تكتبها : ليلى أحمد

الى اي حد كان الله - جلت قدرته - سخيا مع المصريين ، فمنحهم تلك «البراحة» النفسية الواسعة، المتزامنة مع ابتسامة حبلى بالطيبة والوداد ، لا أدري سر هذا الحب لشعب أتابع من على بعد صحافته... بهمومه وهزائم قوته اليومي، ومع بوارق الخيبات المعاشية، الا انه ما زال... يبتسم .لي منهم نصفه المقيم في بلدي ، وعبر سنوات طويلة أصبحنا أهل بيت واحد ، نفهم بعضنا عالطاير ونترك مساحات الحرية لافكارنا وعواطفنا ، بهم من الحياء واللطف مهما بلغوا من العمر فحين يعاتبك احدهم على طول الغياب بالقول : انت وحشة... او يا نذلة بتبعدي كده أوي ليه .اجيبهم : وهل قدمت لكم نفسي يوما اني مش نذلة او... وحشة!! يخجلون ويدافعون عني ... هاهاها... يا حلوكم لقد وفروا علي تبريرات كاذبة عن الغياب .عادة اذهب في الصباحات الباكرة للتسوق لبيتي بعد ايصال ابني الصغير لمدرسته، وأحب بائعي الخضار في السوبر ماركت الذي ارتاده غالبا ، أحدهم صعيدي اصله من اسيوط وولد في الاسكندرية « كلبوز» وجهه مليء بابتسامة دائمة وكأنه ولد بها يستقبلني بحرارة ، يفرح بي حين اقول له الصعايدة اجدع ناس ، يذوب بك وكأنه يشم نسائم الصعيد ويري وسع اراضي أجدادهاكمل له : الصعايدة أولاد عمومتنا كلامهم قريب من كلام الكوايتة، نفهم على بعض اسهل من القاهريين .هنا... يفتح باب قلبه لك فورا ، ودون فيزا دخول فاسمح لنفسي بالسؤال العائلي عنهم وعن العيال في الصعيد .منطقة خيطان كانت طول تاريخها مهداً لقدوم اي صعيدي للكويت ، هنا تاريخ من العلاقات بينهم اقرباء ومعارف واصدقاء « ما يسيبوش اللي لسه جاي من الصعيد لوحده... يسكنّوه عندهم ويصرفوا عليه حتى يلقى اكل عيشه».في خيطان مكاتب السفر للعودة للصعيد في اجازاتهم ، اسماء المكاتب كلها ايماءات مصرية صرفة تدل على اسماء مناطق هناك او رموز لاشكال متنوعة من الحنين، باصات كبيرة على استعداد تام لاعادتهم لأهلهم، هنا ايضا محلات تبيع البضاعة الصينية والتي اشتريت منها ذات يوم « منديل ابو أويه اسود وآخر أحمر معلقة منهما كرات ملونة، منتجات ماكياج حريمي وجلابيب بورود، ما شفتش العباية اللف كان نفسي اشتريها، ربما لتوافرها في الصعيد ، قمصان نوم صارخة الالوان وملابس وبيجامات للاطفال، مزاج التبضع النسائي صعيدي بامتياز لتكون هدايا للاهل حين العودة لهم».****كنت ابحث عن اجواء مختلفة في بلدي الكويت ، حين قررت اكتشاف المقاهي الشعبية عالناصية في منطقة خيطان، وحدث مرة ان طلبت من صديق قاهري يعمل مستشارا قانونيا في احد البنوك ان يصطحبني الى احد مقاهي الصعايدة... « طاش» دمه الصعيدي ورفض بعتب، وحين رأى اصراري «وقلة عقل النسوان» ضحك على فكرتي المجنونة و قال: «كلهم رجاله... حتعملي بينهم ايه يا ست انتي...!- أشرب شايا اسود.وكان ان استجاب لإلحاحي ، جلست في المقهى امرأة وحيدة وسط عشرات عشرات الرجال وطلبت الشاي الشديد السواد واللي كله سكر وما بحبوش بس حاولت شربه عشان اعيش الاجواء.رأيت امامي عالماً من الرجال الشديدي البناء الجسدي ، بجلابيبهم الواسعة بأكمامها الواسعة ايضا التي تسمح بدخول الهواء فتخف الحرارة شوية مع لفة القماش القطني الطويل العريض الذي يحيط عنقهم... طول شاهق واكتاف عريضة مفرودة ، لا كروش لهم ، ووجه جاد منحوت بالعظم ، ما يضحكوش للرغيف السخن ، هم هكذا جادون واضيفت لجديتهم الصارمة هموم الغربة والحنين للوطن فاكتسبت ملامحهم طعمها المر ..الكثير من الاجساد تشبه اشكال الفراعنة التي رأيتها منحوتة على جدران المعابد الفرعونية في مصر ،... ويا عين صلي عالنبي. ومع اني المرأة الوحيدة في المقهى وسط عشرات الرجالة، وربما العربية بل... الكويتية الوحيدة في مقهى منطقة خيطان ، وهو سبب وجيه لآلاف الرجال ليلتهموا شكلي الانثوي الحلو بالنظرات ، الا اني لاحظت بعد اكثر من ساعتين لبقائي هناك ، ان لا أحد منهم ينظر اليّ ، ولا حد معبرني ، حتى اني شككت اني «ست قرشانة... ووحشة وتعافها العيون» ضحكت ســرا على فكرتي. ومع علمي انهم لم يعتادوا على وجود امراة شرقية الملامح في مقهى رجالي ، الا انه نالني منهم نظرة سريعة «يبتلعون» صدمة وجودي ومن ثم لا ينظرون لي على الاطلاق ..قلت لصديقي : هل انا وحشة للدرجة دية..؟ابتسم : وحشة منين ده انت زي القمر ..- اي قمر الله يرضى عليك... ليه ما بيبصبصوش عليا كعادة كل الرجال... مع أنه امامهم فرصة النظر واطالته و«تمطيطه» في المقهى كعادة غالبية الرجال... وكلهم عزاب.. همه جايبين العين النظيفة ديه منين...ابتسم صديقي بفخر : دول رجاله الصعيد وين مايكونوا. الرجولة والشهامة والاخلاق العالية بتفضل معاهم زي رجالة زمان ..ضحكت له : ايه الحلاوة ديه ، وحياة ربنا هذا نموذج منقرض من حياتنا واكملت له : بس بيني وبينك ديه حاجة تغيظ... !اضاف صديقي : الرجالة دول رجالة بحق وحقيق يفتكروا انك مراتي ، عيونهم ما تعلاش على ست مش بتاعتهم .ضحكت له : على كده انت قطعت رزقي... «والله كنت أمــزح»قال بجدية : حتى لو ما كنتيش مراتي برضه انت جاية مع راجل مش حيبصبصوا عليك.- طب لو كنت وحدي ..- قال ضاحكا : ولا الــهوا... حيحترموا وجودك ك «ست» جاية لوحدك ومش حتنولي منهم نظرة ..- يا سلالالالالالالالام ... ايه النزاهة ديه... لا شفته بمقاهي اليونان ولا باريس او لندن مع ان الاوربيين ناس مرتاحين من قلق «الحاجة» للنساء ومع هذا يبصبصون، الصعايدة دول متحضرين و مريحين بشكل...****قررت الحكومة اعادة بناء المنطقة لتكون بيوتا سكنية للكويتين وهذا حق مشروع ، اعطيت اذني لهم لاستمع لهم بعد قرار نقلهم من منطقة خيطان الى مناطق اخرى .قال لي «النقاش» الصعيدي الذي طلبت منه تغيير طلاء احدى الغرف في بيتي: والله يا ست الكل بعد ما طلعنا من خيطان تشتتنا... اللي راح الجليب واللي بالفروانية... حسينا اننا طلعنا من الصعيد الجواني مرة تانية... تلخبطت الدنيا عندنا ، ومش عارفين نتأقلم الا على مكان اعتبرناه روح الصعيد الاصلي . حتى ما بقيناش نشوف قرايبنا ، والكثير من رجالتنا رجعوا للبلد ... ياااااه على خيطان ماكناش نحس بيها بالغربة ابدا ، كنا دايما متلمين على بعض ، ودلوقتي ما بقاش حد يشوف حد ..****لنعد لسوق الخضار فارتيادي لنفس المكان منذ سنوات طويلة يلقي روحا من الالفة بيننا، وبذكاء فطري يعرف كل الباعة «مزاج» الزبون... منحني محمود الصعيدي درجة الدكتوراه مع اني لم اسع لها «اهلا... دكتورة»• شكرا لمنحك لي درجة الدكتوراه ببلاش... وانا مخيبة ظنك فلست دكتورة ..- يبتسم و.. يصر : وماله يا ست الكل ده انت ست الدكاترة..؟يصر على الا التقط احتياجاتي بيدي ويقترح اخذ الكراتين الصغيرة ، فأرفض ، احب اختيار ما سيدخل بيتي... يراني اختار بعناية حاجاتي من الخضار والفواكه حبة... حبة.• «الستات لازم ما تحطش ايدها في حاجة» وطبعا لاني لست من اهل بيته، فهو يريد «تكريمي» بأن اشير فقط على ما اريد من خضار وانا غرامي اختيارها لاني اعرف درجة نضجها من الوانها وقوامهاالمشدود ورائحتها ، وحين اعترض بان التسوق متعة لي ، وأحب انتقاء حبات الخضار والفواكه ليست من الصناديق التي تفاجئنا بصفوفها الاولى بصورة براقة ، وحين نذهب للبيت نجد في عمق الكراتين خضاراً وفواكه مضروبة صغيرة او معفنة . بل اريد لمسها بيدي وانتقاء ما اشاء بهدوء ومزاج رايق .أمازحه: لو كنت من اهل بيتك لارتحت في زاوية مقهى تلعب الطاولة وتأخذ لك نفس شيشة وتترك خيار التسوق لنساء بيتك.يفرقعها ضحكة من القلب تطير في الفضاء من حولنا، ويطلق تعليق مرح يهز روحك ضحكا ومرحا: اي والله... اصلي انا بالذات جدع مع الناس وخايب مع اهل بيتي..أذكره انها عادة ذكورية بامتياز في كل شرقنا العربي.*****البائع الآخر «سمح الوجه أطرش» لكبر سنه لا يسمع صوتي، خطوط تجاعيد وجهه الرفيعة لم تستو على وجهه الا لانها عنوان وجهه الباسم بحنان الاجداد ، ونتعامل معاً بالاشارة، اردت ان اقول له : انا اختار ما اشاء يا حاج وانت خذ الاكياس للمحاسب لوزنها وليضع التسعيرة عليها اريد كسب الوقت لمشترواتي الاخرى في الجمعية ..كيف اوصل فكرتي اليه... حملت احد الاكياس  المملوءة بالطماطم الحمراء واشرت له باخذها حيث المحاسب ، ... يبتسم بخجل ويفهم ما اشرت عليه ... و بخفة يلتقط الاكياس من عربتي ويعود الي بعد قليل من الوقت ، وقد انجز تمام عمله .ولاني أعشق أعشق المصريين من الوجه البحري حتى القبلي، من الاسكندرية وحتى اخر بقعة في مصر المحروسة ،واحب أركان ارض مصروشعبها احب بساطة الباعة الجائلين ، واحاديث الستات المبروكة ، ولانك تجدهم وقت شدة حاجتك عند باب قلبك ، فإني لا اريد تعميم كل الخير والمثالية التي كتبتها عنهم على اعتبار ان لا خطائين بينهم ، ولا ناس خارجة عن القوانين والاعراف ، يوجد في كل مكان الصالح والطالح مثل اي مجتمع انساني ، ان ما كتبته هو من صميم ما شاهدت في حياتي المحاطة بالصعايدة والكثير من القاهريين «اللي واخدين شقفة من قلبي» وانا مزينة عمري بتاج صداقاتهم وسعيدة جدا بحبهم الشفيف لي ..

مزااااج

لم نتفق على موعد في تلك الامسية المزدحمة بالبشر... المكان قاعة الاحتفالات الكبرى بوسط البلدمخضت جسدي  بكريم «الفانيلا»... ذهبت الى حيث هو، كنت ألبي دعوته... أراه من بعيد وسط رؤوس كثيرة واقفة بفوضى وعشوائية... اقتربت من هيبة مقامه في قلبي .استحضر  رحلة أوغاد الطفولة المشاغبة اقتربت أكثر ...... استنشقني... لم يرني ...التف حول نفسه يبحث عن رائحتي ...اختبأت في زحام الاجساد الطولى حوليرفع قاب قوسي قدميه لتعلو قامته لعله... يصلني... خفضت رأسي دون أن أغمض عيني عنهقريبة منه الى حد  نار الولــع... اراه ولا يراني ، اكتم ضحكة حبلى بعفرتة المطر المداهم لوجهك ... عيناه دائرتا شمسين تبحثان عن رائحتي... نظر  لهاتفه النقال رفعه الى وجهه الحبيب، وكبس ازرار الموبايل فرن هاتفي بنغمة ليلى مراد «الحب جميل» اصطادني... كطائر مبلول بتغريد الفرحونثرت في روحي فجاءته ودهشته و... ضحكاته... مثل... مثل ضياء القمر

www.alrai media .com