كان يا ما كان في قديم الزمان، تاجر يملك جاخورا مليئا بالخرفان. هذه الخرفان تتشابه ولا تختلف في شيء الا بكثافة الشعر ولون الجلد والوزن والعمر. فمن بينها الجميل والثقيل والاسود والابيض والبيج والادعم وكبير السن والحمل الصغير. الشيء الواحد المشترك بين الخرفان هو صراخها بالتناوب: امبااع!
يخرج مالك الجاخور والخرفان كل يوم في الصباح ويلقي نظرة على خرفانه وهو سعيد، وكل واحدة من هذه الخراف منشغلة بنفسها وتردد: امبااع، ااامباع. بعض هذه الخراف تجتر الارض وتأكل من الاعشاب البرية، وبين كل قضمة وقضمة تقول امباع. وبعضها يركض هنا وهناك سعيدة مبتهجة لا تعلم مصيرها، وبعضها يريد الهرب طلباً في حياة تحترم قيمة الخروف، لكن كلاب الحراسة تصدها عن الابتعاد حرصا منها وخوفا عليها من الذئاب المفترسة المترصدة في البراري الشاسعة، فتعود ادراجها لجاخورها مولولة ااامممبببباااااع، تارة خوفا من الذئاب، وتارة اخرى خوفا من الكلاب.
المالك هو الأولى بالصحة والعافية، فهذه سنة الحياة وسنة القدر بل وسنة الدين. فهو من يجب ان يعيش ويتغذى ويقوى ويكبر، لأنه هو الاولى بالامر من هذه البهائم، ألم يقل القرآن الكريم «اني جاعل في الارض خليفة» وفضله رب العزة على ما سواه. لهذا فهو الاولى برضع اللبن من حملها، وله خُلقت الحياة والعيش على حساب منحر الخراف، بل جاز له ذبحها لامتاع وايناس واكرام الضيف والجار!
اتركني عن الدين قليلا وجاوبني على حقوق الخراف. فكم بنو البشر ظالم؟ تصوّر معي ظلمه، تصوّر الغلظة والدموية بحيث ينحر احداها ويأكلها ليسد هو جوعه وجوع عياله ورفاقه! فالبشر يستلذون بطعم الخراف، والخراف تستصرخ النجدة النجدة (امبااااع امباااع بلغة الخرفان)، ومن ورائها صراخ الاطفال وعويل الاحبة والعشيرة الخرفانية، جميعهم يولولون من هذا المصير المرعب الذي حل بهم (او يصرخون امبباااع امببااااع باللغة الخرفانية)!
كم الانسان ظالم! فهو يخيط لنفسه الرداء ويحيك لأهله الملبس ويقبل ان يتدفأ هو وصحبه، يضحك وينام كاسياً دافئا ويترك خرافه تئن قساوة البرد ترتجف وتقول امببااااع! فكيف يحس بها وهو من حلق خرافه وتركها في العراء؟، فهو من كشف عورتها حتى يبني لنفسه بيتا من شعرها يستر به على نفسه وعياله، ليترك من ورائه قطيع خرافه تستظل بنور الشمس وتلتحف الرمل والصخر. الم تبلغ القسوة عند الانسان ذروتها؟! فهذه الخراف لم ترَ راعيا سواه، ووكلت إليه أمرها، واعتمدت عليه في معيشتها وامنها وامانها. ومع انها لم تكلفه فلسا احمر ولا اصفر ولا ابيض، فهي تفترش الارض وتنام، وترعى العشب وما جادت به الطبيعة نفسها، وتشرب مما فاضت به السماء، وتستدفئ من البرد والمطر بشعر حالها من حال بقية هوام الارض. لكنها مع ذلك تُحلب من غير استئذان، وتُنتهك حرمتها وتُكشف عوراتها من غير استحياء ولا خجل، وهي من تسلب وتُعطى وتُهدى من غير اعتذار، وتُقتل من غير ذنب اقترفته، فمع انها هي من بيدها الخير كله، لكنها لا تملك حتى قرار نفسها!
الا يذكرك هذا بعقلية ونظرة السلطة العربية لشعوبها؟
د. حسن عبدالله عباس
hasabba@gmail.com
يخرج مالك الجاخور والخرفان كل يوم في الصباح ويلقي نظرة على خرفانه وهو سعيد، وكل واحدة من هذه الخراف منشغلة بنفسها وتردد: امبااع، ااامباع. بعض هذه الخراف تجتر الارض وتأكل من الاعشاب البرية، وبين كل قضمة وقضمة تقول امباع. وبعضها يركض هنا وهناك سعيدة مبتهجة لا تعلم مصيرها، وبعضها يريد الهرب طلباً في حياة تحترم قيمة الخروف، لكن كلاب الحراسة تصدها عن الابتعاد حرصا منها وخوفا عليها من الذئاب المفترسة المترصدة في البراري الشاسعة، فتعود ادراجها لجاخورها مولولة ااامممبببباااااع، تارة خوفا من الذئاب، وتارة اخرى خوفا من الكلاب.
المالك هو الأولى بالصحة والعافية، فهذه سنة الحياة وسنة القدر بل وسنة الدين. فهو من يجب ان يعيش ويتغذى ويقوى ويكبر، لأنه هو الاولى بالامر من هذه البهائم، ألم يقل القرآن الكريم «اني جاعل في الارض خليفة» وفضله رب العزة على ما سواه. لهذا فهو الاولى برضع اللبن من حملها، وله خُلقت الحياة والعيش على حساب منحر الخراف، بل جاز له ذبحها لامتاع وايناس واكرام الضيف والجار!
اتركني عن الدين قليلا وجاوبني على حقوق الخراف. فكم بنو البشر ظالم؟ تصوّر معي ظلمه، تصوّر الغلظة والدموية بحيث ينحر احداها ويأكلها ليسد هو جوعه وجوع عياله ورفاقه! فالبشر يستلذون بطعم الخراف، والخراف تستصرخ النجدة النجدة (امبااااع امباااع بلغة الخرفان)، ومن ورائها صراخ الاطفال وعويل الاحبة والعشيرة الخرفانية، جميعهم يولولون من هذا المصير المرعب الذي حل بهم (او يصرخون امبباااع امببااااع باللغة الخرفانية)!
كم الانسان ظالم! فهو يخيط لنفسه الرداء ويحيك لأهله الملبس ويقبل ان يتدفأ هو وصحبه، يضحك وينام كاسياً دافئا ويترك خرافه تئن قساوة البرد ترتجف وتقول امببااااع! فكيف يحس بها وهو من حلق خرافه وتركها في العراء؟، فهو من كشف عورتها حتى يبني لنفسه بيتا من شعرها يستر به على نفسه وعياله، ليترك من ورائه قطيع خرافه تستظل بنور الشمس وتلتحف الرمل والصخر. الم تبلغ القسوة عند الانسان ذروتها؟! فهذه الخراف لم ترَ راعيا سواه، ووكلت إليه أمرها، واعتمدت عليه في معيشتها وامنها وامانها. ومع انها لم تكلفه فلسا احمر ولا اصفر ولا ابيض، فهي تفترش الارض وتنام، وترعى العشب وما جادت به الطبيعة نفسها، وتشرب مما فاضت به السماء، وتستدفئ من البرد والمطر بشعر حالها من حال بقية هوام الارض. لكنها مع ذلك تُحلب من غير استئذان، وتُنتهك حرمتها وتُكشف عوراتها من غير استحياء ولا خجل، وهي من تسلب وتُعطى وتُهدى من غير اعتذار، وتُقتل من غير ذنب اقترفته، فمع انها هي من بيدها الخير كله، لكنها لا تملك حتى قرار نفسها!
الا يذكرك هذا بعقلية ونظرة السلطة العربية لشعوبها؟
د. حسن عبدالله عباس
hasabba@gmail.com