، ولا وجه) فلا اليد يستطيع أن يفعل بها ماهو أهل به ليفعل كفعل إنساني حقيقي، ولا يملك أقداما يسير عليها في أرض لا يحق له الانتماء فيها، ولا فم يستطيع من خلال الكشف والبوح، لأنه قد ضحك ضحكة خارجة على القانون)، فهو بهذا المنوال إنسان ممسوخ جسديا وروحيا، مقطع الأشلاء وليس له أثر أو بصمة تذكر في ذلك الفضاء الممنوع عن التفاعل معه بتساوي وتكافؤ الفرص، أنا هنا لا أتحدث عن دخيل الخليفة الإنسان الحقيقي والشاعر المعروف، لكني هنا أرسم هوية وأنا الشاعر المغروسة في خلايا النص الحالي موضع المقاربة «يد مقطوعة تطرق الباب».
الهوية اللغوية للنص: الذاكرة البدوية اللغوية
بروح بدوية كثيرة الشفافية والصدق والوضوح تظهر لغة النص تماهيا كبيرا مع ذاكرة الشاعر اللغوية التي تنبثق من حياة البادية التي لا تزال معلقة في الروح البدوية حتى وإن عاشت حياة المدنية، فهي مكونات أساسية في شخصية البدوي لا تنزاح وتتحول بسهولة إلا اذا كان لديه مشكلة في تكوينه الستيكولوجي، أو يعاني من عقدة الغالب والمغلوب، وهذا أمر يستحق ميدان آخر للبحث، ولكن ما يهمنا الآن هو كشف إن اللغة، لغة الشاعر، أسهمت أيضا بدورها عن هوية بدوية تنتمي إلى حياة بادية تصرخ لا تريد الاندثار والضياع في عالم الهويات الممزقة والانتماءات المشتتة. ومن الواضح ان مفردات حياة البادية جاءت على شكلين: الشكل الأول بتوظيف المفردات البدوية في جمل من القصائد: (حفنت الوهم نثرته على رأسي ساعة إغفاءة مملة) (أن تومئ يد يتيمة للدخان). والآخر في قصيدة متكاملة، ولوحة شعرية كاملة. وفي كلتا الحالتين قدمت سياقا يحيل لصور متقطعة من حياة البادية ومخيالها الشعبي بصراحة ومباشرة كما في نص (ربما.. أمس)، أو بطريقة مكثفة و رمزية لا يعرفها إلا أهل البادية، فهي ومضات مشعة تتقاطع و ذاكرة البدوي بصورة تلقائية وعفوية، وقد جاء توظيفها بهذه الآلية يقوي الصورة الكلية للنص من تكريس لفكرة الضياع والتشرذم.
وأتت واضحة ومقدمة لوحة شعرية متكاملة في النص التالي من قصيدة (ربما... أمس): حينما ذاب الملح أيقنت أنه رآك في عيني/ توقظين القطا من غفوته المؤقتة/ تنطقين رواق القلب لينثر حكايا البارحة/ تشرعينه لقهوة صباحية/ ما أحن يديك وهي تكرب أطناب روحي/ تشدني إلى صباح راقص على حافة الجنون! (المجموعة، ص16).
كما كان الشاعر يحيل بدوره إلى المخيال الشعبي البدوي والديني في قصيدة «جنون» حيث يضيء النص حالة رش الملح على زوايا البيت لطرد الشياطين والجن والأرواح الشريرة خارج المنزل: أنثريني ملحا في زوايا البيت/ لعل الجدران/ تلقي بعضا من ارتباكها خارج النوافذ ( المجموعة، ص 21).
* ناقدة وكاتبة كويتية
su_ad81@hotmail.com
- دخيل الخليفة، ديوان «يد مقطوعة تطرق الباب»، دار أثر، الطبعة الأولى، 2012.
الهوية الإنسانية حقيقة مفهوم جدا واسع وعام ومظلة عريضة تشمل عدداً من المقاربات والتصورات الخاصة بمفهوم الهوية وأقسامها المتعددة، والمتباينة، وهذا ما قادنا إلى تقسيمها في هذا المقال، فالهوية تقرأ من مداخل وزواياعدة، وتنقسم إلى قسمين رئيسين : الهوية الجمعية للجماعة الإنسانية، التي تشكل الطابع العام لأخلاق ومبادئ وقيم الجماعة الإنسانية التي تعيش على أرض واحدة، وكيان واحد، وتلتحم مع الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية لهذه الأمة وتشكل معالم خارطتها الإنسانية، وهذا ما قد قاربناه تقريبا بصورة عرضية بالجزء الثاني من هذه المقالة عندما تحدثنا عن (الهوية كرسم ووسم مشتت لفضاء النص)، والهوية الفردية للشخص الواحد، والتي تتمايز وتتغاير كاختلاف بصمة الأصبع الواحد من إنسان لآخر. ومن هنا فإننا نجد إن كان الجزء السابق يتقاطع باختصار مع هذه الهوية الجمعية، المكونة للشخصيات التي عامت اختناقا في النص، وتحولت إلى ذوات ممسوخة فإن الشاعر، المطل علينا في النص من خلال التمظهر اللغوي بضمير الأنا مباشرة ( أنا كائن يسجنني الهروب...؟)، أو من خلال بعض ضمائر المتحدث (تاء وياء المتكلم : كلما وضعت قلبي في قفص وجدت بابه مفتوحا)، قد بدا هو الآخر ذاتا حزينة تنصهر وروح الجماعة وتفكر في آلامها وإنكساراتها وتنظر وتفلسف واقعها وتحمل على ذاتها عاتق تحويل الذاكرة الشفاهية المندسة في تلك الممرات الخفية والمعلقة بأبراج الروح، إلى حالة إنسانية محكي عنها ومتمظهرة كتابيا في النص الشعري، مجموعته الشعرية، وقد حمل الشاعر هذا الإرث عبر (ضمير المتكلم: الأنا) ملتحما والجماعة الإنسانية، ومقدما رؤية أكثر حساسية وشفافية كونها نابعة من الذات الشاعرة، التي لا تنفصل عن الشعور والإحساس، فهو كنموذج للأنا الشخصية أنا وحيدة، هاربة من المجهول متعددة الجروح والطعون، وليست مخفقة، بلا أقدام، ولنلاحظ معنى بلا أقدام الذي يحيل إلى انعدام الحركة على المكان، على الأرض، على المادي والملموس، ويحاول جاهدا أن يمرن نفسه على السير في الهواء، ليحدث للمتلقي الذي هو كامل الوعي بهوية الشاعر المحترقة من عبث التقسيمات الإنسانية، عمق روح المفارقة الساخرة، من العيش والسير على الهواء بدلا من الأرض التي لا تتسع له، كإنسان ولا تكترث له كإنسان وليتحول إلى روح ميتة، بل في مقدمة قافلة الموتى، لأنه باختصار شديد، وشديد جدا: ( لا أحد يهتم لظل بلا أقدام) (قصيدة تمرين وهمي، ص:15).
بالطبع هنا الشاعر قدم لنا فهما خاصا بمفهوم هويته الذاتية، وأعطى القدم وهي عضو من أعضاء الجسد بعدا تصويريا ويحائياً عميقا جدا، تشير إلى انه يعيش في فضاء من الهواء والخيالات والأفكار بدلا من أن يسير سيرا ماديا ملموسا بقوة على هذه الأرض، لأنه يقول وكأنهم يريدون أن يمنعوننا من السير على هذه الأرض، لأنه ليس لنا حق في الانتماء. لأنه في نص لاحق من نفس المجموعة الشعرية معنون بـ «خارج القانون» يقول : (صحوت بلا فم) فإذا كانت لدينا لحد الآن صورة إنسان ممسوخ (يد مقطوعة، بلا فم، ولا أقدام، ولا وجه) فلا اليد يستطيع أن يفعل بها ماهو أهل به ليفعل كفعل إنساني حقيقي، ولا يملك أقداما يسير عليها في أرض لا يحق له الانتماء فيها، ولا فم يستطيع من خلال الكشف والبوح، لأنه قد ضحك ضحكة خارجة على القانون)، فهو بهذا المنوال إنسان ممسوخ جسديا وروحيا، مقطع الأشلاء وليس له أثر أو بصمة تذكر في ذلك الفضاء الممنوع عن التفاعل معه بتساوي وتكافؤ الفرص، أنا هنا لا أتحدث عن دخيل الخليفة الإنسان الحقيقي والشاعر المعروف، لكني هنا أرسم هوية وأنا الشاعر المغروسة في خلايا النص الحالي موضع المقاربة «يد مقطوعة تطرق الباب».
الهوية اللغوية للنص: الذاكرة البدوية اللغوية
بروح بدوية كثيرة الشفافية والصدق والوضوح تظهر لغة النص تماهيا كبيرا مع ذاكرة الشاعر اللغوية التي تنبثق من حياة البادية التي لا تزال معلقة في الروح البدوية حتى وإن عاشت حياة المدنية، فهي مكونات أساسية في شخصية البدوي لا تنزاح وتتحول بسهولة إلا اذا كان لديه مشكلة في تكوينه الستيكولوجي، أو يعاني من عقدة الغالب والمغلوب، وهذا أمر يستحق ميدان آخر للبحث، ولكن ما يهمنا الآن هو كشف إن اللغة، لغة الشاعر، أسهمت أيضا بدورها عن هوية بدوية تنتمي إلى حياة بادية تصرخ لا تريد الاندثار والضياع في عالم الهويات الممزقة والانتماءات المشتتة. ومن الواضح ان مفردات حياة البادية جاءت على شكلين: الشكل الأول بتوظيف المفردات البدوية في جمل من القصائد: (حفنت الوهم نثرته على رأسي ساعة إغفاءة مملة) (أن تومئ يد يتيمة للدخان). والآخر في قصيدة متكاملة، ولوحة شعرية كاملة. وفي كلتا الحالتين قدمت سياقا يحيل لصور متقطعة من حياة البادية ومخيالها الشعبي بصراحة ومباشرة كما في نص (ربما.. أمس)، أو بطريقة مكثفة و رمزية لا يعرفها إلا أهل البادية، فهي ومضات مشعة تتقاطع و ذاكرة البدوي بصورة تلقائية وعفوية، وقد جاء توظيفها بهذه الآلية يقوي الصورة الكلية للنص من تكريس لفكرة الضياع والتشرذم.
وأتت واضحة ومقدمة لوحة شعرية متكاملة في النص التالي من قصيدة (ربما... أمس): حينما ذاب الملح أيقنت أنه رآك في عيني/ توقظين القطا من غفوته المؤقتة/ تنطقين رواق القلب لينثر حكايا البارحة/ تشرعينه لقهوة صباحية/ ما أحن يديك وهي تكرب أطناب روحي/ تشدني إلى صباح راقص على حافة الجنون! (المجموعة، ص16).
كما كان الشاعر يحيل بدوره إلى المخيال الشعبي البدوي والديني في قصيدة «جنون» حيث يضيء النص حالة رش الملح على زوايا البيت لطرد الشياطين والجن والأرواح الشريرة خارج المنزل: أنثريني ملحا في زوايا البيت/ لعل الجدران/ تلقي بعضا من ارتباكها خارج النوافذ ( المجموعة، ص 21).
* ناقدة وكاتبة كويتية
su_ad81@hotmail.com
- دخيل الخليفة، ديوان «يد مقطوعة تطرق الباب»، دار أثر، الطبعة الأولى، 2012.