كلما عشنا يوماً جديداً في القرن الواحد والعشرين الميلادي باتت الحاجة مُلحَّةً للتوجه نحو تأصيل جديد يأخذنا إلى فهم معاصر لدلالاتِ النصوص الشرعية في الإسلام، فبعيداً عن الْمُحْكَمِ في كتاب الله تعالى وبعيداً عن النصوص القطعية في ثبوتها ودلالاتها، يكون بابُ الاجتهادِ مفتوحاً لأهله في تفسير وفهم المتشابه من النصوص، حين نُنْكِرُ أن السبب الذي جعل الإمامَ الشافعي رحمه الله يُغيَّرُ في فِقْهِهِ بعد انتقاله من العراق إلى مصر هو البيئة المصرية الجديدة المنفتحة على العالَم هذا لأننا نهرب من التجديد في فقهنا الإسلامي أو نسير ببطءٍ شديد في هذا الجانب، واليوم نحن في أمسِّ الحاجة إلى فقه يواكب مستجداتٍ تتسارع تداعياتُها على مدار الساعة، وكيف يمكننا مواكبةُ الجديد ونحن نُصرُّ على السير برتابة؟! فبينما نظن أننا نربي أبناءنا بأيدينا تخطفُ المدنيَّةُ عقولَهم بأجهزتها ودوائرها الالكترونية وهم أمام أعيننا، فنمسي وكأن بيننا وبينهم عشرات الأعوام! جاء في الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله «لا تُؤَدِّبوا أولادَكم بأخلاقِكم لأنهم خُلقوا لزمانٍ غير زمانكم». وفي رواية أخرى «رَبُّوا أبناءَكم على غير أخلاقِكم فإنهم خُلقوا لزمانٍ غير زمانِكم»، فقبل أن نُشير بأصبع الاتهام إلى أبنائنا تارة ونحو عصرنا الحاضر تارة أُخرى فإنَّ الحالة التي نعيشها اليوم تتطلب منا اهتماماً بالغاًُ بأنفسنا وبتطوير قدراتنا الذاتية لنفهم حواراً عصرياً يدور بين أبنائنا، فمن المؤسف مثلاً أن أطلب من ولدي أو من ابنتي ما كان يطلبه أبي مني! أو أنْ أتوقَّع من زوجتي ما كنتُ أراه من أمي تجاه والدي! إقحام العواطف والذكريات وأيامٍ خلتْ في أولويات الفهم في عصرنا يفسد انتظام الأداء اليومي للحياة الاجتماعية ويُعقِّدُ الأمور إلى أعوام مقبلة، والمشكلة تكمن في إضفائنا لباسَ الدين على كل ما نفعل من أخطاء لنهرب من الحقيقة، لقد تقارب الزمان وسبقتِ الأيامُ عقاربَ الساعة، إنها دعوة لإعادة النظر برويَّة في قنوات التواصل مع هذا الجيل ومعرفة اللغة المناسبة للدخول إليه والأخذ بيده من غير إملاءٍ عليه أو مصادرة لقناعاته، علينا ألاّ تأخذنا الغَيْرةُ على هذا الدين في غير محلِّها فنتسرَّع فنحرق الطريق المؤدية إلى قلوب بناتنا وأولادنا، إنه مزيج يجمع لغة تخاطبية مقنعة تتقبلها عقولُ أبنائنا وتنشرح لها صدورُهم، ومنهج تربوي يؤثر فيهم بشكل غير مباشر، يستند كلُّ ذلك إلى تأصيل جديد للأحكام الشرعية يخرج بنا نحو الناس بأداء يحفظ عالمية الدين، ويُقدِّمُهُ بصورة عصرية ولا يحصره بمكان واحد هو المسجد وزمان محدد هو شهر رمضان، أُقسمُ بالله العظيم أننا فهمنا أنَّ أركان الإسلام خمسة أركان، وفهمنا أنَّ النوم العميق يَنْقُضُ الوضوء، الإمام الشافعي حين انتقل من العراق إلى مصر أعاد كتابةَ فِقْهِهِ مرةً ثانية في غضون سنوات معدودة لأن العراق عالَم ومصر عالَم آخر، ونحن من عشرات الأعوام مازلنا مختلفين على صلاة التراويح هل هي ثماني ركعات أم عشرون ركعة! رمضان كريم.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com