| جمال الغيطاني |
/> اعتدت أن أقول «مصر» قاصداً، «القاهرة»... منذ طفولتي، كنا نمضي أشهر الصيف في قريتي بصعيد مصر، جهينة، محافظة سوهاج، واذ يرد ذكر المدينة الكبيرة نقول عنها «مصر».
/>«سأذهب الى مصر»، «أنا أرجع من مصر»، «أرسلت خطابا الى مصر»، «بنات مصر»، «رجل مصر»... الخ.
/>ليس ذلك في الصعيد فقط... انما في الدلتا أيضا، فالكل يذكر العاصمة باعتبارها «مصر وليست القاهرة»، ما يدل على مكانة المدينة وموقعها من ذلك، انها أهمية المدينة، مركزية الموضع، اذ تقع بين الدلتا والصعيد، فهي بمثابة خاصرة العقد، لم يتبدل موضعها منذ فجر التاريخ الا نادرا أو لظروف استثنائية، في معظمها تتعلق بالتهديد الأجنبي، أو لوقوع ظرف يحيد بها عن موقعها وسرعان ما تعود الأمور الى أصولها، وترتد الفروع الى جذورها.
/>هي «منف، وهي بابليون، أو الفسطاط، العسكري، القطائع، وأخيرا القاهرة التي أسسها الفاطميون في القرن الرابع الهجري... العاشر الميلادي، القاهرة التي احتوت العواصم التي سبقتها، أحاطت بها ولكنها حافظت عليها وعلى مواقعها، وأصبحت تلك العواصم بمثابة محطات في تاريخها.
/>منف على مقربة من الأهرام، حيث الزمن المصري الفرعوني القديم، والقطائع والعسكر والفسطاط الآن مجرد أحياء في العاصمة الكبرى، التي تتجاوز فيها الأزمنة ولا تتوالى، تلخص في حضورها خصائص مصر كلها، ولذلك رأى فيها الناس مصر، حيث المركز والموقع المثالي لضبط النهر اذ تقع على مقربة من تفرع النيل الى فرعين في نهاية رحلته الطويلة من المنبع الى المصب.
/>لايزال الزمن أبرز علاماتها وأوضح قسمات شخصيتها، انه مختزن في تصميمها خصوصا القاهرة القديمة بمراحلها المختلفة، في جدران أحجارها، تلك الأحجار المتراصة في جدران «المساجد والوكالات وخانقوات الصوفية والكنائس والأديرة»، والعقود الحجرية على أبواب الحارات العتيقة، لم يستطع التوسع الهائل، والتحديث الفجّ إلغاء شخصيتها، وما يمنحها الخصوصية أولئك البشر الساعون فيها والذين يجمعون بين الزمان والمكان في أعماقهم، من هنا اكتسب القاهري الصميم تلك السماحة الخاصة التي تمنحه صفة ابن البلد.
/>المركزية أبرز سمات القاهرة، كذلك استمراريتها، هل انعكس ذلك على الأدب؟ بالتأكيد، خصوصا الأدب المصري الحديث، الأدباء الذين ولدوا وعاشوا في القاهرة كتبوا عن أماكنها وأناسها، وبعضهم اكتشفها أدبيا.
/>كان ممكنا أن تظل حارة زقاق المدق مجهولة، منسية، مثل حواري قاهرية عديدة لاتزال منزوية، بعيدة لكن زقاق المدق وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية وخان الخليلي أصبحت أماكن يعرفها العالم، القاهرة بالنسبة لنجيب محفوظ مركزاً للروح، اكتشفته واكتشفها، كذلك الأمر بالنسبة لي، حيث عشت في القاهرة القديمة التي نما وتعلق بها محفوظ، لكن حقبتي الزمنية مختلفة.
/>جاء يوسف ادريس، وعبدالرحمن الشرقاوي، ويحيى الطاهر عبدالله، وأحمد عبدالمعطي حجازي من أقاليم مصر المختلفة الى العاصمة، أدباء كثيرون مثلهم سعوا من الصعيد والدلتا والواحات الصحراوية الى مصر العاصمة التي تتركز فيها دور النشر، ومنابر الاعلام، استقروا بها.
/>في البداية يكتبون عن الواقع الذي جاؤوا منه، عن قرى الصعيد.. أو عن الوجه البحري والدلتا، شيئا فشيئا مع مكثهم وطول اقامتهم في العاصمة تبدأ المدينة الكبيرة في الظهور، تبدو بأزقتها وحواريها ونواصيها ومبانيها وقبل ذلك بشخصياتها، هكذا تتواجد في الأشعار والقصة القصيرة والرواية، وشيئا فشيئا مع طول اقامة الأدباء فيها تتحول القرى والمدن التي جاؤوا منها الى الخلفية وتتقدم القاهرة لتصبح في مقدمة المشهد.
/>هكذا تصبح مكانا رئيسيا في معظم أعمال الأدباء الذين وفدوا اليها واستقروا بها، وبذلك يصبح موقعها في الأدب الحديث، مشابها لموقعها في المكان، فهي مصر التي تختزل مصر، وهي المركز في الأدب كما هي المركز في المكان والزمان.
/>لا يخلو عمل أدبي لكبار أدبائنا من الاشارة الى القاهرة أو تناولها في أعمال كبرى مثل تلك الأعمال التي كرس محفوظ قدراته للتعبير فيها عن المدينة التي لم يغادرها قط الا مرغما، عاش فيها ينقب في طبقاتها الخفية ويكتشف أغوارها.
/>أستعيد من زقاق المدق هذا المشهد:
/>ويتقدمون... وتتعرج الحواري وتتداخل وتؤدي الى أزقة لها أسماء تضحك غرابتها، وتصبح الأرض من التراب وعلى التراب أوساخ وماء وطين، وتموت الحركة وتختفي الحواديت وتنتقل البضاعة الى عربات يد أو صناديق معلقة على الحيطان.. وتفقد البيوت ما فوقها من طلاء وما في نوافذها من حديد ويقل المارة من الكبار ويظهر الأطفال ويتكاثرون وكذلك يفعل الذباب، وتتضخم الملامح وتتورم وكأنما قرصتها دبابير، وتهترئ الملابس وتتمزق وتفقد الكثير من أجزائها، ويظهر أناس بلا لباس، وتصبح اللغة سرسعة وأصواتا وحروفا تتصاعد من حناجر شديدة البروز، وتملأ رائحة الطين والقدم... والأنوف.
/>وتصغر أبوابها وتصبح نوافذها بلا شيش، وتتحول الدكاكين الى حوانيت صاحبها هو عاملها ويداه على المكنة، وتسحب وجوه المارة وتزداد سمرة وتبهت ألوان الملابس ويتقادم بها العهد، وتتحلل اللغة وتصبح كلمة ونداءات وشتائم، وتهب رائحة العطارة والجلود والغراء والخشب المنشور.
/>ويتقدمون... وتضيق الشوارع وتضيق وتُفضي الى حارات يصك أسماؤها الأذان، وتأخذ مكان الاسفلت كتل صلبة من الأحجار، وينتهي التلتوار، وتتقادم البيوت ويفصلها عن الحاضر أحقاب وأحقاب، وتصبح النوافذ فتحات ليس فيها غير الحديد وتخفت الحركة، وتندر الحوانيت وتتقطع ويصبح بين البقال... والبقال مشوار، وتتضخم الملامح وتغمق الوجوه وتنبت اللحى وتغزر الشوارب وتتناقص الملابس ويصبح البنطلون بلا قميص والجلباب بلا سروال، وتتفتت اللغة الى أنصاف كلمات وأرباع وتعبيرات لا يفهمها سوى أصحابها، وتختفي روائح الدكاكين وتمتلئ الأنوف بروائح التقلية والملوخية المتصاعدة من البيوت.
/>