مما يدمي القلب رؤية الدماء والأشلاء في سورية، صحيح أننا اعتدنا على هذا الأمر في العراق واستمرأنا القتل اليومي في بغداد ربما لأننا ما زلنا نحس بطعم الألم الذي تجرعه العراقيون وتجرعناه على يد صدام حسين! لكنَّ سكوتنا عن القتل اليومي في العراق زاد في سماكة جلودنا فقلَّ إحساسنا بخطورة سفك الدماء. في يوم مضى ركضنا لنُقاطع المنتجات الدنماركية وتركنا شبح الموت اليومي يرقص على نوافذ الأطفال في العراق، وبررنا ذلك وأعدناه إلى غلطة آدم حين أكل من شجرة الْخُلْدِ في الجنة!
ذاكرتُنا الدامية أعادتنا اليوم إلى حرصنا على تحرير فلسطين في أواخر سبعينات وفي ثمانينات القرن المنصرم؛ حين قررنا أن نحرر فلسطين عن طريق تحرير كابول من الغزو السوفياتي، كان العالَم يطلق على المقاتلين في أفغانستان (المتمردون) وكان معظم العرب يطلق عليهم (الثوّار الأفغان)، وكنا في إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة نطلق عليهم (المجاهدون الأفغان) وكلنا يتذكر جيداً كيف وقف (عبد رب الرسول سيّاف) وكان قائداً للتحالف الإسلامي لتحرير أفغانستان قائلاً أمام المؤتمر الإسلامي أوائل الثمانينات انَّ (المجاهدين الأفغان بعد أن يحرروا أفغانستان هم على استعداد لتحرير فلسطين...)، طبعاً العرب يومها صفَّقوا بحرارة لهذه الكلمة مع أنها مخجلة في حقهم، الأفغان يحررون فلسطين والعرب يصفقون!
ولكن دُفعتْ الساحة الأفغانية نحو سيناريو آخر بدأ بتصفة الرئيس الباكستاني (ضياء الحق) الذي كان فاتحاً للحدود بين باكستان وأفغانستان ومناصراً للقضية الأفغانية آنذاك حين كانت قضيةً أفغانية بحتة ولم يعكرها العربُ بتدخلاتهم المقيتة وبدعمهم المشبوه! ثم جاءت تصفيةُ (عبدالله عزّام) وهو رجل فلسطيني كان يعمل على التقريب بين الفصائل الأفغانية؛ بعد اغتيال هذين الرجلين من يومها اتَّجهت الأمور في أفغانستان إلى طريق آخر! تماماً كما في عام 2004م حين تم إيقاف مسلسل (الطريق إلى كابول)! والطريق إلى كابول هو مسلسل من بطولة عابد فهد وإخراج محمد عزيزية من إنتاج تلفزيون قطر وكان يعرض في شهر رمضان على قناة قطر وقناة mbc وكانت الشركة المنتجة ترسل لقناة mbc بمعدل حلقة كل يوم حيث توقفت الشركة المنتجة عن إرسال بقية الحلقات بعد الحلقة الثامنة، وصرح يومها مدير تلفزيون قطر محمد عبد الرحمن الكواري: (أن إيقاف المسلسل كان بسبب أنه يحتاج إلى مراجعة فنية ومعلوماتية قبل بثّه).
نحن للأسف صدَّرنا ثقافة القتل (مادة خام) تحت مسمى الجهاد عن طريق باكستان نحو أفغانستان، وَجَبَهاتُنا مع إسرائيل دخلتْ سنوات من العسل بعد حرب 1973م، والذين يثورون اليوم على الحكام بالطريقة التي رأيناها هي وجهٌ جديد من وجوه غرقنا في الضياع العربي كما تعودنا؛ فالعرب الذين تربَّوا خلافاً لمنطقيات التربية السوية وأداروا ظهرهم لفلسطين ودفعتهم ثقافتُهم ليذهبوا إلى كابول، هم أنفسُهم الذين انخرطوا اليوم في ما نطلق عليه الربيع العربي! لتعودَ إلينا المادةُ الخام التي صدَّرناها إلى أفغانستان على شكل (عرب أفغان) وجماعات مسلحة فكراً وعملاً!
نحن للأسف لا نملك أبجديات الفهم السليم للأمور؛ فالسياسة بايعْنا فيها خليفة الإخوان المسلمين (أردوغان)، وفي العمل العربي المشترك اكتفينا ببرنامج (افتح يا سمم)، وفي القتال والبطولات ما شاء الله سِجِِلٌّ حافل من حربِ مصرَ ضد اليمن خمس سنوات، إلى ثماني سنين عجاف من القتال على البوابة الشرقية للعرب ضد إيران! وبدلاً من هذا كله ولنعرف أبجديات الفهم للأشياء من حولنا، وحتى نعرف مصلحتَنا قبل أن نُمسك القلمَ ونتخذ قراراً. نحن بأمس الحاجة لنجلس على مقعد الدراسة وندرس من جديد (مع حمد قلم).
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com
ذاكرتُنا الدامية أعادتنا اليوم إلى حرصنا على تحرير فلسطين في أواخر سبعينات وفي ثمانينات القرن المنصرم؛ حين قررنا أن نحرر فلسطين عن طريق تحرير كابول من الغزو السوفياتي، كان العالَم يطلق على المقاتلين في أفغانستان (المتمردون) وكان معظم العرب يطلق عليهم (الثوّار الأفغان)، وكنا في إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة نطلق عليهم (المجاهدون الأفغان) وكلنا يتذكر جيداً كيف وقف (عبد رب الرسول سيّاف) وكان قائداً للتحالف الإسلامي لتحرير أفغانستان قائلاً أمام المؤتمر الإسلامي أوائل الثمانينات انَّ (المجاهدين الأفغان بعد أن يحرروا أفغانستان هم على استعداد لتحرير فلسطين...)، طبعاً العرب يومها صفَّقوا بحرارة لهذه الكلمة مع أنها مخجلة في حقهم، الأفغان يحررون فلسطين والعرب يصفقون!
ولكن دُفعتْ الساحة الأفغانية نحو سيناريو آخر بدأ بتصفة الرئيس الباكستاني (ضياء الحق) الذي كان فاتحاً للحدود بين باكستان وأفغانستان ومناصراً للقضية الأفغانية آنذاك حين كانت قضيةً أفغانية بحتة ولم يعكرها العربُ بتدخلاتهم المقيتة وبدعمهم المشبوه! ثم جاءت تصفيةُ (عبدالله عزّام) وهو رجل فلسطيني كان يعمل على التقريب بين الفصائل الأفغانية؛ بعد اغتيال هذين الرجلين من يومها اتَّجهت الأمور في أفغانستان إلى طريق آخر! تماماً كما في عام 2004م حين تم إيقاف مسلسل (الطريق إلى كابول)! والطريق إلى كابول هو مسلسل من بطولة عابد فهد وإخراج محمد عزيزية من إنتاج تلفزيون قطر وكان يعرض في شهر رمضان على قناة قطر وقناة mbc وكانت الشركة المنتجة ترسل لقناة mbc بمعدل حلقة كل يوم حيث توقفت الشركة المنتجة عن إرسال بقية الحلقات بعد الحلقة الثامنة، وصرح يومها مدير تلفزيون قطر محمد عبد الرحمن الكواري: (أن إيقاف المسلسل كان بسبب أنه يحتاج إلى مراجعة فنية ومعلوماتية قبل بثّه).
نحن للأسف صدَّرنا ثقافة القتل (مادة خام) تحت مسمى الجهاد عن طريق باكستان نحو أفغانستان، وَجَبَهاتُنا مع إسرائيل دخلتْ سنوات من العسل بعد حرب 1973م، والذين يثورون اليوم على الحكام بالطريقة التي رأيناها هي وجهٌ جديد من وجوه غرقنا في الضياع العربي كما تعودنا؛ فالعرب الذين تربَّوا خلافاً لمنطقيات التربية السوية وأداروا ظهرهم لفلسطين ودفعتهم ثقافتُهم ليذهبوا إلى كابول، هم أنفسُهم الذين انخرطوا اليوم في ما نطلق عليه الربيع العربي! لتعودَ إلينا المادةُ الخام التي صدَّرناها إلى أفغانستان على شكل (عرب أفغان) وجماعات مسلحة فكراً وعملاً!
نحن للأسف لا نملك أبجديات الفهم السليم للأمور؛ فالسياسة بايعْنا فيها خليفة الإخوان المسلمين (أردوغان)، وفي العمل العربي المشترك اكتفينا ببرنامج (افتح يا سمم)، وفي القتال والبطولات ما شاء الله سِجِِلٌّ حافل من حربِ مصرَ ضد اليمن خمس سنوات، إلى ثماني سنين عجاف من القتال على البوابة الشرقية للعرب ضد إيران! وبدلاً من هذا كله ولنعرف أبجديات الفهم للأشياء من حولنا، وحتى نعرف مصلحتَنا قبل أن نُمسك القلمَ ونتخذ قراراً. نحن بأمس الحاجة لنجلس على مقعد الدراسة وندرس من جديد (مع حمد قلم).
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com