اعتاد كثير من الناس اليوم على استغلال الآخرين وبصور شتى، وترجع صفة استغلال الإنسان للإنسان لسبب أخلاقي أولاً وأخيراً، فمن الخطأ الشائع أن يظن أحد أن من عادة الغني أن يستغل الفقير أو أن من عادة القوي أن يستغل الضعيف! بل العكس هو الأقرب للانتشار، فما أصعب تمكن الضعيف وتحكمه بالناس وما أكره أن يصبح الإنسان الفقير وبشكل مفاجئ غنيا!
لكن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان أمر ممقوت ومرفوض في العقل الراشد وفي الفطرة السليمة، لا أريد أن أحصر كلامي في حيز الأفراد، فما ينطبق على الأفراد منطبق أيضا على المجتمعات وعلى الدول وسياساتها، إن استغلالاً ما تعيشه الدول القوية المتحكمة تجاه دول بدائية أحيانا في أبسط سُبل الحياة والكسب اليومي!
ففي الوقت الذي تنادي هذه الدول القوية المتقدمة علميا وتكنولوجيا بأهمية حقوق الإنسان وتأمين الحياة الكريمة له هي نفسها تخالف دعوتها لذلك في جانب آخر وفي سياسة أخرى تتبعها في مكان آخر!! فالولايات المتحدة الأميركية التي تنادي مثلاً بضرورة إنقاذ القارة السوداء من مشكلات الجفاف والجوع وخرق لمواثيق حقوق الإنسان، نجدها وبمنتهى البساطة تتلف أطنانا من القمح بإنزالها في أعماق المحيط للحفاظ على أسعار القمح لصالحها في السوق العالمية!
بينما تشبعنا أميركا كلاما عن حقوق الإنسان والحفاظ على حياته!! لا نريد من أميركا أن توزع القمح على شعوبنا ثم تشرط عليهم ديموقراطية بثمن خاص مقابل حمايتهم تارة، ومقابل دعم ثوراتهم المزعومة تارة أخرى.
إن مسلسلاً من الاستغلال ليس لنهايته أفق تستمر البشرية في التعاطي معه ونحن في مقدمة المتأثرين بهذا المسلسل، والعرب يستسهلون اليوم استغلال بعضهم وسفك دماء بعضهم البعض بذرائع شتى! حقا إنها مشكلة أخلاقية، نحن نعيش وكأننا سباع دفعنا الجوعُ لنستغل كل شيء يتاح أمامنا ولو كان عُهدةً أو أمانة!! للأسف هكذا يفكر الكثيرون، وهكذا يتعلم منا أبناؤنا! لعلنا لم نُجِدِ التعاملَ مع موجة المدنيَّة التي عمت حياتنا وقلبت كياننا، فلم نجمع بين التمدن وإنشاء المصانع والشركات والمؤسسات وبين الحفاظ على الأمانة وحسن الطوية، وكأن المدنيَّة في نظرنا هي استغلال وجمع للمال فحسب ولو على حساب البسطاء، فلا تعطني ديناراً.. وبعدها تأكلني!

علي سويدان
Swaidan9@hotmail.com