في البدء كان لبنان الذي قبل العرب أن يكون مجرد حقل اختبار لهم. ألقوا فيه كلّ المسلحين الفلسطينيين بعد أحداث الأردن في العام 1970 ثم سكتوا عن إغراق النظام السوري له بالسلاح. وسكتوا لاحقا، ابتداء من العام 1982 عن تسليح حزب مذهبي مرتبط مباشرة بالنظام في إيران.
في السنة 2011 لم يعد المرض، مرض السلاح غير الشرعي، مقتصرا على لبنان. انتشر في غير مكان في المنطقة. صار النظام السوري الذي لم يكن لديه، في الماضي والحاضر، من همّ سوى تهريب السلاح إلى دول الجوار يشكو من الظاهرة!
ليس هناك أسوأ من فوضى السلاح. فوضى السلاح أضاعت على الفلسطينيين فرصة إقامة دولتهم المستقلة انطلاقا من غزة. فوضى السلاح يمكن أن تفوّت على الليبيين إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تولى معمّر القذافي القضاء عليها بشكل منتظم ومنظّم. فوضى السلاح يمكن أن تعيد العراق إلى الحروب المذهبية بعد الانسحاب الأميركي أواخر السنة الحالية.
فوضى السلاح كادت أن تقضي على الجزائر في مرحلة معينة، ويمكن أن تقضي على لبنان. يقاوم لبنان هذه الظاهرة المرضية منذ ما يزيد على أربعين سنة، أي منذ العام 1969 تاريخ إجبار العرب حكومته على توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم. نتائج توقيع الاتفاق لاتزال تتفاعل حتى الآن، بعد حلول ميليشيا «حزب الله» الإيرانية مكان المسلحين الفلسطينيين المنتمين إلى منظمات من مختلف المشارب. منظمات تابعة، في أكثريتها، لأنظمة عربية لم يكن لديها هدف آخر سوى المتاجرة بفلسطين والفلسطينيين على حساب لبنان واللبنانيين!
كان في استطاعة الفلسطينيين توفير نموذج عما يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة صيف العام 2005. بدل ذلك، أمعنت حركة «حماس» في نشر فوضى السلاح وإطلاق الشعارات الفارغة، من بينها تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو أن فلسطين «وقف إسلامي». انتهى الأمر بتحول غزة إلى سجن كبير للفلسطينيين بعد الحصار الذي فرضه الإسرائيليون معتمدين على فوضى السلاح أوّلا. تبيّن أن فوضى السلاح هي، إلى اشعار آخر، الحليف الأوّل للاحتلال الإسرائيلي.
من حسن الحظ أن هناك بين الليبيين من تنبه باكرا إلى خطورة فوضى السلاح على مستقبل البلد ككلّ وذلك في ضوء سقوط «جماهيرية» معمّر القذّافي. لم يكن هناك هدف من إعلان «الجماهيرية» سوى تدمير مؤسسات الدولة واستعباد الليبيين. تحرك الليبيون في طرابلس أخيرا. أكّد أهل طرابلس قبل أيّام بالفم الملآن أن ليس في الإمكان إعادة بناء الدولة في ظل فوضى السلاح. دعوا المسلّحين إلى الخروج من طرابلس. هؤلاء الثوّار حرروا البلد كلّه من «جماهيرية» القذّافي وليس طرابلس فقط. مع ذلك أنهم مدعوون إلى التخلي عن سلاحهم في حال كان مطلوبا أن يكونوا هناك دولة اسمها ليبيا.
كاد السلاح أن يقضي على الجزائر. قاومت الجزائر فوضى السلاح. إذا كان هناك من أمل يوما في عودة الجزائر دولة عصرية قادرة على التعاطي بشكل إيجابي مع جيرانها ومع ما يدور في محيطها، بعيدا عن عقدة المغرب التي لا تزال تعاني منها، فإنّ ذلك عائد إلى أنها قضت على فوضى السلاح. لم تسمح المؤسسة العسكرية في الجزائر بفوضى السلاح. السؤال الآن هل يمكن تطوير البلد... بعيدا عن فوضى السلاح وكلّ ما له علاقة بالإرهاب تفاديا لثورة أخرى تؤكّد أن رياح «الربيع العربي» لا يمكن أن تتوقف عند حدود معيّنة؟
كان الحادث الذي تعرّضت له الوحدة الفرنسية في جنوب لبنان قبل أيّام مناسبة كي تصدر إدانات عن كلّ الأوساط اللبنانية، بما في ذلك الحكومة التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي وحتى عن «حزب الله» نفسه. هذا الحزب الذي يتحكّم بالحكومة وبالمنطقة التي وقع فيها الانفجار الذي أدى اصابة خمسة جنود فرنسيين بجروح.
المؤسف أن السياسيين اللبنانيين التابعين لـ «حزب الله» بكلّ ما يمثله من تعبير عن فوضى السلاح لم يتجرّأوا على قول الكلام الذي يجب قوله في المناسبة. ملخّص الكلام أنّ لبنان كلّه والجنوب تحديدا، بأهله وأرضه، ضحية ظاهرة السلاح غير الشرعي التي يقف خلفها المحور الإيراني- السوري الساعي إلى تكريس لبنان «ساحة» لا أكثر.
لا يمكن إلاّ الترحيب بما قاله رئيس مجلس النوّاب اللبناني السيّد نبيه برّي عن أن إسرائيل هي المستفيد من الانفجار الذي استهدف العسكريين الفرنسيين في جنوب لبنان. مثل هذا الكلام صحيح مئة في المئة نظرا إلى أن إسرائيل سعت دائما إلى أن يكون الجنوب خارج سلطة الدولة اللبنانية. ليس صحيحا أن إسرائيل كانت ضدّ «اتفاق القاهرة». ليس صحيحا أن إسرائيل كانت ضدّ الوجود المسلح في جنوب لبنان، أكان هذا الوجود فلسطينيا أو إيرانيا، بالواسطة طبعا.
من يريد بالفعل إدانة العمليات التي تتعرض لها القوة الدولية في جنوب لبنان، لا يستطيع الاكتفاء بالقشور، أي بتجاهل الواقع المتمثل في أن النظام السوري أراد توجيه رسالة إلى فرنسا عبر جنوب لبنان الذي يسيطر عليه «حزب الله» شبرا شبرا. المشكلة ليست في النيات المكشوفة للنظام السوري. المشكلة في أن الحكومة اللبنانية لا تريد الاعتراف بأنّ شعار «الشعب والجيش والمقاومة» لا يستهدف إيجاد مبرر لإبقاء جنوب لبنان جبهة مفتوحة يستغلها من يشاء من حلفاء إيران.
يبدو أنه لم يأت بعد اليوم الذي يقف فيه مسؤول لبناني كبير للقول إنّ لا مستقبل للبنان في ظلّ فوضى السلاح، وأن ما ينطبق على لبنان ينطبق أيضا على فلسطين وليبيا والعراق والجزائر... وكلّ دول المنطقة من المحيط إلى الخليج!
كلّ ما عدا ذلك كلام بكلام، ومحاولة للالتفاف على الحقيقة المتمثلة بأنّ لا مستقبل للبنان في ظل وجود سلاح «حزب الله» الموجّه إلى صدور اللبنانيين طالبي الحرية والسيادة والاستقلال وليس إلى أيّ مكان آخر...


خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن