| القاهرة - من محمود متولي |
أكثر من «30» عاما قضتها الراقصة ذات الشهرة الواسعة بديعة مصابني، التي تقترب أحداث حياتها من الأساطير بعد أن صالت وجالت في عالم الفن منذ انتقالها من بلاد الشام الى القاهرة **عام 1910.
استطاعت مصابني - بحسب مذكرات وحوارات ومقالات رصدتها مسيرة حياتها - أن تتحقق خلال مشوارها الفني الحافل شهرة طاغية فقد تربعت على عرش الرقص الشرقي لأكثر من ربع قرن، وحظيت بالعديد من الألقاب منها «الراقصة الأولى في مصر والشرق الأوسط» و«ملكة الشيشة والنرجيلة»، و«ملكة الملاهي الليلية» وغيرها، ولعبت الفنانة مصابني خلال فترة عملها دورا مؤثرا في الحياة السياسية بمصر بل وشكلت جزءا من تاريخ مصر الفني والسياسي والاجتماعي، ما جعلها تمتلك سطوة وسلطانا يفتقده الكثير من الرجال سهَّل مهمتها في السيطرة على صعاليك وفتوّات شارع «عماد الدين» ورجال السياسة والحكم والاحتلال الانكليزي آنذاك الذين كانوا زبائن دائمين في صالاتها. كما تخرّج على يديها عشرات الراقصات اللاتي حققن انتشارا بعد ذلك مثل تحية كاريوكا وسامية جمال وحكمت فهمي وصفية حلمي وببا عزالدين وغيرهن.
في هذه السلسلة نستعرض سيرة بديعة مصابني وحكايتها في حلقات عبر سطور «الراي» ونسلط الضوء على مسيرتها الفنية وعلاقتها بالحياة السياسية المصرية في تلك الأيام:

أقبلت بديعة مصابني على الحياة الفنية بكل ما تملك بعدما استقرت في مصر، وفي العام 1927 بدأت بديعة مرحلة جديدة من حياتها الفنية، تمثلت في إقدامها على شراء الصالات والملاهي الليلية، وكان أول عهدها بهذا العمل هو شراؤها صالة رقص في الإسكندرية كانت تسمى «سند يكس» اشترتها من صاحبها بمبلغ «5» آلاف جنيه بعد مناورات ومداولات بين الطرفين، وحققت الصالة نجاحا كبيرا شجعها على المضي قدما في نقل نشاطها إلى القاهرة، فيما اعتبر الكثيرون إقدامها على هذه الخطوة مجازفة كبيرة لا تقدم عليها امرأة.
مع قيام الحرب العالمية الأولى - وفقا لما جاء في مذكرات مصابني - ازدحمت القاهرة بجيوش الحلفاء، وانتعش نشاط الصالات والكباريهات والمقاهي الموسيقية وأبرزها صالات مصابني، التي غطت شهرتها على جميع الصالات في العشرينات والثلاثينات، وكانت لا تخلو من جنود وضباط بريطانيين وحلفاء عائدين من جبهات القتال للراحة والانتعاش وتزايد إعجاب الأجانب بـ «رقصة البطن» التي أعادت الراقصة شوشو البارودي تسميتها بـ «رقصة الحلفاء ونجاح الديموقراطية»، وقيل إن مصابني وضعت الكازينو الخاص بها وجميع العاملين به تحت تصرف القوات البريطانية طوال مدة الحرب العالمية.
وبالتزامن مع ذلك، انتعشت كباريهات شارع الهرم الذي بدأ يحتل مكانته كمركز للهو، ما أدى إلى زيادة أعداد الراقصات بشكل لافت، كما انتشرت صالات الرقص في وسط المدينة، لكن أفضل أماكنها كان في العوامات الراسية في الجزيرة وإمبابة، ومنها عوامة سلطانة الطرب منيرة المهدية، التي قالت في تصريحات لها قبل وفاتها: «لو فكر صحافي أن يسترق السمع إلى صالتها في تلك الفترة لاستطاع معرفة أخبار البلد ولكن أحدا لم يفكر يومها أن مجلس الوزراء ينعقد في عوامتي».
في تلك الأثناء اشتدت الحاجة للنساء لمجالسة الزبائن، وخصص أصحاب الصالات نساء عملهن الوحيد مراقصة الزبائن، خصوصا جنود الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
وروى الكاتب الصحافي الراحل محمود السعدني - في مقالاته. التي نشرت في أكثر من مطبوعة صحافية - أنه انضم إلى شلة كانت تضم رسام الكاريكاتير الشهير أحمد طوغان، والفنان الشعبي زكريا الحجاوي الذي كان يعمل موظفا في بلدية الجيزة صباحا ومحررا بجريدة «المصري» في المساء، وهو المسؤول عن مراسلي الأقاليم في الجريدة الوفدية، وكانت الشلة تجتمع في مقهى يقع أمام كوبري عباس بالجيزة اسمه «شهريار»، وعندما انتقلت لقاءات الشلة من مقهى «شهريار» إلى كازينو بديعة أسفل كوبري عباس، كان أنور السادات يأتي إليهم ومعه ضابط طيار اسمه حسن عزت.
وقال السعدني إن التعارف بينه وبين أنور السادات كان في كازينو بديعة الذي أسفر بدوره عن رفع الكلفة وزيادة الألفة من جانب السعدني، ما أدى إلى علاقة متوترة متذبذبة بينهما فيما بعد.
في أوائل الثلاثينات، وفي فترة الاضطرابات التي غمرت القطر العربي السوري ضد الاستعمار الفرنسي، استطاعت مصابني خلال وجودها في دمشق إقناع المطربة السورية ماري جبران بالسفر معها إلى القاهرة للعمل في الكازينو الخاص بها بعد أن أذهلها صوتها وأداؤها وجمالها، فقررت أن تأخذها معها إلى مصر، وكانت جبران في الثامنة عشرة من عمرها.
رافقت ماري جبران « مصابني» إلى مصر بعد أن وقعت عقدا معها للعمل في صالتها لمدة سنة قابلة للتجديد، واستطاعت أن تخطف عقول الناس الذين افتتنوا بجمالها قبل أن يفتنهم صوتها، وغدت بين عشية وضحاها قبلة الأنظار، فأحاط بها المعجبون والفنانون وأطلقوا عليها اسم «ماري الجميلة» و«ماري الفاتنة».
كما أعجب بصوتها شيوخ التلحين الذين سعوا إلى خطب ودها، فتعرفت على محمد القصبجي وداود حسني والشيخ زكريا أحمد، وانفرد الأخيران بالتلحين لها، فحفظت على يدي داود حسني دور «الحبيب للهجر مايل» ودور «أصل الغرام نظرة»، واهتمت بتدريبات الشيخ «زكريا أحمد» وتعلمت منه كيف تغني القصائد والأدوار والطقاطيق حتى أبدعت فيما غنت، مثل دور «ياما انت واحشني» و «دع العزول» و«في البعد يا ما كنت أنوح».
وفجأة... دب الخلاف بينها وبين مصابني، فتركت مسرحها آملة في العمل بمسارح أخرى، ولكنها لم تستطع في البداية بسبب سيطرة بديعة القوية على ملاهي القاهرة، ويبدو أن الأخيرة اختلفت معها بسبب الأجر، وقيل بسبب رفضها مجالسة رواد الملهى، وقيل - أيضا - إن مصابني اعتقدت أن ماري جبران التي أدارت العقول بجمالها وسحرها وغنائها، أخذت تزاحمها في أمر لا تحب أن يزاحمها فيه أحد، فأنهت عقدها متعللة بأوهى الأسباب.
تمكنت جبران عن طريق أصدقائها الكثيرين وبفضل ما تملكه من خصائص فنية من العمل في العديد من الصالات، وظلت تعمل على الرغم من القطيعة بينها وبين بديعة مصابني مدة سبع سنوات، ثم ولأسباب مجهولة قررت العودة إلى دمشق. وبعد عودتها مباشرة وقعت عقدا مع ملهى العباسية ـ فندق سميراميس اليوم ـ بمبلغ خمسين ومئة ليرة ذهبية في الشهر، وكان ذلك في أواخر الثلاثينات وشبح الحرب العالمية الثانية المنذرة بالاندلاع يخيم على العالم. ومنذ ذلك التاريخ أخذت ترسخ قدميها في الفن الذي أتقنته وكرسته لرواد مسارح وملاهي لبنان وسورية وفلسطين، حتى غدت بحق مطربة ديار الشام الأولى. وكانت حتى ذلك التاريخ تغني أعمال مشاهير الملحنين كأدوار الشيخ سيد درويش وداود حسني وزكريا أحمد من التي كانت تؤديها سيدات الطرب - آنذاك - مثل: فتحية أحمد وأم كلثوم ومنيرة المهدية ونادرة الشامية، ثم أخذت تغرف من ألحان محمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب في المونولوج والقصائد والطقاطيق، وبعض الأعمال التراثية الشامية في الموشحات والأدوار والأغاني الخفيفة، لتكتشف شيئا فشيئا أن عليها أن تغني أغاني خاصة بها يقوم بتلحينها ملحنون مختصون يعرفون خصائص صوتها وقوته، فاتصلت بمشاهير الملحنين من أمثال صابر الصفح ومحمد محسن، رفيق شكري، زكي محمد ونجيب السراج... لتبدأ معهم رحلتها الفنية التي امتدت حتى وفاتها.