حسنا فعل النظام السوري باعتماده طريقة معيّنة لتوجيه دعوة إلى لبنان لحضور القمة العربية المقبلة في دمشق. كشفت الطريقة غير اللائقة التي لجأ إليها النظام أنه لا يتعاطى مع لبنان سوى بصفة كونه محافظة سورية لا اكثر. كشفت النيات الحقيقية للنظام السوري تجاه لبنان. هذا ما يفترض أن يأخذ العرب علماً به. هناك دولة عربية تريد أن تلغي دولة عربية أخرى لا أكثر. من يوافق على الطريقة التي تمت بها الدعوة إنما يقبل بأن يكون لبنان محافظة سورية. إنه اعتداء مكشوف على سيادة لبنان. هذا يفرض على القمة، في حال انعقادها، البحث في أمور أساسية على رأسها العلاقات اللبنانية السورية. هل هي علاقة بين دولتين مستقلتين أم بين المركز الذي اسمه دمشق من جهة والأقاليم والمحافظات من بينها محافظة لبنان من جهة أخرى؟قبل كل شيء، جاءت الدعوة فيما كان رئيس مجلس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة على رأس وفد لبنان إلى القمة الإسلامية في داكار عاصمة السنغال. تسلل معاون وزير الخارجية السورية إلى بيروت وسلّم وزير الخارجية المستقيل فوزي صلوخ دعوة موجّهة من «رئيس الحكومة السورية» إلى «رئيس الحكومة اللبنانية» لحضور القمة. بدا الموضوع كله كأنه عملية تهريب بتهريب. تهريب دعوة عبر الحدود إلى من لا يفترض به تسلم الدعوة في غياب المرجع المعني بها. من قال إن الوزير المستقيل صلّوخ على علاقة بقريب أو بعيد بالتهريب هو الذي أمضى كل حياته المهنية كديبلوماسي محترف مشهود له بخبرته الواسعة سفيراً للبنان متنقلاً بين الدول الأفريقية. وكانت معظم زياراته للخارج بين العواصم الأفريقية التي كان معتمداً فيها بصفته الديبلوماسية ومدن بلجيكية لا تمت بصلة لتجارة الماس أو ما شابه ذلك؟أبعد من الشكليات المرتبطة بالدعوة وشكلها، وكأن المطلوب من لبنان أن يرفضها سلفاً، من أجل أن يظهر النظام السوري في مظهر من أتم واجباته الدينية والدنيوية متبعاً الأصول التي يعتقد أنها ترضي العرب الآخرين، هناك مشكلة من نوع آخر. تتمثل المشكلة في المطروحة في التعاطي مع «اتفاق الطائف». بموجب «اتفاق الطائف» ودستور «اتفاق الطائف» المعمول به في لبنان، يتولى مجلس الوزراء مجتمعاً صلاحيات السلطة التنفيذية بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية في غياب الرئيس. الرئيس مغيّب حالياً بفضل الجهود السورية والضغوط التي تمارس على رئيس مجلس النواب الذي أغلق أبواب البرلمان وقرر أن يكون لاجئاً سياسياً لدى «حزب الله» بدل ممارسة صلاحياته التي خوّلها له الدستور المعمول به. هل يريد النظام السوري عبر توجيه دعوة بريئة جداً إلى القمة من رئيس الحكومة السورية إلى رئيس الحكومة اللبنانية تأكيد رفضه لـ«اتفاق الطائف»، وأن هذا الاتفاق لم يعد قائماً منذ اضطراره إلى الانسحاب عسكرياً من لبنان تحت ضغط الشارع اللبناني والشارع السنّي تحديداً؟ هل يقبل العرب هذا التحدي، هم الذين يدركون أن «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب في لبنان في العام 1989 كان اتفاقاً يحظى بغطاء عربي أولاً وغطاء دولي ثانياً؟تطرح الطريقة التي وجهت بها دمشق الدعوة إلى لبنان لحضور القمة إشكالات عدة في مقدمها رفض الاعتراف بـ«اتفاق الطائف» وما يترتب عليه لبنانياً. هل رضي النظام السوري بـ«اتفاق الطائف» بعدما تولى الانقلاب عليه إثر اغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوّض في العام 1989، وعاد ليرفضه الآن نتيجة خروجه العسكري من لبنان؟ هل صار «اتفاق الطائف» من الماضي نظراً إلى أنه لم يعد ينفذ على الطريقة السورية؟ إن مؤسسة مجلس الوزراء في صلب «اتفاق الطائف». كل ما فعله النظام السوري أنه أراد توجيه رسالة فحواها أنه لا يعترف بهذه المؤسسة، وأن النظام في لبنان بالنسبة إليه مجرد نظام رئاسي على الطريقة السورية. ولذلك يتساوى رجل دولة اسمه فؤاد السنيورة مع مجرد موظف سوري اسمه «المهندس الدكتور» ناجي العطري يمتلك لقب رئيس الوزراء، لكنه لا يتجرأ حتى على التحدث إلى مسؤول صغير في أي جهاز أمني...من واجب القيادات اللبنانية الفاعلة دراسة موضوع الدعوة بكثير من الهدوء وعدم الانجرار إلى ردود الفعل السريعة. هناك بكل وضوح رغبة إيرانية - سورية في استمرار الفراغ في لبنان. مجلس الوزراء والجيش وقوى الأمن هي آخر المؤسسات اللبنانية الصامدة بعد تعطيل مجلس النواب ورئاسة الجمهورية. يبدو هم النظام السوري كله وأولياء نعمته في طهران منصباً على تدمير موقع رئيس مجلس الوزراء ومؤسسة مجلس الوزراء عموماً. في كل يوم تجري محاولة للنيل من مؤسسة الجيش. لم يكن اغتيال مدير العمليات في الجيش اللواء فرنسوا الحاج سوى حلقة في سلسلة مترابطة لا هدف لها سوى ضرب المؤسسة العسكرية. لم تكن أحداث مار مخايل، حين استفزت عناصر «حزب الله» الجيش ودفعته إلى إطلاق النار على مواطنين لبنانيين سوى محاولة أخرى للنيل من المؤسسة العسكرية التي واجهت الإرهاب السوري في مخيم نهر البارد. لم يكن اغتيال الرائد وسام عيد من قوى الأمن الداخلي سوى محاولة أخرى لبث الرعب داخل المؤسسة الفاعلة التي تعمل من دون كلل على كشف من يقف وراء الجرائم والتفجيرات التي استهدفت لبنان واللبنانيين منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في أواخر أكتوبر 2004 وصولاً إلى اغتيال وسام عيد مروراً بتفجير موكب الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005.باختصار شديد. الدعوة السورية إلى القمة ذات طابع استفزازي. من هذا المنطلق على مجلس الوزراء اعتماد أقصى درجات الحذر والتروي، فيما على العرب دعم لبنان والتخلي عن أي نوع من الميوعة في موقفهم من طريقة التعاطي السورية مع دولة كانت من مؤسسي جامعة الدول العربية. في كل الأحوال، لم تنطل المناورة السورية على أحد ولا يمكن أن تنطلي على أحد. لبنان ليس محافظة سورية. لبنان لديه مقومات لأن يكون دولة مستقلة حرة وسيدة ومستقلة أكثر بكثير من دول عدة في محيطه. ما يمسه يمس غيره. من يريد أن يمسه لا يخدم سوى مشروع إسرائيل الهادف إلى شرذمة المنطقة. هل هذا هدف النظام السوري في نهاية المطاف ومن خلفه النظام الإيراني الساعي إلى فرض هيمنته على المنطقة على حساب كل ما هو عربي فيها؟

خيرالله خيراللهكاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن