حين يدخل المستشفى أحد المرضى يطلب الطبيبُ المعالِجُ ملفَّهُ ليرى سيرتَهُ المرضية، وكذلك حال أُمتنا اليوم حين نتحدَّثُ عنها أو ندَّعي أننا أطباؤها علينا أن نُطالع بتمعُّن سيرتها الذاتية، فمجلس التعاون العربي الذي أُسس عام 1989م لأهداف تضامنية مُعلَنة قد ظهرت أهدافه الخفية حين الغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990م، ضم هذا المجلس العراق والأردن ومصر واليمن الشمالي؛ كان صدام يرأسُ العراق، والحسين بن طلال ملك على الأردن، ومصر يرأسها حسني مبارك، واليمن الشمالي يرأسه علي عبدالله صالح، وحين نتتبَّع تسلسل الأحداث في المنطقة من تلك الأيام إلى اليوم سنرصد العديد من المؤشرات والتصريحات التي سُجلت وسوف يدوِّنها التاريخ، إن من الأهداف الخفية لمجلس التعاون العربي إعادة تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة بسكوت مُبَطَّنٍ بالرضى من الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك؛ والقصة العنكبوتية لذاك المجلس دارت حول معلومات تفيد بإعطاء ضوء أخضر خفيٍّ لصدام حسين ليس لغزو الكويت فقط بل لغزو واحتلال كل أراضي الدول العربية المطلة على الخليج العربي، بينما يأخذ اليمن الشمالي الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، ويُعيدُ الهاشميون في الأردن مُلْكَ جدهم في الحجاز ومكة المكرمة، والذي أفسد هذا التشكيل آنذاك هو الرئيس حسني مبارك، فبعيداً عن اللغة القضائية في كلامنا فإن الرئيس حسني مبارك كما يُدان مثلاً لإغلاقه معبرَ رفح أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة آخر عام 2009م وبداية عام 2010م فإنه يُحسَبُ له عدم تعاونه مع مجلس التعاون العربي آنذاك ووقوفه إلى جانب الكويت في حقها المشروع، ومن هذه المؤشرات هو تأييد الملك حسين بن طلال وعلي عبدالله صالح لصدام حسين، وخروج مصر من مجلس التعاون العربي الذي وُلد ميتاً. كلنا يذكر جيداً يوم بدأت عملية «ثعلب الصحراء» والتي خَلُصَتْ بحمد الله وفضله إلى تحرير الكويت، كانت أول عبارة تفوَّه بها صدام حسين في صبيحة 17 يناير عام 1991م هي: (غَدَرَ الغادرون...)، واتهامُه لأميركا بالغدر دليل على تعاونه المطلق معها ولسنا لذلك في حاجة لدليل، لم يكن صدام حسين مصدِّقاً حتى في تسلسل محاكمته وإلى اللحظة الأخيرة أنه يمكن أن تغدر به أميركا لدرجة إعدامه، ففي ظنه أنَّ حربَه ضد إيران ودعمه لأميركا في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي قد ردَّ الدَّيْنَ لأميركيا في مساعدته للوصول إلى السلطة في العراق وانتهى الأمر ولن تتخلّى عنه ونسي أنَّ مَنْ أعانَ ظالماً سُلِّطَ عليه، لذلك وحتى لا تنكشف أوراق أميركيا علناً إنِ اعترف بعمالته ولن يفعل ذلك يومها لأنه لن يجد أحداً يقف إلى جانبه بعد جرائمه وعمالته، لذلك كان إعدامه قبل طلوع الشمس وكما تفعل أميركا عادة مع عملائها تتخلص منهم خلف الستار أو تتركهم لثورات شعوبهم مثل شاه إيران وصدام وابنيْه وأسامة بن لادن وهناك من العملاء من يخدمون سيدتهم أميركا بدهائهم ويرتِّبون لها الأوراق من بعدهم، قلنا مراراً ان السياسة التي تتبعها أميركا في التعامل مع قوَى العالم في شتى بقاعه تقوم على براجماتيةِ الموقف على الأرض، فالأقوى في المنطقة تتعاون معه أميركا وتلعب معه لعبة الأقوياء، وحين نختار الضعفَ بإرادتنا ونتعامل مع أميركا بضعف ونصبح عملاءَ لها سنكون أوَّلَ لقمة في فمها، إنهم يبدؤون بتصفية عملائهم أولاً، إنَّ إعادة تشكيل المنطقة بـ «سايكس بيكو» جديدة ما هي إلاّ مسألة وقت، ولكن ليس قبل استبدال النظام في سورية بنظام يصافح إسرائيل ولو كانت يدُه تقطر من دم السوريين.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com