| يوسف القعيد |
دعاني خالد يوسف لمشاهدة فيلمه الأخير «كف القمر» - في العرض الخاص الذي أقامه له في سينما ستارز القريبة من بيتي في مدينة نصر- وذكر قرب السينما مقصود..**. لأن العرض لو كان في سينما بعيدة ما كنت قد ذهبت، لأن الانتقال من حي إلى حي في القاهرة الآن مشكلة كبرى يحسب الإنسان لها ألف حساب، خصوصا أن العرض تم قبل عيد الأضحى بيومين. حيث يصل زحام القاهرة لمنتهاه.
وصلت قبل الموعد محاولا استعادة بهجة الذهاب للسينما... ومشاهدة الأفلام بالنسبة لي تعني السينما، وحتى عندما أشاهدها مضطرا على شاشة التلفزيون أشعر أن في الأمر شيئا غير طبيعي، لأن القاعات الكبيرة المظلمة وأنفاس الناس حولك وهمساتهم وردود أفعالهم، ثم هذه الشاشة الفضية الكبيرة تتحرك فوقها خيالات الممثلين تعطيك إحساسا إنسانيا لا يمكن أن تشعر به عندما تشاهد فيلما من خلال التلفزيون.
وجدت المكان مدججا بكاميرات الفضائيات الكثيرة... وهكذا حولنا العروض الخاصة لمناسبات احتفالية اجتماعية أكثر من كونها فرصة لمناقشة العمل مع صناعه والحديث عن مزاياه وعن عيوبه، باعتبار أن العرض الخاص يبقى مثل «البروفة الجنرال» في العروض المسرحية، لكن كل شيء تغير وتبدل في مصر وأصبحت الكرنفالية والاحتفالية أهم من المحتوى وأكثر حضورا من المضمون.
أم تعيش في الصعيد الجواني... لها خمسة من الأبناء... اكتشف زوجها كنزا فقُتِل، ولذلك عندما يكبر الأبناء يهاجرون ويتركونها بحثا عن فرص الحياة والرزق في القاهرة. نتابع خمس رحلات قام بها الأبناء الخمسة... واحد يبحث عن الغنى... والثاني يبحث عن الشهرة... والثالث يبحث عن الحب والمرأة وتكوين الأسرة، يتوهون في زحام المدينة بسكانها الكثيرين. وعند الذهاب من الصعيد الجواني للقاهرة والعودة منه. نرى رحلة قطار الصعيد. وكأنه يلعب دور الممهد للأحداث والمعقب عليها في الدراما الإغريقية القديمة. باستثناء رحلة الأشقاء الخمسة الأخيرة عند العودة لبلدهم. فإنهم يستخدمون سيارة أجرة كبيرة.
الحدث الذي يبدأ به الفيلم عندما تمرض الأم، ويتم بتر يدها وتدرك أن النهاية آتية لا ريب فيها. وتطلب من الشقيق الأكبر الذي «لعب دوره الفنان خالد صالح» أن يجمع أشقاءه الخمسة. وأن يأتي إليها بهم لكي تراهم وتأتنس بوجودهم قبل أن تموت.
يبدأ الأخ الأكبر رحلة البحث عن الأشقاء الخمسة، ويحاول أن يحضرهم سواء برغبتهم أو بالقوة لكي تراهم أمهم قبل الوفاة... كان الشقيق الأكبر مشغولا بفكرة الثأر لوالده. وقد نجح نجاحا يتناقض مع كونه إنسانا عاديا، ربما لم يتعلم. وبالتالي فإن إدراكه يكون أقل بكثير مما رأيناه. لقد خطط للثأر بذكاء وإدراك لا يتناسبان مع كونه صعيديا... لم نعرف خلال الفيلم إن كان يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرفهما.
الابن الأكبر يعامل أشقاءه الخمسة الأصغر منه بدكتاتورية مفرطة... وهذه الدكتاتورية تقول لك فورا إننا أمام عمل رمزي، ويحاول أن يقدم عددا من الرموز على المشاهد أن يحلها. عندما سمعت تعبير الأخ الأكبر تذكرت على الفور رواية جورج أورويل الشهيرة: 1984. في هذه الرواية فإن القائد الدكتاتور. والرئيس الدكتاتور يتم وصفه. بالأخ الأكبر. ولا يمنحه الكاتب أي صفة سوى كونه الأخ الأكبر.
يبدأ الأخ الأكبر رحلة البحث عن أشقائه الخمسة... ما إن يعثر على أحدهم حتى يتوه منه قبل أن يعثر على الشقيق الآخر. والفيلم كله أقرب إلى فلاش باك كبير، على الرغم من أن ألوان الشاشة لا تتغير ولا تتبدل عند الانتقال من الحاضر إلى الماضي.
تستهويك لعبة الرموز... تسأل نفسك وأنت تشاهد هذا العمل الطويل المليء بأحداث كثيرة جدا ومتفرعة... تتوه بينها، هل يقصد كاتب السيناريو ناصر عبد المنعم الذي شاركه الكتابة المخرج خالد يوسف، أن يقولا لنا إن هذه الأم واسمها قمر هي مصر، وأن الأبناء الخمسة هم طوائف المجتمع المصري الآن. من التاجر الشاطر إلى آخذ الثأر إلى الملتحي. وأن يقولا لنا أيضا إن البيت المتهالك القديم الذي تركه والدهم وتعيش فيه أمهم بمفردها هو الواقع المصري الذي نعيشه الآن. ولهذا كان هناك حرص من صناع الفيلم على أن تأتي النهاية عندما يشكلون طابورا طويلا يحمل الطوب لإعادة بناء البيت بعد عودتهم من جنازة أمهم. فقد وصلوا إليها ولكن بعد وفاتها.
الرموز مشكلة في الأدب... وقد تكون مشكلة أكبر في السينما، لأن جمهور السينما ربما لم يكن مستعدا لكي يفك رمزا هنا ورمزا هناك، ولذلك تحدث المخرج عند عرض الفيلم في مهرجان الإسكندرية السينمائي. وقال: إن من شاهدوا الفيلم قالوا إن الأم هي مصر. في محاولة منه لدفع الجمهور لكي يفكر ولكي يضع يده على ما يريد أن يقوله.
الحوار في العمل يوشك أن يكون ميزة وعيبا. فهو قطعة من الأدب الرفيع. عبارات جميلة وجمل يمكن أن تقرأها في كتاب فتعجبك. لكنها لا تتناسب مع مستوى من ينطقون بها. فهم خمسة من شباب الصعيد أتوا إلى القاهرة وعاشوا فيها. وبالتالي من الصعب أن يتناولوا الأفكار التي طرحوها خلال هذا الكلام.
أيضا عند وصولهم للقاهرة للمرة الاولى لم تبد عليهم الدهشة ولا الاستغراب... ولا التخوف ولا التردد الذي يعيشهما الصعيدي، عندما ينزل لمصر أم الدنيا بحثا عن فرصة عمل. إنه يستغرق فترة زمنية طويلة قبل أن يأخذ على المكان ويولّف معه ويصبح جزءا منه، لكن هؤلاء الشباب تعاملوا مع القاهرة كما لو كانوا يعرفونها... لأنهم نظروا إليها بأعينهم الشخصية أكثر من نظرهم إليها باعتبارهم الأبطال الذين يمثلون حكاياتهم وحواديتهم.
أعجبني أداء خالد صالح في دور الشقيق الأكبر، كان يدرك أنه يرسل لنا صورة الدكتاتور، بالرغم من جميع التصريحات التي قيلت إن الفيلم لا علاقة له بثورة الخامس والعشرين من يناير، وأيضا فإن وفاء عامر قدمت دورا من أجمل وأهم أدوار عمرها... عندما قبلت أن تلعب دور أم هذا العدد الكبير من الرجال، وبعضهم ربما كانوا في مثل سنها أو أكبر منها، أنا لا أعرف الأعمار بدقة... ولكن يخيل إليّ أن خالد صالح ربما يتفوق عليها في العمر.
عن نفسي أعجبني الفيلم. ولكن هل ينتقل الإعجاب للمشاهد العادي الذي يذهب إلى السينما ليضحك وينسى هموم الواقع؟
دعاني خالد يوسف لمشاهدة فيلمه الأخير «كف القمر» - في العرض الخاص الذي أقامه له في سينما ستارز القريبة من بيتي في مدينة نصر- وذكر قرب السينما مقصود..**. لأن العرض لو كان في سينما بعيدة ما كنت قد ذهبت، لأن الانتقال من حي إلى حي في القاهرة الآن مشكلة كبرى يحسب الإنسان لها ألف حساب، خصوصا أن العرض تم قبل عيد الأضحى بيومين. حيث يصل زحام القاهرة لمنتهاه.
وصلت قبل الموعد محاولا استعادة بهجة الذهاب للسينما... ومشاهدة الأفلام بالنسبة لي تعني السينما، وحتى عندما أشاهدها مضطرا على شاشة التلفزيون أشعر أن في الأمر شيئا غير طبيعي، لأن القاعات الكبيرة المظلمة وأنفاس الناس حولك وهمساتهم وردود أفعالهم، ثم هذه الشاشة الفضية الكبيرة تتحرك فوقها خيالات الممثلين تعطيك إحساسا إنسانيا لا يمكن أن تشعر به عندما تشاهد فيلما من خلال التلفزيون.
وجدت المكان مدججا بكاميرات الفضائيات الكثيرة... وهكذا حولنا العروض الخاصة لمناسبات احتفالية اجتماعية أكثر من كونها فرصة لمناقشة العمل مع صناعه والحديث عن مزاياه وعن عيوبه، باعتبار أن العرض الخاص يبقى مثل «البروفة الجنرال» في العروض المسرحية، لكن كل شيء تغير وتبدل في مصر وأصبحت الكرنفالية والاحتفالية أهم من المحتوى وأكثر حضورا من المضمون.
أم تعيش في الصعيد الجواني... لها خمسة من الأبناء... اكتشف زوجها كنزا فقُتِل، ولذلك عندما يكبر الأبناء يهاجرون ويتركونها بحثا عن فرص الحياة والرزق في القاهرة. نتابع خمس رحلات قام بها الأبناء الخمسة... واحد يبحث عن الغنى... والثاني يبحث عن الشهرة... والثالث يبحث عن الحب والمرأة وتكوين الأسرة، يتوهون في زحام المدينة بسكانها الكثيرين. وعند الذهاب من الصعيد الجواني للقاهرة والعودة منه. نرى رحلة قطار الصعيد. وكأنه يلعب دور الممهد للأحداث والمعقب عليها في الدراما الإغريقية القديمة. باستثناء رحلة الأشقاء الخمسة الأخيرة عند العودة لبلدهم. فإنهم يستخدمون سيارة أجرة كبيرة.
الحدث الذي يبدأ به الفيلم عندما تمرض الأم، ويتم بتر يدها وتدرك أن النهاية آتية لا ريب فيها. وتطلب من الشقيق الأكبر الذي «لعب دوره الفنان خالد صالح» أن يجمع أشقاءه الخمسة. وأن يأتي إليها بهم لكي تراهم وتأتنس بوجودهم قبل أن تموت.
يبدأ الأخ الأكبر رحلة البحث عن الأشقاء الخمسة، ويحاول أن يحضرهم سواء برغبتهم أو بالقوة لكي تراهم أمهم قبل الوفاة... كان الشقيق الأكبر مشغولا بفكرة الثأر لوالده. وقد نجح نجاحا يتناقض مع كونه إنسانا عاديا، ربما لم يتعلم. وبالتالي فإن إدراكه يكون أقل بكثير مما رأيناه. لقد خطط للثأر بذكاء وإدراك لا يتناسبان مع كونه صعيديا... لم نعرف خلال الفيلم إن كان يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرفهما.
الابن الأكبر يعامل أشقاءه الخمسة الأصغر منه بدكتاتورية مفرطة... وهذه الدكتاتورية تقول لك فورا إننا أمام عمل رمزي، ويحاول أن يقدم عددا من الرموز على المشاهد أن يحلها. عندما سمعت تعبير الأخ الأكبر تذكرت على الفور رواية جورج أورويل الشهيرة: 1984. في هذه الرواية فإن القائد الدكتاتور. والرئيس الدكتاتور يتم وصفه. بالأخ الأكبر. ولا يمنحه الكاتب أي صفة سوى كونه الأخ الأكبر.
يبدأ الأخ الأكبر رحلة البحث عن أشقائه الخمسة... ما إن يعثر على أحدهم حتى يتوه منه قبل أن يعثر على الشقيق الآخر. والفيلم كله أقرب إلى فلاش باك كبير، على الرغم من أن ألوان الشاشة لا تتغير ولا تتبدل عند الانتقال من الحاضر إلى الماضي.
تستهويك لعبة الرموز... تسأل نفسك وأنت تشاهد هذا العمل الطويل المليء بأحداث كثيرة جدا ومتفرعة... تتوه بينها، هل يقصد كاتب السيناريو ناصر عبد المنعم الذي شاركه الكتابة المخرج خالد يوسف، أن يقولا لنا إن هذه الأم واسمها قمر هي مصر، وأن الأبناء الخمسة هم طوائف المجتمع المصري الآن. من التاجر الشاطر إلى آخذ الثأر إلى الملتحي. وأن يقولا لنا أيضا إن البيت المتهالك القديم الذي تركه والدهم وتعيش فيه أمهم بمفردها هو الواقع المصري الذي نعيشه الآن. ولهذا كان هناك حرص من صناع الفيلم على أن تأتي النهاية عندما يشكلون طابورا طويلا يحمل الطوب لإعادة بناء البيت بعد عودتهم من جنازة أمهم. فقد وصلوا إليها ولكن بعد وفاتها.
الرموز مشكلة في الأدب... وقد تكون مشكلة أكبر في السينما، لأن جمهور السينما ربما لم يكن مستعدا لكي يفك رمزا هنا ورمزا هناك، ولذلك تحدث المخرج عند عرض الفيلم في مهرجان الإسكندرية السينمائي. وقال: إن من شاهدوا الفيلم قالوا إن الأم هي مصر. في محاولة منه لدفع الجمهور لكي يفكر ولكي يضع يده على ما يريد أن يقوله.
الحوار في العمل يوشك أن يكون ميزة وعيبا. فهو قطعة من الأدب الرفيع. عبارات جميلة وجمل يمكن أن تقرأها في كتاب فتعجبك. لكنها لا تتناسب مع مستوى من ينطقون بها. فهم خمسة من شباب الصعيد أتوا إلى القاهرة وعاشوا فيها. وبالتالي من الصعب أن يتناولوا الأفكار التي طرحوها خلال هذا الكلام.
أيضا عند وصولهم للقاهرة للمرة الاولى لم تبد عليهم الدهشة ولا الاستغراب... ولا التخوف ولا التردد الذي يعيشهما الصعيدي، عندما ينزل لمصر أم الدنيا بحثا عن فرصة عمل. إنه يستغرق فترة زمنية طويلة قبل أن يأخذ على المكان ويولّف معه ويصبح جزءا منه، لكن هؤلاء الشباب تعاملوا مع القاهرة كما لو كانوا يعرفونها... لأنهم نظروا إليها بأعينهم الشخصية أكثر من نظرهم إليها باعتبارهم الأبطال الذين يمثلون حكاياتهم وحواديتهم.
أعجبني أداء خالد صالح في دور الشقيق الأكبر، كان يدرك أنه يرسل لنا صورة الدكتاتور، بالرغم من جميع التصريحات التي قيلت إن الفيلم لا علاقة له بثورة الخامس والعشرين من يناير، وأيضا فإن وفاء عامر قدمت دورا من أجمل وأهم أدوار عمرها... عندما قبلت أن تلعب دور أم هذا العدد الكبير من الرجال، وبعضهم ربما كانوا في مثل سنها أو أكبر منها، أنا لا أعرف الأعمار بدقة... ولكن يخيل إليّ أن خالد صالح ربما يتفوق عليها في العمر.
عن نفسي أعجبني الفيلم. ولكن هل ينتقل الإعجاب للمشاهد العادي الذي يذهب إلى السينما ليضحك وينسى هموم الواقع؟