| إبراهيم صموئيل |
/>ليس المطلوب من المشتغلين في حقل السياسة أن يكونوا فقهاء لغة، وعلماء صرف ونحو، ومتخصصين مبدعين في البلاغة العربية. يكفي لرئيس دولة أن يكون عادلاً، وأن يعمل رئيس وزراء بحسب الدستور والقانون، وأن يكون رئيس حزب أو تجمّع سياسي، أو محلل أو ناشط في الحقل السياسي... يكفي أن يكونوا على دراية في ميادينهم ومعرفة ورؤى عميقة وما إلى هنالك مما يقتضيه العمل في هذه الحقول.
/>غير أن كوارث الأخطاء اللغوية التي يقعون فيها غير معقولة ولا محمولة، كوارث تبدو للوهلة الأولى، من ممثل كوميدي مسرحي أو سينمائي يسخر فيها من الحال التي آلت إليها اللغة العربية على ألسنة الناس عموماً! رئيس مجلس أو حزب سياسي يقول على شاشات التلفزيون أو في المنتديات: «كان على المجلسَ أو الحزبَ «بالفتح الصريح» أن يعملُ «بالضم» على تأسيسَ «بالفتح» كذا وكذا... الخ»! أو أن يقول رئيس دولة أو رئيس وزراء مثلاً: «وما كنّا في هذا البلد بقادرون على... الخ»! أو أن يرفع نبرة صوته قائلاً: «إننا لا نريد لهذا الشعبَ «بالفتح» أن يكون... الخ» أو أن يبدأ بجملة تقول: «القانونَ «بالفتح» فوق الجميع..الخ» وعلى الغرار نفسه سنجد أخطاء فادحة لا يجوز لطلبة المدارس الإعدادية أن يرتكبوها في قراءاتهم. فما بال السياسيين- اتكاءً على مواقفهم ووجهات نظرهم وتحليلاتهم- لا يعيرون اهتماماً للحد الأدنى من قواعد اللغة، ولا يجهدون أنفسهم للعمل على النطق بها بالشكل الصحيح؟! ما بالهم يخبصون الفتح بالضم بالكسر، والفاعل بالمفعول، والجار بالمجرور، والمنصوب بالساكن، من دون أن تحين منهم أدنى التفاتة إلى ما هم عليه وكأن اللغة شأن اللغويين والفصحاء والعلماء حصراً وتحديداً؟!
/>يستاء المرء مزيداً، ويتعجّب حقاً، بل ويزدري المتكلّم، مهما كان منصبه أو موقعه السياسي، حين يخطئ في خطابه المكتوب! لو أنه ارتجل ارتجالاً، أو ألحّ عليه الحضور بأن يلقي كلمة على مسامعهم، أو اقتضت ضرورات معينة فنهض للكلام، لربما كان من المفهوم أن يخطئ هنا وهناك، أو كان من المغفور له بدرجة ما، إذ إنه تصدّى للكلام اللحظة من دون أي تحضير مسبق. ولكن في خطاب، أو في بيان «تمّ إعداده سياسياً بدقة متناهية» سيُقرأ في قاعة، أو من خلال الشاشة، بنبرة رزينة وصوت جهوري، فإن الأخطاء، هنا، تصبح مدعاة للهزء فعلاً، إذ يمكن شكل الخطاب أو الكلمة أو البيان من قِبل أي مستشار أو متخصص أو عارف باللغة، شكلاً واضحاً يمكِّن قارئه من لفظ كلماته ونطقها على شكل صحيح، بل ويمكن التدرّب على التلفظ بها قبل التقدّم إلى المنصة أو الظهور أمام الكاميرات! وما الصعوبة في ذلك؟! أم أن شأن اللغة الصحيحة شأن شكلي، سطحي، نافل، لا يستحق الاهتمام ولا الرعاية ولا الالتفات إليه إزاء المهام السياسية الجليلة، والمواقف الحاسمة النارية، والآراء الجريئة والقوية؟!
/>إن من المعيب حقاً للمسؤول القارئ، خصوصاً في الكلمات والخطابات والبيانات المكتوبة والمعدّة مسبقاً، أن تتالى الأخطاء وتتوالى على نحو فاضح، يحرص الأجانب وغير الناطقين باللغة العربية على تجنبها وعدم الوقوع بها، خصوصاً وأن حل المشكلة، حتى للمسؤول الجاهل باللغة، أمر متيسر إلى أبعد الحدود، ولا يقتضي سوى شكل الكلمات فحسب!
/>أما إذا كان أمر اللغة العربية، بالنسبة للسادة السياسيين أصحاب المسؤوليات الكبرى، يبدو شكلياً، هامشياً، فلِمَ تراهم في ما يتعلّق بهندامهم وربطات أعناقهم ومسح وجوههم بالمراهم بل والقيام بصبغ شعورهم... لا يدخرون جهداً أو وقتاً؟!
/>