| كتب عبدالله متولي |
بدأ حجاج بيت الله الحرام في العودة إلى أوطانهم وأهاليهم بعد ان لبوا نداء الله وادوا مناسك الحج ووقفوا على جبل عرفات، وتطوفوا بالبيت العتيق، وسعوا بين الصفا والمروة، ورموا الجمرات ونحروا الهدي، وزاروا المشاعر المقدسة وامتثلوا لأمر الله تعالى، وصبروا على الطاعة، وتحملوا المشاق في سبيل اتمام الركن الخامس من اركان الاسلام... هذا الدين السمح الحنيف الذي يرتكز على جملة من العبادات والطاعات شرعها الله تعالى لحكم عظيمة وغايات جليلة تقوي الايمان، وتزكي النفوس، وتقوّم السلوك، وتهذب الاخلاق، وما لم تكن هذه العبادات وتلك الطاعات طريقا لتحقيق هذه الغايات، فلن يستفيد منها المسلم الافادة المرجوة، بل ربما تحولت العبادة الى مظاهر يؤديها الانسان دون ان يكون لها اثر على واقعه وسلوكه.
وعبادة الحج لا تخرج عن هذ الاطار، فاذا قام بها المؤمن خير قيام، وادرك مقاصدها، واستشعر معانيها كان لها اعظم الاثر في حياته وبعد مماته.
واذا كان الامر كذلك، فإنه على الحاج الذي اكرمه الله بزيارة بيته، ووفقه لاداء فريضته، ان يقف مع نفسه وقفات، يتأمل حاله، ويراجع قلبه، ويصحح مساره.
ان اول ما يجب على الحاج ادراكه هو عظم نعم الله تعالى عليه، بأن وفقه لاداء هذه الفريضة العظيمة ما يستوجب شكر الله جل وعلا على هذه النعمة واذا اراد الانسان إدراك عظم النعمة التي انعم الله عليه بها، فليستشعر حال من حرمهم الله منها وهم يهفون اليها ويتحرقون شوقا لزيارة بيت الله الحرام والطواف به.
وهنا يدرك ايضا ان شكر هذه النعمة هو حفظها من الضياع، وملازمة طاعة الله والاستقامة على دينه وشرعه.
وليعلم الحاج ان اهم القضايا التي ينبغي ان يحرص عليها بعد حجه هي قضية الثبات، والمحافظة على هذا العمل من المحبطات والآفات، وان يسأل الله في كل حال ان يحفظ عليه دينه، وان يوفقه لطاعته، ويجنبه معصيته، ليكون مع: «الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا» (النساء: 69).

وقد ضرب الله عز وجل الامثال للناس على هذه القضية، محذرا عباده من ان يبطلوا اعمالهم، ويمحقوا طاعتهم، فلا يجدونها في وقت هم اشد ما يكونون في حاجة اليها وذلك في قوله جل وعلا: (ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب تجري من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها اعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (البقرة 266)، وهو مثل ضربه الله جل وعلا لمن حسن عمله، ثم انقلب على عقبه بعد ذلك، وبدل الحسنات بالسيئات عياذا بالله من ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: «ضربت لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى اغرق اعماله» رواه البخاري.
ثم تذكر - اخي الحاج - ان للحج المبرور علامات، ومن اظهر هذه العلامات دوام الاستقامة على طاعة الله بعد اداء النسك، وان يكون حالك مع الله بعده افضل مما كنت عليه قبله، وقد قيل للحسن البصري: الحج المبرور جزاؤه الجنة، قال: «آية ذلك ان يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الاخرة».
وظني بك - اخي الحاج - وقد انهيت حجك انك قد ادركت ان من اهم حكم الحج ومقاصده تربية المسلم على عبودية الله وحده، والتزام اوامره واجتناب نواهيه، واتباع سنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذه الامور لا تتحدد بموسم او شهر او عام بل يستصحبها المسلم طيلة عمره ومدة حياته، ما دام فيه قلب ينبض ونفس يتردد (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (الحجر 99).
وليكن حالك بعد العمل كحال الذين وصفهم الله جل وعلا بقوله: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون) (المؤمنون 60)، فهم وان كانوا يتقربون الى الله بصنوف العبادات والوان القربات، الا انهم مع ذلك خائفون وجلون ان ترد عليهم اعماله، كان علي رضي الله عنه يقول: «كونوا لقبول العمل اشد اهتماما منكم بالعمل ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين) (المائدة 27).
ومن اجل ذلك امر الله حجاج بيته بأن يستغفروه عقب افاضتهم من عرفة ومزدلفة، بعد ان وقفوا في اجل المواقف واعظمها فقال: (ثم افيضوا من حيث افاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم) (البقرة 199).
واخيرا - اخي الحاج -: يامن وقفت بعرفات، وسكبت العبرات، واظهرت الندم على ما فات، يامن اعتقه مولاه من النار، اياك ان تعود الى ربقة الاوزار بعد ان تاب الله عليك منها، اياك ان تقترب من النار بعد ان اعتقك الله منها.
اعقد النية وجدد العزم واحرص على ان يكون حجك نقطة تحول في حياتك، وحاسب نفسك، وانظر ما هي اثار الحج على قلبك وسلوكك واقوالك وافعالك، داوم على العمل الصالح ولو كان قليلا، فان القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، واعلم ان احب الاعمال الى الله ادومها وان قل، وافتح صفحة جديدة من حياتك مع مولاك.
نسأل الله بأسمائه وصفاته ان يجعل حجك مبرورا، وذنبك مغفورا، وسعيك مشكورا، وان يتقبل منا ومنك صالح الاعمال، ويرزقنا الثبات والاستقامة حتى الممات.
هذه مجموعة من النصائح والارشادات نبَّه اليها سلفنا الصالح وأهل العلم وهي للمسلم بشكل عام وللحاج بعد رجوعه من حجه بشكل خاص، نعرض لبعض منها لنستفيد منها جميعها وخصوصا اخواننا الذين اكرمهم الله وانعم عليهم بأداء مناسك الحج هذا العام، ومن هذه النصائح وتلك الارشادات ما يلي:
> دوامك على الطاعة هو مفتاح الفلاح، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي العمل احب الى الله؟) قال: «ادومه وان قل» رواه مسلم، فالمداومة على الطاعة من علامات الصلاح، فلا تكن من الذين لا يقبلون على الطاعات إلا في مواسم معينة، فإذا قضيت عادوا الى ما كانوا عليه، وهذه ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عندما سئلت كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «كان عمله ديمة» رواه البخاري.
> اصبر على الطاعة واصبر ايضا عن المعصية، قال ميمون بن مهران «الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن وافضل منه الصبر عن المعصية».
ولا تكن من اولئك الذين قال فيهم الامام ابن القيم: (فاللئام اصبر الناس في طاعة اهوائهم وشهواتهم واقل الناس صبرا في طاعة ربهم، فيصبر على البذل في طاعة الشيطان اتم الصبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في ايسر شيء ويصبر على تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على ادنى المشاق في مرضاة ربه).
فهو اصبر شيء على البذل في طاعة الشيطان ومراد النفس واعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله وهذا اعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريما عند الله ولا يقوم مع اهل الكرم اذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الاشهاد ليعلم اهل الجمع من اولى بالكرم اليوم اين المتقون.
ان عاقبة الصابرين هي الجنة (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم واقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة اولئك لهم عقبى الدار) (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ابائهم وازواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) الرعد: 22 - 24.
وفي قوله تعالى: (سلام عليكم بما صبرتم) قال الفضيل بن عياض: (صبروا على ما امروا به وصبروا عما نهوا عنه).
> لا تعط النفس مناها من الراحة والكسل حتى لا يتمكن منها الشيطان ويجد اليها سبيلا، قال الحسن البصري: (اذا نظر اليك الشيطان فرآك مداوما في طاعة الله فبغاك وبغاك فرآك مداوما ملَّك ورفضك واذا كنت مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك).
فواصل مشوارك قبل ان يدخل الفتور والكسل الى نفسك ويتمكن منك الشيطان ويذهب حجك ادراج الرياح.
فجاهد نفسك ولا تضعف كما جاهدتها ايام كنت في الاراضي المقدسة، قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين) العنكبوت: 69.
> لا يفوتك ان تكثر من الدعاء لله تعالى ان يعينك على الثبات في الطاعات فأكثر من الابتهال والتوجه الى الله، ان يسدد خطواتك وان تسلك سبيل دينه الحق وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال ربه ان يثبته على دينه، فقد سئلت ام سلمة رضي الله عنها عن اكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان اكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» رواه احمد والترمذي.
وفي رواية اخرى، كان صلى الله عليه وسلم يقول: «يامثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك» رواه ابن ماجه.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه ان يثبته على دينه، وقد رأى من آيات ربه ما يكفي في ان يثبت قلبه على دين الله تعالى، فكيف بنا نحن؟! في زمان كثرت فيه الفتن واسباب الانحراف، في زمان لا تجد فيه اعوانا على الحق، بل اذا رأوا منك التزاما بالدين سخروا منك واسمعوك كل قبيح، ولكن المؤمن على ميعاد من ربه فلا يلتفت الى ذلك، فلابد ان تكثر دعاء الله ان يثبتك على دينه، وليكن دعاؤك بقلب مخلص، عرف لذة الطاعات واستأنس بالقربات ولا تدع دعاء غافل لا يدرك ما يقول، فإنك تحتاج الى الثبات على طاعة الله تعالى، حتى تقطف ثمار حجك وتذوق بركته.
> اياك والغرور، ولا تكن من الذين اذا عملوا القليل من الطاعات، رأوا انفسهم كأنهم افضل اهل الارض، ولكن انظر الى نفسك دائما بعين التقصير، فإنك مهما عملت فلن تؤدي شكر الله تعالى في اقل نعمة عليك، وتمثل حال الصالحين في تواضعهم، فهذا ابو بكر الصديق رضي الله عنه بعد توليه الخلافة خطب خطبته المشهورة والتي جاء فيها قوله: (ايها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم».
قال الحسن البصري: (بلى والله انه لخيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه) ويحكي محمد بن عطاء قال: (كنت جالسا مع ابي بكر فرأى طائرا فقال: (طوبى لك ياطائر تأكل في هذا الشجر ثم تبعر ثم لا تكون شيئا وليس عليك حساب، وددت اني مكانك)، فقلت له: اتقول هذا وانت صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟).
وهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: (لو نادى مناد يوم القيامة، ايها الناس ادخلوا الجنة إلا واحدا لظننت اني ذلك الواحد).
> كان الحسن البصري يقول: (المبادرة المبادرة فإنما هي الانفاس لو قد حسبت انقطعت عنكم اعمالكم التي تقربون بها الى الله عز وجل رحم الله امرءا نظر لنفسه وبكى على ذنوبه ثم قرأ هذه الاية (انما نعد لهم عدا) ثم يبكي ويقول: اخي العدد: خروج نفسك، آخر العدد فراق اهلك آخر العدد، دخولك في قبرك).
وهذا عمر بن عبدالعزيز يقول: (نغص هذا الموت على اهل الدنيا ما هم فيه من غضارة الدنيا وزينتها، فبينما هم فيها كذلك وعلى ذلك اتاهم حياض الموت فاخترمهم فالويل والحسرة هنالك لمن لم يحذر الموت ويذكره في الرخاء فيقدم لنفسه خيرا يجده بعدما فارق الدنيا واهلها)، ثم غلبه البكاء فقام.