ليس مهمّا أن يتحمّل العرب مسؤولياتهم أخيرا عن طريق اتخاذ موقف واضح وحازم في آن واحد من النظام السوري. مثل هذا التطوّر، على الرغم من أهميته لا يمكن أن يحسم الوضع في سورية نظرا إلى أن العنصر الأهمّ في المعادلة السورية يتمثل في وجود ثورة شعبية عارمة هي أمّ الثورات العربية العربية من المحيط إلى الخليج. ستغيّر هذه الثورة الشرق الأوسط والعالم العربي لسبب في غاية البساطة مردّه إلى أنه للمرة الأولى يثبت أحد الشعوب العربية أنه مستعد للذهاب في ثورته إلى النهاية بغض النظر عن موقف الجيش والمؤسسات الامنية. في النهاية من فرض على العرب تغيير موقفهم من الثورة في سورية هو الشعب السوري ولا أحد آخر غير هذا الشعب الذي واجه آلة القمع وقاومها بصدور عارية منذ ما يزيد على ثمانية أشهر.
تكمن أزمة النظام السوري، في جانب منها، في أنه لم يستوعب مدى عمق جذور الثورة التي يشهدها البلد ومدى اتساعها. استخف النظام بشعبه. اعتقد أن في استطاعته استعباد المواطن السوري «إلى الابد» ووضعه في خدمة عائلة قادرة على التحكم بمصير البلد وكل تفصيل فيه. رفض أهل النظام الاعتراف بأن السوريين ليسوا بالغباء الذي يتصوّرنه وأنهم مطلعون على ما يدور في العالم وفي لبنان القريب منهم وفي الأردن. ما لم يستوعبه النظام السوري أيضا أن المواطن في كل مدينة أو قرية سورية يعرف أن مستوى المعيشة في بلدين فقيرين مثل لبنان والأردن افضل بكثير من مستوى معيشة المواطن السوري في بلد يمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلّة. كانت النتيجة أن هذا المواطن السوري أبدع في كلّ مكان... باستثناء سورية.
كانت الثورة في مصر ثورة شعبية، كذلك الأمر في تونس. ولكن في الحالين المصرية والتونسية تدخّل الجيش في الوقت المناسب وانحاز إلى التغيير. لم يصمد كلّ من الرئيسين حسني مبارك وزين العابدين بن علي أكثر من شهر بسبب الجيش أولا. لم يستطع أي منهما اعطاء أوامر بالقمع. شعرا بثقل الدم الذي كان ممكنا أن يزهق. شعرا خصوصا أن هناك شيئا ما انتهى وأن لا مفرّ من الاستسلام أمام الإرادة الشعبية. اختارا السلامة الشخصية على المجازفة بالذهاب بعيدا في المواجهة مع شعبيهما.
لعبت الضغوط التي مارسها الجيش في كل من مصر وتونس دورا حاسما في «اقناع» حسني مبارك وزين العابدين بن علي بأنّ اللعبة انتهت وأنه آن أوان ذهاب الأول إلى السجن والثاني إلى المنفى السعودي. لكن الأمر في سورية يبدو مختلفا. هناك قناعة لدى الرئيس بشّار الأسد أن ليس في استطاعة الجيش الانحياز إلى الشعب نظرا إلى أن مصير كبار القادة العسكريين مرتبط بمصير النظام. قد يكون الرئيس السوري على حقّ لو لم يسئ تقدير حجم الثورة الشعبية ومدى اتساعها، ومدى استعداد السوريين بأكثريتهم الساحقة للتضحية والمقاومة من اجل استعادة كرامتهم المفقودة وحقهم في العيش في بلد طبيعي. يعرف السوريون أن الشعارات الطنانة من نوع «المقاومة» و«الممانعة» ليست سوى وسيلة لنهب ثروات البلد واستعباد أهله إلى ما لا نهاية.
يعرف السوريون، الذين فرضوا على العرب أخيرا اتخاذ موقف من النظام، أنهم وحيدون في خندق المواجهة والمقاومة وأن بلدهم تحول إلى مستعمرة إيرانية لا أكثر. حصل ذلك منذ اضطرار النظام إلى الانسحاب عسكريا من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. يعرف السوريون أيضا أن عليهم استعادة القرار السوري المستقل. وهذا يعني في طبيعة الحال أن تعود سورية دولة عربية وليست دولة تدور في الفلك الإيراني.
لعلّ أكثر ما يعرفه السوريون أن سياسة الهروب إلى امام ليست سياسة وأن من وقف مع النظام من بين الدول العربية، إنما يفعل ذلك امام بسبب النفوذ الإيراني، كما حال لبنان والعراق، وإمّا لأسباب خاصة جدا، تحتاج إلى مقال طويل، كما حال اليمن المهدد بالتفتيت وبحروب داخلية معروف كيف تبدأ وليس معروفا كيف يمكن أن تنتهي.
يعرف السوريون أخيرا أن النظام افلس. كيف يمكن لنظام أن يعيش «إلى الابد» عندما يعتمد على دعم نوعين من اللبنانيين. يعتمد على التابعين لإيران من جهة وعلى اسوأ أنواع اللبنانيين وأتفههم من جهة أخرى. بين من يتكل عليهم في لبنان شخص مثل النائب المسيحي ميشال عون الذي صرح علنا قبل بضعة أيام بـ «أن كلّ شيء في سورية سيكون انتهى في غضون اسبوعين». مرّت ثلاثة اسابيع ولم تتوقف الثورة. على العكس من ذلك تصاعدت وتيرتها في كلّ أنحاء سورية. يعتقد عون أن النظام السوري باق. هل من دليل افضل من هذا الدليل على أنه راحل وأنه بات من الماضي؟
مع مثل هذا النوع من الأصدقاء الذين يراهنون على خراب سورية ولبنان والمستعدين للانتقال من حضن صدّام حسين إلى حضن النظام الإيراني مرورا باستراحة في واشنطن طبعا، لا حاجة للنظام السوري إلى اعداء. النظام عدو نفسه لأنه عدو شعبه. كان الملك عبدالله الثاني، الذي يعرف الرئيس السوري جيّدا وقد حاول تقديم النصائح اليه باكرا، صادقا مع بشّار الأسد عندما دعاه إلى التنحي بطريقة لبقة. في النهاية «أنت مهزوم حتى لو انتصرت على شعبك بالقمع». تلك هي المعادلة التي عجز النظام السوري عن فهمها مثلما عجز عن تقدير ردود الفعل الشعبية على القمع وقدرة الشعب السوري على الصمود والتصدي. إذا كان من مقاومة حقيقية في المنطقة، فهي مقاومة الشعب السوري للنظام التي لا تشبهها سوى مقاومة الشعب اللبناني لثقافة الموت وكلّ من يمثلها في المنطقة بغض النظر عن الفكر المتطرف الذي ينتمي إليه!


خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن