حين قال جاليليو ان الأرض كروية وليست مسطحة وانها تدور حول الشمس وليس العكس وقف رجال الدين في وجهه واعتبروا كلامه كفراً وحاكموه باسم الدين، ثم ليكتشف ليس رجال الدين وحدهم بل العالم بأسره بعد ذلك أن الأرض كروية بل (إهليلجية) وأنها تدور حول الشمس وحول نفسها أيضاً وليست ثابتة كما كان يعتقد رجالُ الدين، نعم انكشف بذلك التعصب الديني أمام العقل، وتحرر الدين ممن احتكروا فهمَه وأغلقوا باب الاجتهاد فيه، وحين يكرر التاريخ نفسه نرى وللأسف كثيراً من العرب يُصوِّرون بسلوكهم ومواقفهم أسوأ ما في الماضي! لقد كان العرب على جاهليتهم قبل الإسلام أفضل مروءة ونخوة من اليوم، بل كانوا أكثر وعياً تجاه ما يُحاك ضد أُمَّتهم، وأعلى هِمَّةً في التصدي للمخاطر التي تهدد وجودهم، لقد رُفعَ الستار لِيبدأَ العربُ فصلاً من فصول الانحدار في مواقفهم بل في انخراطهم في منظومة الطامعين في بلادهم! إن هذا الانحدار المؤسف مُكَوِّناتُه هجينة وأساليبُه رديئة اتَّضحتْ في مواقف بعض العرب تجاه بعضهم! وبرروا ذلك من خلال الدين فهدروا الدماء بدعوى الإصلاح، وأشاعوا الفوضى بذريعة التغيير، وقاد ذلك العُنفوانَ أشخاصٌ لوَّنوا كلامهَم بألوان برّاقة باسم الحرية، وعزفوا على وتر العواطف والدماء، وختموا جهودَهم بتضليلٍ تدعمُه وسائلُ إعلام خرجتْ عن مهنيَّتها! لقد استُنفرَ كلُّ جهد ديني لإثارة ما أطلقوا عليه (ثورات عربية)، لم نسمع علماء الأمة تحمَّسوا ضد إسرائيل حين ضربت جنوب لبنان وغزة! لم نرهم متحمسين للتحريض والإفتاء كما رأيناهم اليوم ضد الحكّام؟! لم نسمع الشيخ القرضاوي يقول لإسرائيل في خطبة الجمعة يوم قُصفت غزة: ارحلوا عنا وعن بلادنا، كما وجَّهها للنظام في سورية! إن الهدف المقبل في المنطقة هو تشكيلها على صورة دول دينية: ومن أجل قبول إسرائيل كياناً دينياً في المنطقة لابد أن يكون لها أقران لِتُقبلَ بيننا وعالمياً، إن السعي الدولي الآن أن يكون السودان جنوبه دولة دينية وفي الخرطوم كيان سوداني ديني، والسعي حثيث لتوسيع الشرخ بين المسلمين والأقباط في مصر لإنشاء كيان مسلم وآخر قبطي أُسوة بالسودان، وطبعاً إيران دولتها الدينية جاهزة، ومكة والمدينة والحجاز بالتأكيد مَنْ يحكمها ستكون دولته دينية، والعراق سبق الجميع إلى الطائفية، والدعم الديني لتأجيج الوضع في سورية واضح كذلك، والذين ركضوا تحت طيران النيتو في ليبيا وبتغطية عربية هم أيضاً أهل الدين، حين تصبح الدول دينية حول إسرائيل سيكون وجودُها الديني مُبرراً، ولن تخاف إسرائيل من الدول الدينية، لأنها تعرف تماماً أن أهل الدين والمسلمين الذين سيحررون فلسطين يوماً ما هم ليسوا هؤلاء المسلمين اليوم الذين برروا الوسيلة الرديئة ولو لغاية يقنعون أنفسَهم أنها نبيلة! وأهل الدين من العرب الذين انساقوا في هذا الجانب لم يعوا اللعبة حتى الآن أو يتجاهلون الأمر ظنّاً منهم أنهم سيهنأون إن وصلوا إلى الْحُكم؛ إنَّ الذين يُمهِّدون الطريق لمن تشدَّد من أهل الدين واختار طريق العنف تحت مسمى الثورة والجهاد والخروج على الأنظمة بالدماء والأشلاء ستنقلب الأمور عليهم ومَنْ أعان ظالماً سُلِّط عليه، إنما كان الدين وكانت العبادة انطلاقاً للعقل، وتوجُّهاً أخلاقياً للوصول إلى الأهداف بطريقة نبيلة، لا على دماء أهلنا وأبنائنا؛ والأَوْلى أن يأخذ المسلمون بخطوات النبي الكريم في صبره بمكة حتى قويتْ شوكته وصار له دولة بخطواتٍ نبيلة أوصلتْهُ إلى المدينة المنورة، وفضَّل الصبر على أنْ يحمل السلاح على أهله وأبناء جلدته، علينا ألا نتجاهل العقل والوعي ونضع بلادنا وأمتنا في مهبِّ الضياع، ومربط الأمر كله عقل منفتح غير منغلق باسم الحرية والدين!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com