أمر مستهجن وغريب أن تدعو الحكومة الفرنسية ثوار ليبيا إلى التحاور مع العقيد معمر القذافي، الذي انتهت صلاحيته منذ 17 فبراير الماضي، فلم يعد هناك مكان اليوم للطغاة وسفاحي الشعوب أمثال هذا المجرم الذي ارتكب جرائم بحق الإنسانية، وفظائع موثقة لدى المحكمة الجنائية الدولية، والأكثر غرابة في التصرف الفرنسي الأخرق أن القذافي مطلوب للعدالة الدولية، فما الذي دعاها لأن تطلق تصريحاً كهذا، والذي يعد مكسباً بل وانتصاراً لهذا النظام المنبوذ دولياً!
لا ينكر منصف أن للدور الفرنسي تأثيراً كبيراً جداً على مجريات الأحداث في ليبيا، ومواقفها القوية في نصرة الشعب هناك، وما اعترافها الأخير بإنزال المساعدات العسكرية على الثوار جواً إلا دليل على مصداقية حكومة ساركوزي، التي قرنت وعودها في مجلس الأمن الدولي بالأفعال، فلم تتلكأ أو تماطل كتركيا وإيطاليا، وليس بخافٍ على أحد أن لفرنسا مصالح إستراتيجية في ليبيا، ولكن لا يجب أن تهدم ما بنته طيلة الأشهر الماضية من سمعة طيبة، ومكانة جعلتها النصير الأول لحقوق الإنسان، بعد تدخلها الحاسم، وقلبها لموازين القوة هناك، ما جعل نظام القذافي ينتقدها إلى حد الشتم علنا، فهل هناك من تفسير للتصريحات الفرنسية الأخيرة، لعلها تقنع، أو تقلل من غضب الشارع العربي، والدولي، نتيجة تحول موقفها المفاجئ، والذي قد يتسبب في انقلاب الميزان لصالح العقيد المجنون، والذي سيعتبره حتماً ضوءا أخضر لسحق الثورة الشعبية، وهو المعروف بوحشيته وقسوته، وعندها لن يفيد باريس تبرير الأعذار، وإظهار الجزع والندم!
***
نربأ بحكومة ساركوزي أن تسلم مصير الشعب الليبي إلى جلاده، وعليها أن تنظر بعين الخجل والأسى على ما ارتكبه رئيس فرنسا الأسبق فرانسوا ميتران، عندما كان ينادي لحقن دماء الشعب البوسني إبان حقبة التسعينات من القرن الماضي من دون أن يحرك ساكناً تجاه شعب أعزل يقتل في وضح النهار، وكانت مبادرته الوحيدة، والتي تسببت في الإضرار بالبوسنيين وهلاكهم، سفره إلى سراييفو فجأة وإنزال طائرته الرئاسية في مطارها للحيلولة دون وقوع المطار في أيدي الثوار البوسنيين، بعد أن وصلته معلومات مؤكدة بهذا الأمر، والذي كان سيقلب الكفة لصالحهم! الرئيس ميتران بهذه الخطوة حرم الشعب البوسني من حماية نفسه، وفي الوقت ذاته سلم المطار لقوات الأمم المتحدة، والتي ارتكبت بدورها فظائع وفضائح لطخت سمعة المنظمة الدولية بالسواد، وما تلا ذلك من إحراج كبير أمام الرأي العام العالمي!


مبارك محمد الهاجري
كاتب كويتي
alhajri700@gmail.com
twitter@ alhajri700