| كتب عبدالله متولي |
يعتبر العلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى - احد ابرز علماء الامة الاسلامية في العصر الحديث، فقد كان ذا معرفة تامة بالفقه واصوله وفروعه،** وفي التوحيد والتفسير، وفي القرآن الكريم الذي كان يفسره ارتجالا، ويستطرد ويبين من معاني القرآن الكريم وفوائده، ويستنبط منه الفوائد البديعة والمعاني الجليلة حتى ان سامعه يود ألا يسكت لفصاحته وجزالة لفظه، وتوسعه في سياق الادلة والقصص، ومن اجتمع به وقرأ عليه وبحث معه عرف مكانته في المعلومات كذلك من قرأ مصنفاته وفتاويه.
لقد ترك العلامة السعدي - رحمه الله - ثروة علمية هائلة تشهد بها مصنفاته التي يأتي في مقدمها تفسير القرآن الكريم المسمى «تيسير الكريم المنان» في ثمانية مجلدات أكمله في عام 1344هـ وقد نال هذا التفسير الكثير من الاهتمام حيث طبع له طبعات عديدة، ومن بين مصنفاته ايضا القواعد الحسان لتفسير القرآن، الدرة المختصرة في محاسنة الاسلام، القول السديد في مقاصد التوحيد، وجوب التعاون بين المسلمين، وغيرها الكثير من الكتب والمؤلفات القيمة التي تتلمذ عليها ونقل عنها كثيرون من طلبة العلم والعلماء، الى جانب هذا كان للشيخ رحمه الله فوائد منثورة وفتاوى كثيرة، وكان غاية قصده من التأليف هو نشر العلم والدعوة الى الحق.
ومما تركه الشيخ من آثار علمية نافعة مجموعة كبيرة من الخطب التي ألقاها في المناسبات والاعياد والجمع، هذه الخطب تشتمل على احكام شرعية وقضايا عصرية ومواضيع مهمة يحتاج الناس اليها، ونظرا لما لهذه الخطب من فوائد علمية عظيمة، وما بها من مواعظ للناس فقد قام الدكتور وليد بن محمد بن عبدالله العلي، الاستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت، وامام وخطيب المسجد الكبير، بجمع هذه الخطب والعناية بها، وتحقيقها وتنسيقها في كتاب اسماه «مجموع خطب الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي».
ويقع الكتاب في «800» صفحة ذات طباعة فاخرة، وغلاف متميز، وقدم له العلامة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العقيل، تلميذ الشيخ السعدي رحمه الله تعالى، والكتاب يحتوي على اربعة اقسام اولها: الخطب النافعة المحتوية على اهم المواضيع الجامعة، وثانيها: الفواكه الشهية في الخطب المنبرية، وثالثها: الخطب المنبرية على المناسبات، واخرها: «82» خطبة من نوادر الخطب التي لم تطبع من قبل.
والحقيقة ان الكتاب يعتبر تحفة علمية واضافة الى المكتبة الاسلامية لما فيه من المواعظ والأحكام الفقهية... خاصة وان صاحب الخطب قد انتهج فيها نهج النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، حيث اشار الشيخ السعدي رحمه الله تعالى الى ذلك بقوله: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبا عامة، وخطباً خاصة، وخطباً راتبة في الجمع والاعياد ونحوها، وخطباً عارضة بحسب الاسباب والدواعي.
وكانت خطبه كلها دعوة الى الله والى صراطه المستقيم، وتوضيحاً للاصول النافعة والاعمال الصالحة، وترغيباً في اصناف الخيرات والاحسان الى المخلوقات، وترهيباً من الاعمال الضارة والاخلاق السيئة.
وكان الغالب على خطبه الاختصار والاقتصار على ما يحصل به المقصود، ويقول: «ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته: مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة».
وكانت مواعظه على نوعين: نوع يعظ الناس وعظاً مطلقاً، يرغب في الخير ويرهب من الشر، ويسوق الى ما اعد الله للطائعين من الكرامة، ويحذرهم ما اعد الله للعاصين من الاهانة، ليثير في القلوب الايمان، والرغبة في الخير والرهبة من الشر.
ونوع من وعظه يفصل ما يحتاج الناس الى تفصيله، ويوضحه لهم توضيحاً.
فالنوع الأول: وعظ وايقاظ وتذكير، والنوع الثاني: تبيين وتعليم وتفصيل.
وكان يراعي في كل وقت وحال ما يحتاج الناس الى بيانه، وكان لا يتكلف السجع ولا التعمق، بل جل قصده صلى الله عليه وسلم ابلاغ المعاني النافعة بأوضح العبارات واقصرها.
ولقد اوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وكان يردد اللفظ او المعنى حسب ما يحتاج المقام الى ترديده، وهذا اول ما اعتمده الخطيب، ولا بأس من ذلك بمراعاة تحسين الألفاظ من غير تكلف.
ولما كنت في الخطابة، كنت انشئ جهد طاقتي خطباً على هذه الطريقة، مراعياً لاحوال الناس والوقت.
فقد قام الشيخ السعدي رحمه الله بالقاء هذه الخطب لنفع الناس، ولنفس الغاية قام الدكتور وليد العلي بجمعها والعناية بها وطبعها في كتاب، وعلى نفس المنوال نقوم بعرض الكتاب فتابع معنا.

لابد في البداية ان نشير الى الهدف من طبع هذا الكتاب على لسان جامعه والمعتنى به الدكتور وليد العلي حيث يقول: ان من علماء الامة الربانيين - الذين جمعوا بين العلم النافع، والعلم الصالح، والدعوة اليه - الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله آل سعدي رحمه الله تعالى, فهو العالم الرباني الذي حسن ذكره في حياته، وجمل الحديث عنه بعد وفاته (1).
ماتوا جميعاً وما ماتت فضائلهم
بل كان فضلهموا للناس يكتسب
كانوا نجوم ديباج يستضاء بهم
لهفي على فقدهم من بعد ما ذهبوا (2)
وان مما خلفه الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى من الاثار الحميدة، والعلوم النافعة المفيدة: ما كتبه من خطب الجمع والاعياد والمناسبات المنبرية، التي تشتمل على الاحكام الشرعية والقضايا العصرية.
فقد كانت خطبه روضات مونقات، ومواعظه للناس حدائق معجبات، زاهية ازهارها، مونقة ثمارها، قد ذللت قطوفها تذليلاً، وسهلت لمستمعها تسهيلاً.
وقد طُبع من هذه الخطب الجامعة، وصدر من هذه المجموعات الماتعة:
أولاً: الخطب النافعة المحتوية على اهم المواضيع الجامعة.
ثانيا: الفواكه الشهية في الخطب المنبرية.
ثالثا: الخطب المنبرية على المناسبات.
ولما يسر الله تعالى لي - بمنه وافضاله، وسهل لي بجميل كرمه وجليل نواله - الوقوف على خطب منبرية حسنة، ومطالعة مواعظ ونصائح مستحسنة، لم تطبع في حياة الشيخ رحمه الله تعالى مع الخطب السابقة، ولم حظيت العناية بها مع مستجدات المطبوعات اللاحقة (1): وجدت هذه الخطب قد اشتملت على نفائس لمثلها يتنافس المتنافسون، وجليت في ثناياها مواضعي عرائس الى مثل حسنهن بادر الخاطبون.
فعمدت الى العناية بها تحقيقاً، والتأليف بين متفرقها تنسيقاً، ثم ضممت اليها الخطب السابقة ليعظم بها بعد الطبع - بمشيئة الله تبارك وتعالى - الاجر والمثوبة والفائدة والنفع.
والله سبحانه وتعالى المسؤول فضله العظيم، والمأمول عوائده المباركة ونفعه العميم: ان يجعل هذه الخطب المنبرية خالصة لوجهه الكريم، مدنية لمؤلفها والمعتني بها وقارئها من جنات النعيم، وان يجعلها حجة لهم لا عليهم وان ينفع بها من انتهت اليهم.

مقدمة الشيخ العقيل
نظراً لأهمية الكتاب ومايحويه بين دفتيه فقد قدم له تلميذ الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالعزيز العقيل رحمه الله، والذي قال في مقدمته بعد الحمد والثناء: فلايزال شيخنا العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي يسعفنا ويفيدنا بكل طارف وتليد من مؤلفاته في سائر العلوم والآداب والأخلاق وغيره، ومن ذلك: خطبه الجوامع التي كان يلقيها أسبوعياً من منبر الجامع الكبير في عنيزة من عام 1361هـ الى سنة 1376هـ، لأنها جمعت مع اختصارها ووجازتها جودة ألفاظها، واختصار جملها، ووضوح معانيها، حتى ليفهمها العامي، ويستفيد منها طالب العلم، ولما اشتملت عليه من تفقيه الناس بأمور عباداتهم، ومعاملاتهم، وأنكحتهم، وطلاقهم، وأيمانهم، وكفاراتهم، وآدابهم، وغير ذلك، لأنه رحمه الله كان يكتبها بحسب المناسبات، ويعالج بها مشاكل المجتمع، ويتخول الناس بالموعظة، بعد أن كان بعض الناس قبل ذلك يخطبون من خطب مطبوعة قديماً، قد أكل الدهر عليها وشرب، حتى إن بعضهم لما صعد المنبر ليخطب خطبة العيد وجد فيها: الله أكبر تسعاً نسقا، فقال: الله أكبر تسعاً نسقاً، ولم يعرف معنى: نسقاً.
وقد اهتم بها فضيلة الدكتور وليد بن محمد بن عبدالله العلي - أستاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت، وإمام وخطيب المسجد الكبير، فقام بجمعها وتصنيفها وتقريبها تمهيداً لنشرها.
وعمل مثل هذا يعتبر من أفضل الأعمال الصالحة، ومن أهم وسائل نشر العلوم الشرعية، ليعم نفعها لكل من يرقؤها أو يسمعها أو ينظر فيها إن شاء الله.
فجزاه الله خيراً والقائمين عليها أفضل الجزاء، وأعظم لهم المثوبة.

الخطب النافعة
يبدأ الكتاب بالقسم الأول منه والمعنون بـ «الخطب النافعة المحتوية على أهم المواضيع الجامعة» ويشتمل على عدد 59 خطبة تبدأ بخطبة تحتوي على شرح بعض الأسماء الحسنى على وجه الاختصار والتنبيه، تليها خطبة في الاشارة الى التوحيد ووجوب الشكر، وثالثة في بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق أدباً، وأجود الناس وأشجع الناس، وأصبر الناس على أنواع الأذى والمحن، وكان خلقه القرآن يتخلق بآدابه، ويسارع الى ما حث عليه وكان أسمح الناس وأطيبهم نفساً، لا يواجه أحداً بما يكره.
وكان أعدل الناس وأحلمهم وأعفهم، وأشدهم تواضعاً، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطوِّل، وأحسنهم بشراً، لا يهوله شيء من أمور الدنيا.
ثم خطبة في الحث على التوبة، وأخرى في وجوب النصح في المعاملة والترهيب من البخس والغش، مروراً بخطبة في حث الأغنياء على الاحسان والفقراء على الصبر، ثم الصفو والاعراض عن الجاهلين، ثم الحث على القناعة، والتعاون على البر والتقوى، والترغيب في كسب الحلال، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والحث على العلم، ثم مجموعة خطب في استقبال رمضان وفضله وفضل العشر الأواخر، تليها مجموعة خطب عن الحج، بعدها خطبة في فضل الصحابة، وخطبة في صلة الأرحام، وخطبة في الحث على الاحسان الى البهائم، والحث على زينة الأولاد، والحث على اداء الديون عن والديك، وخطبة في الأمانة ورعايتها، وأخرى في أمراض القلوب وادويتها، ثم خطبة في التحذير من فاحشة الزنا، وخطبة في الحقوق الزوجية، ويختتم هذا القسم بخطبة في تربية البنات تربية نافعة، والتي قال فيها: أيها الناس، اتقوا الله، وقوموا بما ساترعاكم مولاكم، وأحسنوا ولاية من تولونه، يصلح لكم دنياكم وأخراكم، فمن أحسن الى عباد الله وقام بتقويم من تحت يده أحسن الله إليه، ومن ربى غيره ورقاه في صفات الكمال أثابه مولاه وقربه إليه.
قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»، حتى قال: «والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها».
فحضوا - رحمكم الله - نساءكم على إصلاح ما تحت أيديهن من الأولاد والبنات، وعلى القيام بحسن التربية حتى يقمن بما عليهن من الواجبات.
فأول ذلك وأولاه: تعويدهن الأخلاق الجميلة والمحافظة على الصلوات، وعلى حفظ الجوارح عن المحرمات وصيانة اللسان، والحث على الأقوال الطيبة والإكثار من ذكر الملك الديان، وأن يلزمنهن حسن تدبير البيوت والقيام بكل عمل شريف، وعلى تعليم الطبخ والخبز وخدمة البيت بالكنس والتنظيف، وعلى الخياطة وملاحظة الأولاد الصغار، وحثوهن على التصافي والتآلف وفعل الأسباب التي تزيل الشحناء والأكدار، فإن في ذلك شرفاً ورفعة وأجراً عند الملك الغفار، وذلك أصل صلاح الأسرة وعليه التأسيس والمدار.
فالنساء يرتقبن بهذه التعاليم الشريفة الى مراتب الكمال المجيدة، ويتعودن الأعمال النافعة المفيدة، ويسلمن من مضار الكسل والبطالة التي تضر بالأجسام، وتطفئ نور العقل وتمنع من الحزم وحسن الاهتمام.

الفواكه الشهية
أما القسام الثاني من الكتاب فقد جاء بعنوان «الفواكه الشهية في الخطب المنبرية» والذي اشتمل عن «71» خطبة، بدأت بخطبة في الحث على التقوي وبيان حدها وفوائدها، ثم الحث على الاحسان بمناسبة الجدب الذي ضر البوادي، وخطب في بيان لطفه بالعباد عند المكاره، وتذكير الناس بنعم الدين، والتوكل، والحياة الطيبة، والحث على الدعاء، وانتظار الفرج وقت الشدة، والزجر عن اضاعة الصلاة، النار وصفتها وأهلها، الجنة وأهلها، والتوكل على الله، والنهي عن الاسراف، والاهتمام بصلاح القلب، وفضل الاسلام، وسنن الفطرة، وحسن الخلق، والصدق، والاستقامة، والرضى بالقدر، وغيرها من الخطب المنبرية النافعة، وفي هذا القسم خطب الشيخ السعدي رحمه الله خطبة بعنوان «التوسل الى الله بالوسائل النافعة» جاء فيها:
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) (المائدة: 35).
أما التقوى هنا فهي: اجتناب الكفر والفسوق والعصيان، وأما الجهاد في سبيله فهو: بذل الجهد في مقاومة أهل الانحراف والإلحاد والكفران، وأما ابتغاء الوسيلة إليه فهي: التقرب إليه بأصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان.
من تعبد له أو دعاه بأسمائه وصفاته فذاك أفضل الوسائل، ومن توسل إليه بإحسانه ونعمه وجوده وكرمه قد سلك مسلك الأصفياء الأفاضل، ومن تقرب إليه بترك معاصيه، والعمل بما يرضيه فهو الذي لا شك الى كل خير واصل، ومن توسل إليه بحاجته وفقره وضرورته فقد توسل إليه بخير الوسائل.
ومن توسل إليه بذوات المخلوقين وجاههم فهو مُبتدع ظالم، ومن دعا مخلوقا أو استغاث به وزعم أنه يتوسل به إلى الله فهو مُشرك آثم.
فتوسلوا إلى ربكم بكثرة السجود والركوع، وتوسلوا إليه بتلاوة كلامه بتدبر وخشوع.
وتوسلوا إليه بالإحسان إلى الخلق إن الله يحب المحسنين، وببر الوالدين وصلة الأرحام فإن الله يصل الواصلين ويقطع القاطعين.
توسلوا إليه بخوفه ورجائه والتوكل عليه فإن الله يحب المتوكلين، وتوسلوا إليه باللهج بذكره واستغفاره فيا سعادة الذاكرين.
توسلوا إليه بمحبة نبيكم وكثرة الصلاة والسلام عليه فمن أكثر الصلاة عليه كفاه الله همه وقضى حاجته، ومن صلى عليه صلى الله عليه عشر أضعافها ونال حبه وشفاعته.
توسلوا إليه بالحُنو على اليتامى والضعفاء، وتقربوا إليه برحمة البهائم فإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
توسلوا إليه بسلامة الصدور من الفسق والغل والحقد على المسلمين، وبالنصيحة والشفقة على الخلق أجمعين.

الخطب المنبرية
يأتي القسم الثالث من الكتاب بعنوان «الخطب المنبرية على المناسك» ويحتوي على 30 خطبة تبدأ بخطبة الاعتصام بالله من الشيطان، ثم خطبة بعد نزول الغيث، ثم الحث على تكميل الصلاة مرورا بخطبة عن آداب الأكل واللباس، وتزكية النفس، ووجوب الاستعداد بالفنون الحربية، والفرق بين العلم النافع والعلم الضار، ختاما بخطبة في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ضم هذا القسم خطبة عن حفظ اللسان جاء فيها:
أيها الناس، اتقوا الله بالمحافظة على مراضيه، وحفظ الجوارح كلها عن مساخطه ومناهيه.
واعلموا أن أهم ما يجب حفظه والعناية به اللسان، فإنه يكب صاحبه إذا لم يحفظه في النيران، وقد يرقيه إلى أعلى مراتب الإيمان.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله - ما يظن أن تبلغ ما بلغت-: يكتب الله له بها رضوانه، وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله - لا يظن أن تبلغ ما بلغت-: يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب».
وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وان الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً».
وقال صلى الله عليه وسلم: «تجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه».

من نوادر الخطب
ويختتم الكتاب بالقسم الرابع ويحتوي 82 خطبة من نوادر الخطب للشيخ السعدي رحمه الله، وهذه الخطب تطبع للمرة الأولى اذ لم يتم طباعتها من قبل، كانت الخطبة الأولى إلى السادسة عن شهر الله المحرم، ثم مجموعة خطب عن شهر ربيع الأول، ثم ربيع الآخر، ثم شهر رجب، ثم شهر شعبان، تليها مجموعة أخرى عن شهر رمضان، ثم شهر شوال، فشهر ذي الحجة ومجموعة خطب في الأخلاق والفضائل والمواعظ والسيرة النبوية وغيرها إلى أن تأتي الخطبة الثمانون والتي نعى فيها العلامة السعدي رحمه الله، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله تعالى، وهذا نصها:
الحمد لله وكفى، وأصلي وأسلم على نبيه المصطفى.
الحمد لله الباقي «وكل من عليها فان» (الرحمن: 26).
الحمد لله حمدا كثيرا على كل حال.
الحمد لله على قضائه وقدره، خيره وشره، وحلوه ومره.
سبحان من هو كل يوم في شأن.
سبحان من يرث الأرض ومن عليها واليه يُرجعون، «كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» (آل عمران: 185).
سبحان من جعل هذه الدار دار سعي وجد وعمل وصفاء وأكدار، ولم يجعلها دار بقاء ولا موضع استقرار، جعلها دار ممر، ولم يجعلها دار مستقر.فيا سعادة من عرف حقيقتها فزرع فيها الخير والأعمال الصالحة، ويا خسارة من آثر دنياه على أخراه «واتبع هواه وكان أمره فرطا» (الكهف: 28).
سبحان من جعل الموت غاية كل مخلوق، ونهاية كل عبد مصرف مرزوق، «كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» (الرحمن: 26-27).
لو نجا من الموت ناج لعزته، أو سلم منه سالم لشرفه: لكان أولى الناس بذلك وأحقهم به رسول رب العالمين، ولخلد فيها الصفوة من الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون» (الأنبياء: 34).
والله تعالى يبتلي عباده بالمصائب ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأيهم أجمل صبرا، وأيهم أعظم رضا بقضاء الله وقدره والتسليم لأمره.
بشر الله الصابرين على المصائب بالصلاة والرحمة والهدى، ووعدهم أن يوفيهم أجرهم بغير عد ولا إحصاء.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول ما أمر الله: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها: إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها».
هذا جلالة الملك المعظم قد اختار الله له ما عنده، وانتقل إلى رحمة الله التي وسعت كل شيء، سبيله سبيل جميع العالمين، وطريقه طريق الخلق أجمعين.
ذهب شخصه الكريم وما ذهبت أوصافه الجميلة وأفعاله، ومضى بنفسه وبقيت مشاريعه الطيبة وأعماله.
قد علم القريب والبعيد ما وفقه الله له في حياته من الأعمال الصالحة، والمآثر الجليلة، والآثار الخالدة، وقد عرفوا ما له من النفع العميم، وما جرى على يديه من الخير الجسيم.
كانت حياته زاهرة بالبركات، وأيامه مثمرة للمنافع والخيرات.
وكان له الحنو على الرعايا والمستضعفين، وكانت له الأيادي والشفقة على جميع المسلمين.
عاش ولله الحمد حميدا، وانتقل بحول الله إلى ربه سعيدا.
له علينا وعليكم من الحق أن ندعو له بقلوب حاضرة، وأفئدة صادقة، ونيات مخلصة خالصة.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا: أن يتغمده برحمته ورضوانه، ويسكنه فسيح جناته، وأن يتجاوز عن سيئاته، ويرفع له مع أئمة الهدى درجاته، وجعل ضيافته عند قدومه عليه العفو والغفران، والرحمة والكرم والرضوان.
وأحسن الله لجميع المسلمين فيه العزاء، وجبر الله مصيبتهم فيه بالتوفيق والهدى، وعوضهم عنه بصلاح أنجاله، والتوفيق والتسديد لذريته وآله، وأقام الله بهم الدنيا والدين، وأسبغ بهم الخير على المسلمين، ونشر بهم العدل على العالمين، ويسرهم لليسرى، وجنبهم العسرى، وألف بين قلوبهم، وجعلهم مستمسكين بالعروة الوثقى.
لا سيما الملك المعظم: وولي عهده؛ والخليفة من بعده، حفظه الله وحرسه وحماه، وأعانه على مهماته العظيمة وسدد خطاه، وجعله مباركا موفقا لما يحبه ويرضاه.
وأصلح الله به أحوال المسلمين، وألف بين قلوبهم، وجمع بين شملهم، ولطف الله بهم آخر كما لطف بهم أولا، وأتم عليهم النعم، ودفع عنهم المكاره والنقم، انه جواد كريم؛ رؤوف رحيم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.