| بقلم: فاطمة إحسان |
قالت لي بعد ندوة تناقش المشكلات الأسرية: الآن اقتنعت بأن المرأة ( تستاهل ) كل ما يفعله بها الرجل، و لا داعي لأن تشتكي بعد الآن من الظلم والتقصير بحقها! سألتها عن سر هذه القناعة الجديدة فأجابت: ألم تسمعي تعليقات الحاضرات وكيف كانت كل واحدة تعتز بأسلوبها الخاطئ في التعامل مع زوجها بحجة ألا تظل أسيرة أوامره؟
بالرغم من خطأ القاعدة المستنتجة إلى جانب خطأ التعميم، إلا أنني كنت مؤيدة لرأيها بخصوص الآراء و التعليقات المطروحة في الندوة والتي تنم عن مستوى ضحل من الثقافة النفسية والاجتماعية عند هؤلاء النساء، على الرغم من أن غالبيتهن من المتخصصات في مجالات التربية والعلوم الإنسانية، ولا مفر من الاعتراف بأن المرأة اليوم شريكة في صنع المآزق التي تتورط فيها ثم تطالب بإخراجها منها بأسرع وقت ممكن، غير أنها ليست الطرف الوحيد بلا شك، فهي ما تزال الحلقة الأضعف في سلسلة المطالبة باسترجاع الحقوق وتوجيه دفة صنع القرار السياسي لصالحها.
قضيتنا اليوم تدور حول الشمّاعة التي تعلق عليها أخطاء المرأة، وهي أنوثتها منفصلة عن إنسانيتها، فعندما تفشل امرأةٌ في الإمساك بزمام السُلطة في مؤسسة ما يُقال بأن المرأة لا تصلح للإدارة، وإذا فشلت أخرى في دورها كعضوة بالبرلمان يُقال بأن المرأة لا تصلح للسياسة، أما إذا نجحت فسيكون ذلك عائداً حتماً إلى الظروف وسلسلة المصادفات السعيدة التي أوصلتها للنجاح المزعوم، أما الرجل فنجاحه وفشله لا ولن يعدا وقفا على مستوى رجولته، بل على ميزاته الشخصية التي تميزه (كإنسان) عن غيره من البشر!
ليس من الصّعب أن نرجع أخطاء الرجل لأسبابها الشخصية التي يختلف عليها الرجال في ما بينهم، لذلك ليس من الصعب أيضاً أن تنجح امرأةٌ ما لأنها مؤهلة للنجاح، وأن تفشل امرأة أخرى لأنها أهل لذلك، فالمقياس ليس كونها امرأة وحسب، نظراً لآلاف الاختلافات التي عجز علماء النفس عن إحصائها بين أبناء الجنس الواحد، رغم وجود أوجه التشابه الكثيرة في بعض الجوانب.
لا يمكن التغافل عن دورنا كأفراد في المجتمع في تغيير المنظور الضيق الذي يُنظر منه للمرأة ويتم الحكم عليها من خلاله أيضاً، فحين تشكو لي إحداهن من أطنان المساحيق الملونة على وجهها في حفل زواج، وأسألها عمّا يجبرها على وضعها وتجيبني بأن كلام الناس ( لا يرحم )! و أنها ستبدو أقل جمالاً و وجاهة في عيون أم عريس المستقبل، التي ستحرص على انتقائها لابنها المصون وفقاً لأدق المواصفات المنصوص عليها في دساتير الجمال، بدءاً من طول شعرها وانتهاءً بمقاس حذائها، ثم أنه لا بأس إن كانت جامعية مثقفة أو خريجة مدرسة ثانوية بمعدل أقرب للرسوب منه إلى النجاح، ما دامت ( بنت عايلة و ناس) فذلك هو الصك الرسمي لمشروعها المستقبلي الوحيد في تنشئة جيل يكون كل فرد فيه ( ولد عايلة و ناس )، و كان الله غفوراً رحيماً.
الحق يقال بأن الثقافة النسوية في مجتمعاتنا عالمية ومتحضرة جداً إلى الحد الذي جعل المجلات النسائية تسبق المجلات الثقافية التعليمية في التحول إلى مجلات إلكترونية حديثة، وتلاقي إقبالاً واسعاً، حيث تتسابق في طرح أخبار الفن والمجتمع والأزياء والديكور والمطبخ، إلى جانب الإستفتاءات الفلسفية المُحيرة من قبيل «على أي فنانة يبدو الفستان الأسود أكثر جاذبية»؟
لا عجب إذا في أن يُصبح المقياس العُرفي لنجاح المرأة في مجتمعاتنا هو لحاقها بقطار الزواج أياً كانت وِجهته، فهي مهما كانت ناجحة علمياً أوعملياً سيظل هنالك ما يُشار إليه بريبة وقلق إن كانت لم تتزوج بعد، وأنه لا بد من وجود ما يعيبها ما دامت قد تنازلت عن أقرب فرصة لدخول القفص الذهبي، وعلى النقيض لا يُنظر لمن فاتها قطار النجاح خارج قوقعة الزواج على أنها فاشلة، ما دامت تطلع على مستقبلها عبر صفحات الأبراج، تسهم في النهوض بمجتمعها عبر مشاريع الـ( كب كيك).
قالت لي أمي منذ شهر تقريباً أن إحداهن كلمتها عن صورتي في الجريدة، وأنه لا يبدو من اللائق أن أنشرها، فطلبت منها أن تسألها عن عنوان المقال الذي لمحت صورتي بجواره، أو أي شيء عن مضمونه على الأقل، ومازلت أنتظر الجواب!

جامعة الكويت - كلية العلوم الاجتماعية
@FatemaEhsan