ثمة استمرارية ومتابعة في المغرب. توجت الاستمرارية والمتابعة بانتخابات تشريعية أجريت في الخامس والعشرين من الشهر الجاري. كانت الانتخابات تتويجا لمشوع إصلاحي عمره يزيد على عقد من الزمن. من انتصر فعلا في انتخابات المغرب هو المغرب. خرج البلد منتصرا لأنّه استطاع الانضمام إلى الدول التي تمارس فيها الديموقراطية في ظل الدستور المعمول به، وهو دستور شاركت كل فئات المجتمع في صياغته وأقرّ في استفتاء جرى في مطلع يوليو الماضي. من الأفضل أن تكون المواجهة بين الخيارات السياسية المختلفة داخل مجلس النوّاب بدل النزول الى الشارع ما دام الحكم في كلّ موضوع وكلّ مسألة هو في نهاية المطاف صندوق الاقتراع وليس الشارع والمواجهات التي لا طائل منها.
مرّة أخرى، أظهرت مؤسسة العرش أنها ضمانة للمغرب والمغاربة. باشرت مؤسسة العرش الإصلاحات منذ فترة طويلة في بلد يعتقد فيه الملك محمّد السادس أن الخطر الأكبر على الاستقرار يتمثل في الفقر، وأن الفقر في أساس التطرف وفي أساس كلّ علة.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن يفوز حزب إسلامي معتدل هو «العدالة والتنمية» بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب. وهذا يعني في طبيعة الحال أن ممثلا لهذا الحزب، قد يكون أمينه العام، سيشكّل الحكومة المقبلة. ونظرا إلى هذا الحزب لم يحظ بأكثرية مطلقة، سيكون مجبرا على التحالف مع أحزاب أخرى بغية الخروج بحكومة معقولة ومقبولة تعكس إلى حد ما التوجهات السائدة في أوساط الأكثرية الشعبية الحقيقية. هذه الأكثرية الحقيقية أكثرية مركّبة رفضت إلى الآن الانحياز بشكل كامل الى خيارات حزب مثل «العدالة والتنمية» يسعى بفضل وجوه جديدة إلى إثبات أنه قادر على تحملّ مسؤوليات كبيرة من جهة، وأنه يوفّر خيارات اقتصادية واجتماعية تصبّ في مصلحة المواطن المغربي من جهة أخرى.
لعلّ أهم ما كشفته الانتخابات المغربية أن الملك محمد السادس وضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولياتها. تبيّن أن هناك أحزابا كثيرة غير قادرة على التكيف مع الإصلاحات وتعبئة قواعدها بما يتلاءم معها. آن أوان أن يتحملّ كل حزب من الأحزاب مسؤولياته في حال كان هذا الحزب، مهما كان عريقا، مصرّا على متابعة مسيرته في المرحلة الجديدة التي دخلها البلد.
في كلّ الأحوال، كشفت تجربة المغرب أن هناك طريقة أخرى للتعاطي مع الإسلاميين بدل الدخول في مواجهة معهم. تقوم هذه الطريقة على خلق الأجواء الديموقراطية التي تسمح لهم بأن يكونوا شركاء في تحمّل المسؤولية من جهة وأن يتمكن الشعب من اختبار حقيقة الشعارات التي يطلقونها من جهة أخرى. في النهاية، عند الامتحان، يُكرم المرء أو يهان، كما يقول المثل الشعبي. هل يستطيع الإسلاميون أن يكونوا شيئا آخر غير حملة الشعارات الفضفاضة؟
أدت الانتخابات المغربية الغرض منها. حفظت السلم الأهلي في البلد أوّلا في منطقة تسودها الاضطرابات. هذا انجاز ضخم لمحمد السادس الذي عرف كيف يقود السفينة إلى شاطئ الأمن بعيدا عن كلّ أنواع المزايدات التي صدرت عن أطراف عدة لا تريد الخير للمملكة. كانت هذه الأطراف تريد صرف نظر العاهل المغربي عن الهموم الحقيقية للمغرب، والمتمثلة في السير في الإصلاحات إلى النهاية، وخوض الحرب على الفقر، وعلى كلّ ما له علاقة بالتخلف وما شابه ذلك.
ليس الملك وحده الذي خرج منتصرا. الديموقراطية خرجت منتصرة، أو على الأصحّ العملية الديموقراطية التي صارت جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية في المغرب. لم يعد مفرّ للأحزاب الساعية إلى أن يكون لها مستقبل من التعاطي مع هذا الواقع الجديد.
ثمة منتصر آخر هو الشعب المغربي الذي أقبل على صناديق الاقتراع مظهرا أنه يؤمن بالإصلاحات التي أقرّت. فنسبة المشاركة في الانتخابات جدّ معقولة على الرغم أنها كانت خمسة وأربعين في المئة تقريبا.
ما لا يمكن تجاهله ان الاقبال في انتخابات العام 2007 لم تتجاوز نسبته السبعة وثلاثين في المئة. هناك إذا تطور في اوساط المجتمع المغربي. يصب هذا التطور في اتجاه استيعاب أهمّية الإصلاحات الديموقراطية التي قادها محمد السادس كما يهمش الداعين الى مقاطعة الانتخابات مثل حركة «العشرين من فبراير» التي يحركها عمليا ومن بعد متطرفون ينتمون الى جماعة «العدل والإحسان». في النهاية، أثبت الشعب المغربي أنه شعب واع وناضج، وأنه قادر على التمييز بين من يريد الخير للبلد ومن يسعى إلى الإساءة إلى مؤسسة العرش. تظلّ مؤسسة العرش إلى اشعار آخر ضمانة للاستمرارية والرغبة في المحافظة على الاستقرار والتطور في اتجاه ربط المغرب بكل ما هو حضاري في العالم بعيدا عن أي نوع من العقد التي تتحكم بكثيرين...
ولكن يبقى سؤال في غاية الأهمية. ما الذي جعل «العدالة والتنمية» يحقق تقدما في الانتخابات ويحتل موقع الحزب الأوّل في البلد على حساب أحزاب عريقة لديها تاريخ قديم مثل «الاستقلال» على سبيل المثال وليس الحصر؟ الجواب أن الإسلاميين عرفوا كيف يعبئون صفوفهم باكرا. كانوا يعوون أن لا عودة عن الإصلاحات وأن المغرب دخل مرحلة جديدة، ولابدّ من اعتماد وسائل مختلفة تتلاءم وهذه المرحلة. تفادى «العدالة والتنمية» السجالات العقيمة مع الأحزاب الأخرى وانصرف إلى ترتيب أوضاعه الداخلية، والاستفادة إلى أبعد حدود من الإصلاحات. الأهمّ من ذلك كله، أنه اعتمد خطابا مؤيدا إلى حدّ كبير للإصلاحات التي يقودها الملك ومؤسسة العرش. وهذا ما جعله مقبولا في الأوساط الشعبية وليس حزبا انقلابيا كما فعل غيره من الذين وقفوا في الخفاء والعلن خلف الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات.
صارت الكرة الآن في ملعب الأحزاب المغربية. بات على هذه الأحزاب الاقتناع بأن طريق الإصلاحات في المغرب لا عودة عنه. باختصار شديد، دخلت المملكة مرحلة جديدة. تفادى المغرب السقوط في الحفر التي سقط فيها غيره. ليس عيبا اعتماد تجربته نموذجا في بلدان تتطلع إلى الانتماء إلى العالم المتحضر من دون خضّات كبيرة. تكفي المقارنة بين ما حصل في مصر وليبيا وسورية من جهة وما يشهده المغرب من جهة أخرى لاستيعاب أهمية ما شهدته المملكة حيث ملك متصالح مع شعبه أوّلا...
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن
مرّة أخرى، أظهرت مؤسسة العرش أنها ضمانة للمغرب والمغاربة. باشرت مؤسسة العرش الإصلاحات منذ فترة طويلة في بلد يعتقد فيه الملك محمّد السادس أن الخطر الأكبر على الاستقرار يتمثل في الفقر، وأن الفقر في أساس التطرف وفي أساس كلّ علة.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن يفوز حزب إسلامي معتدل هو «العدالة والتنمية» بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب. وهذا يعني في طبيعة الحال أن ممثلا لهذا الحزب، قد يكون أمينه العام، سيشكّل الحكومة المقبلة. ونظرا إلى هذا الحزب لم يحظ بأكثرية مطلقة، سيكون مجبرا على التحالف مع أحزاب أخرى بغية الخروج بحكومة معقولة ومقبولة تعكس إلى حد ما التوجهات السائدة في أوساط الأكثرية الشعبية الحقيقية. هذه الأكثرية الحقيقية أكثرية مركّبة رفضت إلى الآن الانحياز بشكل كامل الى خيارات حزب مثل «العدالة والتنمية» يسعى بفضل وجوه جديدة إلى إثبات أنه قادر على تحملّ مسؤوليات كبيرة من جهة، وأنه يوفّر خيارات اقتصادية واجتماعية تصبّ في مصلحة المواطن المغربي من جهة أخرى.
لعلّ أهم ما كشفته الانتخابات المغربية أن الملك محمد السادس وضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولياتها. تبيّن أن هناك أحزابا كثيرة غير قادرة على التكيف مع الإصلاحات وتعبئة قواعدها بما يتلاءم معها. آن أوان أن يتحملّ كل حزب من الأحزاب مسؤولياته في حال كان هذا الحزب، مهما كان عريقا، مصرّا على متابعة مسيرته في المرحلة الجديدة التي دخلها البلد.
في كلّ الأحوال، كشفت تجربة المغرب أن هناك طريقة أخرى للتعاطي مع الإسلاميين بدل الدخول في مواجهة معهم. تقوم هذه الطريقة على خلق الأجواء الديموقراطية التي تسمح لهم بأن يكونوا شركاء في تحمّل المسؤولية من جهة وأن يتمكن الشعب من اختبار حقيقة الشعارات التي يطلقونها من جهة أخرى. في النهاية، عند الامتحان، يُكرم المرء أو يهان، كما يقول المثل الشعبي. هل يستطيع الإسلاميون أن يكونوا شيئا آخر غير حملة الشعارات الفضفاضة؟
أدت الانتخابات المغربية الغرض منها. حفظت السلم الأهلي في البلد أوّلا في منطقة تسودها الاضطرابات. هذا انجاز ضخم لمحمد السادس الذي عرف كيف يقود السفينة إلى شاطئ الأمن بعيدا عن كلّ أنواع المزايدات التي صدرت عن أطراف عدة لا تريد الخير للمملكة. كانت هذه الأطراف تريد صرف نظر العاهل المغربي عن الهموم الحقيقية للمغرب، والمتمثلة في السير في الإصلاحات إلى النهاية، وخوض الحرب على الفقر، وعلى كلّ ما له علاقة بالتخلف وما شابه ذلك.
ليس الملك وحده الذي خرج منتصرا. الديموقراطية خرجت منتصرة، أو على الأصحّ العملية الديموقراطية التي صارت جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية في المغرب. لم يعد مفرّ للأحزاب الساعية إلى أن يكون لها مستقبل من التعاطي مع هذا الواقع الجديد.
ثمة منتصر آخر هو الشعب المغربي الذي أقبل على صناديق الاقتراع مظهرا أنه يؤمن بالإصلاحات التي أقرّت. فنسبة المشاركة في الانتخابات جدّ معقولة على الرغم أنها كانت خمسة وأربعين في المئة تقريبا.
ما لا يمكن تجاهله ان الاقبال في انتخابات العام 2007 لم تتجاوز نسبته السبعة وثلاثين في المئة. هناك إذا تطور في اوساط المجتمع المغربي. يصب هذا التطور في اتجاه استيعاب أهمّية الإصلاحات الديموقراطية التي قادها محمد السادس كما يهمش الداعين الى مقاطعة الانتخابات مثل حركة «العشرين من فبراير» التي يحركها عمليا ومن بعد متطرفون ينتمون الى جماعة «العدل والإحسان». في النهاية، أثبت الشعب المغربي أنه شعب واع وناضج، وأنه قادر على التمييز بين من يريد الخير للبلد ومن يسعى إلى الإساءة إلى مؤسسة العرش. تظلّ مؤسسة العرش إلى اشعار آخر ضمانة للاستمرارية والرغبة في المحافظة على الاستقرار والتطور في اتجاه ربط المغرب بكل ما هو حضاري في العالم بعيدا عن أي نوع من العقد التي تتحكم بكثيرين...
ولكن يبقى سؤال في غاية الأهمية. ما الذي جعل «العدالة والتنمية» يحقق تقدما في الانتخابات ويحتل موقع الحزب الأوّل في البلد على حساب أحزاب عريقة لديها تاريخ قديم مثل «الاستقلال» على سبيل المثال وليس الحصر؟ الجواب أن الإسلاميين عرفوا كيف يعبئون صفوفهم باكرا. كانوا يعوون أن لا عودة عن الإصلاحات وأن المغرب دخل مرحلة جديدة، ولابدّ من اعتماد وسائل مختلفة تتلاءم وهذه المرحلة. تفادى «العدالة والتنمية» السجالات العقيمة مع الأحزاب الأخرى وانصرف إلى ترتيب أوضاعه الداخلية، والاستفادة إلى أبعد حدود من الإصلاحات. الأهمّ من ذلك كله، أنه اعتمد خطابا مؤيدا إلى حدّ كبير للإصلاحات التي يقودها الملك ومؤسسة العرش. وهذا ما جعله مقبولا في الأوساط الشعبية وليس حزبا انقلابيا كما فعل غيره من الذين وقفوا في الخفاء والعلن خلف الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات.
صارت الكرة الآن في ملعب الأحزاب المغربية. بات على هذه الأحزاب الاقتناع بأن طريق الإصلاحات في المغرب لا عودة عنه. باختصار شديد، دخلت المملكة مرحلة جديدة. تفادى المغرب السقوط في الحفر التي سقط فيها غيره. ليس عيبا اعتماد تجربته نموذجا في بلدان تتطلع إلى الانتماء إلى العالم المتحضر من دون خضّات كبيرة. تكفي المقارنة بين ما حصل في مصر وليبيا وسورية من جهة وما يشهده المغرب من جهة أخرى لاستيعاب أهمية ما شهدته المملكة حيث ملك متصالح مع شعبه أوّلا...
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن