|بيروت - من ريتا فرج|
«طيور الحرية»، فرقة موسيقية سوريّة «هاجرت» الى لبنان علّها تجد فضاءً أرحب وأكثر أمناً يحتضن ثلاثة من أعضائها الأربعة (ملحناً ومنشداً وشاعرين) الذين لم يتركوا درعا رغبةً بالرحيل بل بعدما أجبروا على مغادرة «أرض الثورة» في أعقاب ملاحقة أمنية.
بأصواتهم وألحانهم وقصائدهم تصدى «الطيور» للرصاص، وشاركوا في التظاهرات التي هلت بشائرها في درعا في مارس 2011 مع كتابات الأطفال على الجدران «سقط القذافي وجاء دورك يا بشار»، من دون ان يعلموا أنهم يُسقطون بأقلامهم جدران الخوف ويكتبون «تاريخاً جديداً» لسورية - الثورة.
بكثير من الأمل يتحدّث ثلاثة من اعضاء الفرقة عن المستقبل الواعد في سورية. كل «طير» منهم هاجر بمفرده الى لبنان، وهم الآن موجودون في طرابلس، في أحد أحيائها الفقيرة، بعد أن احتضنهم أهلها وشاركوهم بالخبز رغم الفقر الشديد.


عزمت اللباد الملقب بـ «ملحن الثورة» وطارق وهشام (اسمان مستعاران) يسكنون اليوم في منزل متواضع في منطقة القبة (طرابلس)، أما صديقهم الشاعر الثاني (ناصر) فبقي في درعا يساند أهلها.
«طيور الحرية» لا يعرفون الخوف ويستمدّون قوّتهم من «أحقيّة القضية التي استشهد من اجلها الآلاف، والثورة التي ستبقى سلمية». هذا هو لسان حال عزمت وطارق وهشام الذين كانوا بدؤوا باكراً باعداد القصائد وتلحينها وانشادها، ملاقاةً للحراك الثوري الذي دبّ في عروق أهالي درعا ضد الظلم، فخرج الى الضوء أول عمل غنائي جماعي تحت اسم «حوران كان ذنبها كاتب الحرية طفلها»، لتكرّ السبحة مع تسع أغنيات أخرى، لكن أنشودة «اذا الشعب» أخافت النظام، ما دفع عزمت وطارق وهشام الى الخروج من درعا والبقاء لفترة قصيرة في دمشق، بعدما كانوا قد تعرضوا لملاحقات أمنية.
عزمت الذي اشتد الخناق الأمني حوله، خُطفت زوجته قبل شهرين وهي ناشطة كانت توزع الأدوية على الناس في المدن والأرياف ولقبت بـ «الدكتوراه». البعض يقول انها في فرع أمني داخل دمشق والبعض الآخر انها في فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، ويبقى اليقين عند الزوج واحداً: «زوجتي خطفها الأمن بسبب نشاطها الانساني». واذا سألتَه هل يعتقد أنها حيّة او انها اغتُصبت خلال الاعتقال؟ يخاف أن يجيب ولعله لا يريد الذهاب أبعد من الخطف.
في لقاء مع «الراي» يسرد اللباد، الذي يحلو للبعض ايضاً تسميته بـ «قاشوش درعا»، كيف ولدت لديهم الرغبة الجامحة في دعم مطالب الشعب السوري. وقبل أن يحدثنا عن التفاصيل وعن الأغنيات ويتلو علينا بعض القصائد، فضّل العودة الى الذاكرة، وقال: «لا بد من تذكير الناس بما حدث في درعا معقل الثورة التي استهلها الأطفال، فقد بدأنا بالمطالبة بالاصلاح وكانت مطالبنا سلمية. وكما يعرف الجميع، الثورة انطلقت من درعا، لكن مع تطور الاحداث بدأ الناس يصعّدون تبعاً لمستوى تعامل القوى العسكرية معهم. مستوى القمع كان مخيفاً، وهو بدأ على خلفية كتابة الأطفال على الجدران «سقط القذافي وصار دورك يا بشار». وعلى الفور اعتُقل عدد من الأطفال وتعرضت درعا لحصار من الأجهزة الأمنية، وهذا ما دفع أهالي الصنمين، وهي مدينة ضمن محافظة درعا، الى التظاهر حيث راحوا يهتفون «فكوا الحصار عن درعا». وقد سقط حينها 14 شهيداً».
ويضيف عزمت: «ما جرى ويجري الآن في سورية أضخم مما تخيّلنا، ولم نكن نتوقع ان النظام سيتعامل معنا بهذه الطريقة العنيفة من قتل وخطف واعتقال. لقد كنت شاهداً على المراحل الأولى للثورة في درعا،وخلال التظاهرات التي شاركتُ فيها مع زملائي في الفرقة حاولنا ابعاد الناس عن أماكن وجود القوى الأمنية وتحديداً المخابرات العسكرية والأمن السياسي، وكما تعرفون فان سورية غنية بفروع الأمن حيث هناك 16 فرعاً أمنياً. وهنا أذكر حادثاً مؤلماً حصل خلال التظاهرات التي قام بها أهالي الصنمين لفك الحصار عن درعا، آنذاك قام عدد من الشباب بتحطيم تمثال (الرئيس الراحل) حافظ الاسد، وما ان أنجزوا ذلك حتى تعرض كل واحد منهم الى 27 طلقة رصاص، وسقط في ذلك اليوم 56 شهيداً». ويتابع: «في البداية لم تكن هناك مطالب باسقاط النظام، بل رُفعت شعارات سلمية تطالب بالاصلاح والحرية فقط».
الحراك الشعبي في درعا دفع عزمت وهشام وطارق وناصر الى التفكير في كيفية مساندة الثورة. وقبل هذه المرحلة جمعتهم صداقة متينة وفي هذا السياق يقول عزمت: «بعد تطور الأحداث في درعا بدأنا نفكر كفريق ماذا علينا أن نفعل؟ وقد وضع طارق أغنية وقمت بتلحينها وأسميناها «حوران كان ذنبها كاتب الحرية طفلها» وأنشدها هشام. الأغنية مستمدّة مما كتبه أطفال درعا على الجدران «القذافي طار طار واجا وقتك يا بشار». وهذا الأمر دفع القوى الأمنية الى اعتقال الاطفال، فاحتجّ الأهالي وطالبوا بالافراج عن أطفالهم، وقد ذهبوا حينها الى الفرع الأمني في درعا، وقال لهم الضابط عاطف نجيب ابن خال الرئيس بشار الأسد كلاما سيئاً: «هؤلاء الأطفال انسوهم وأنجبوا سواهم والاّ اجلبوا لنا نساءكم ونحن نقوم بهذه المهمة». عندها تم تشكيل وفد من وجهاء العشائر وقابلوا الرئيس بشار وشرحوا له ما جرى وطالبوا بمحاكمة عاطف نجيب واذا لم يحدث ذلك سيكون لهم رد آخر. وكما تعلمون أهالي درعا غالبيتهم من العشائر ولديهم تقاليد خصوصاً تلك المتعلقة بشرف النساء، فقال لهم الرئيس بشار ان عاطف نجيب سيحاسَب وأنا سأزوركم غداً وأتناول عندكم أكلة «برغل ملاحي»، وهذه أكلة تقليدية معروفة عندنا. طبعاً لم يفِ النظام بوعده بسحب الجيش وفك الحصار عن درعا ولم يطبق شيئاً من هذه الوعود، لكن الناس لم تصمت واعتصمت بالمسجد العمري وحاول أعوان النظام فك الاعتصام وقتلوا عدداً من ابناء المنطقة ومزقوا المصحف وكتبوا على الجدران باللغة الفارسية ما معناه قتلناهم، وهذا الكلام كله موثق».
يبدو عزمت هادئاً ومتماسكاً، وقبل أن يلجأ الى لبنان وقبل انطلاق شرارة الحركة الاحتجاجية من درعا درّس الموسيقى في معهده «بيت العود للموسيقى والغناء» في مدينة الصنمين، مسقط رأسه. ومن الطلاب الذين انتسبوا الى هذا المعهد أولاد ضباط في الجيش السوري، وهذه المعرفة ساعدته خلال تجربة اعتقاله.
أكد عزمت أكثر من مرة خلال الحوار معه «أننا لا نملك نحن كفريق سوى الموسيقى والشعر والغناء وعبر هذه الوسائل السلمية نريد المشاركة في تحرير أهلنا من الظلم على مستوى قدراتنا المتواضعة».
الفرقة الموسيقية في السابق كان اسمها «سهل حوران»، وقد أطلق عليها اسم «طيور الحرية» بعد مغادرة سورية. لم يكن نشاطها مقتصراً على الغناء والتأليف والتلحين بل شارك اعضاؤها في الثورة الميدانية: «لم نكتف بالعمل الموسيقي وشاركنا الناس بالتظاهرات، ووضعنا أغنية ثانية اسمها «من حوران هلت البشائر»، وبعدما امتدت الثورة وسقط من درعا نحو 50 شخصاً، عددنا أسماء المناطق التي سقط فيها الشهداء ووضعنا أغنية ثالثة «حوران كان دورها». أما الأغنية الرابعة فهي «حمزة حبيب الروح» التي كتبت ولحنت وغناها هشام منشد الفريق. وفكرة الأغنية كما يعرف الجميع مستوحاة من الحادثة المؤلمة التي تعرض لها الطفل حمزة الخطيب، وتقول القصيدة التي كتبت باللهجة المحلية الحورانية: حمزة لوين رايح / حمزة حبيب الروح صوتي طِفا مبحوح/ والله القلب مجروح/ حمزة رجاع ع دار/ داير جبينو الغار/ وين العدل يا جار/ ليش الضلع مكسور/ حتى الصدر محفور/ دم الطفل مهدور/ هذا الظلم والجور/ آخ نكسر ضهري/ موتك قذف عمري/ آه يا زماني آه/ وين العدل نلقاه/ قتل الطفل صاير تمن للجاه».
ويضيف: «اما القصيدة الأخيرة التي كتبها طارق وقمت بتلحينها فحملت عنوان «اذا الشعب»، وتقول» اذا الشعب ثار بصوت جهور/ على كل باغٍ في ظلم وجور / لظل البغاة بغير خمور/ سكارى حيارى أسارى قبور/ فيا شعب سر بعد ليل عتم / لتزهو الحياة بنور ملم/ فحوارن عزُ لكل البلاد/ وحوران نور الهدى والرشاد/ وحوران لا تنحني أو تُقاد / ولا ترتضي ظلم أهل الفساد»، وهذه الأغنية تمّ تسجيلها».
بعد أغنية «اذا الشعب»، تم توقيف عزمت لمدة 12 يوماً. وفي حديثه عن تفاصيل هذه المرحلة يؤكد أنه لم يتعرض للضرب أو التعذيب وأن القوى الأمنية أجبرته على الاعتراف بأنه يحرض الناس على النظام، لكنه لم يعترف: «سُئِلت عن كلام هذه الأغنية وعن لحنها ولم أعترف، وتعرضت لضغط شديد وتهديد، ولكنني لم أتعرض للضرب، لأنني كنت أعرف بعض الضباط في النظام بحكم تدريس الموسيقى لأبنائهم، وقد وخرجت بعد 12 يوماً، والتهمة التي وجهت لي «أنو أنا ملحن الثورة»، طبعاً لم أعترف بشيء لأن مجرد الاعتراف يعني أنني سأواجه الموت».
وضع الفريق الموسيقي عشر اغنيات غير «حوران كان ذنبها كاتب الحرية طفلها» وهي: «حوران هلت البشائر»، «اذا الشعب»، «يا غارة الله»، «لأكتب ع بواب الفرع»، «يا حنّا روحو سألو عنا»، «حنّا لها حنّا»، «وين الفزع» (نداء لأهل حلب ودمشق)، «حان الرحيل»، «حوران كان دورها» و«حمزة حبيب الروح».
وهنا يقول عزمت إن كل أغنية كان لها وقعها الخاص لا سيما أغنية «حمزة حبيب الروح»، موضحاً انه «رغم أن الاغنيات حزينة، لكن غالبية القصائد المُغناة تدفع الناس الى الحماسة والثورة وتحديداً أغنية «حان الرحيل» وهي آخر أغنية كتبها طارق وغناها هشام وقمت بتلحينها، قبل أن يأتي كل واحد منا بشكل منفرد الى لبنان» ومن كلمات أغنية «حان الرحيل»: حان الرحيل فيا دمشق تزيني/ للعرس بعد الهم والأحزانِ/ هذه البشائر للعيان وقد بدت في وضح وفي تبيان/ يا قاتل الأطفال ارحل قالها شعب/ يثور كثورة بركان / لن يستكين على الجراح وقد بدا صبح المفاخر بعد طول هوان/ ارحل فسيل الظلم عندك قد طمى/ هل أنت حقاً من بني الانسان/ ان كان مجدك للعروش/ فانما هو عَرْضٌ يزول بزوال الأزمان/ ومجد الشعوب مخلد بصحائف الأحرار والشجعان».
وعن الأسباب التي دفعته للمجيء الى لبنان يقول عزمت «أتيت للبحث عن عمل بعدما فقدتُ عملي في سورية، وكنت أملك معهداً موسيقياً اسمه «بيت العود للموسيقى والغناء». أنا موجود هنا منذ أكثر من 15 يوماً، وعبرتُ الحدود السورية بشكل رسمي وقد ساعدني أحد الضباط، واحاول متابعة نشاطي، ولكن بصراحة لا يملك الفريق الامكانات التي تساعده على الاستمرار ونحاول تأمين وظائف من أجل شراء الأجهزة التي تساعدنا على تسجيل الاغنيات. لا نريد أن نتوقف هنا، نريد المتابعة رغم الصعوبات التي تعرضنا لها». ويضيف: «بعد أن تركت مع عائلتي الصنمين، توجهنا الى دمشق واستأجرنا منزلاً سرعان ما تعرض للدهم في الليل، وكنا أنا وعائلتي نتفادى البقاء فيه حتى لا يتم اعتقالنا، ولكن زوجتي وهي ناشطة كانت تعمل على توزيع الدواء على الناس في المدن والقرى، وقد لقبت بالدكتوراه، أُعتقلت منذ شهرين حين كانت في طريقها الى أحد أقربائها في دمشق ومنذ ذلك الوقت لا أعلم عنها شيئاً سوى أنها انتقلت من فرع أمني الى فرع أمني آخر في درعا، أما أولادي فهم عند جدتهم، ولا أعلم اذا تعرضت زوجتي للتعذيب أو اذا كانت قد اغتُصبت».
يتحدث عزمت عن الأوضاع المالية السيئة التي يمر بها: «اعيش الآن مع أصدقائي في الفرقة في منزل متواضع، ونحن نبحث عن عمل ونحاول متابعة نشاطنا لندعم الثورة، ونحن في اطار الاعداد لأغنية جديدة قيد التلحين، لكن الظروف هنا لا تسمح لنا بتسجيل الأغنية، ففي سورية كنا نملك أجهزة جيدة رغم الامكانات الصغيرة، لذا نبحث عن وظيفة لشراء ما يلزمنا، كما اننا نسعى الى تنظيم حفل موسيقي بسيط لرعاية اللاجئين السوريين في شمال لبنان، ويمكن لأي شخص أن يتبرع بمبلغ زهيد».
وحول الصور التي حملها معه عن قمع النظام للتظاهرات يقول عزمت: «النظام يتعامل بشكل وحشي مع المتظاهرين ولا يفرق بين أطفال أو نساء أو شيوخ. في البداية لم يتورط الجيش في أعمال القمع، بل كانت القوى الأمنية الأخرى هي التي تقمع الناس وتقتلهم بدم بارد، ومن بين هؤلاء «الشبيحة» الذين باتوا معروفين عند كل الناس، ويتم اختيارهم بمواصفات محددة فهم معروفون بالاجسام الضخمة واللحى طويلة وكانوا يربطون على أيديهم ربطة سوداء او خضراء. وحين قرر أهالي درعا المشاركة في الاضراب الذي دعا اليه الثوار قاموا بفتح المحال بالقوة وقد حطموا بعضها وخلعوا أبوابها وسرقوا محتوياتها. ما يجري في سورية مخيف والأخطر أن النظام يقوم بتقطيع المدن عن بعضها البعض وحتى تقطيع كل مدينة وكل شارع، وتقطيع الأحياء».
ويؤكد عزمت أن فريقه لا تربطه أي علاقة بـ «المجلس الوطني السوري» ويقول: «نحن نسمع عنهم فقط ما تتداوله وسائل الاعلام ولا أعرف أحداً من أعضاء المجلس بل نتابعهم فقط على القنوات الاخبارية».
هشام منشد فريق «طيور الحرية» أتى الى لبنان قبل شهرين وكان قد اوقف لمدة شهر في احد السجون السورية بتهمة التحريض على النظام وقد شارك بفعالية في التظاهرات التي كانت تقع في درعا، وقادها أحياناً، ومن بين الشعارات التي كان يرددها خلفه المتظاهرون في درعا يا درعا حنّا معكِ للموت/ عاشت سورية، يسقط بشار الأسد، شمس الحرية سطعت من درعا يا أحرار. أما طارق، شاعر الفرقة، فوصل الى لبنان منذ شهر وهو الآن في اطار كتابة قصيدة جديدة للثورة تحت عنوان «اذا جئت درعا».