من انقلاب حسني الزعيم في العام 1949 إلى الثورة السورية في العام 2011، فاصل يزيد مداه على ستة عقود يختصر الانهيار العربي الذي سبق الاستفاقة الراهنة. هل هي بداية عودة الوعي في العالم العربي الذي تلقى الضربة الأولى في سورية مسرح الانقلاب العسكري الأوّل في المنطقة؟ الجواب نعم كبيرة تجعل من ثورة الشعب السوري ام الثورات العربية. مهّد إعدام حسني الزعيم بالطريقة التي اعدم بها، بعد أقلّ من ستة أشهر من نجاح انقلابه، لفتح الشهية على ممارسة التصفيات الجسدية ذات الطابع الوحشي في المنطقة. بلغت هذه الوحشية ذروتها في العراق في الرابع عشر من يوليو 1958. حصل انقلاب سماه الجهلة ثورة، هي في الواقع ثورة على كل ما هو حضاري في البلد.
أطاحت سلسلة الانقلابات العسكرية بقايا الديموقراطية في العالم العربي. كانت هذه البقايا تتمثل بحياة حزبية نشطة إلى حدّ ما كان يمكن أن تساعد في قيام برلمانات فاعلة. تحولت البرلمانات إلى مجالس تابعة للزمر العسكرية الحاكمة. كانت البرلمانات مجرد أداة تبصم على القوانين التي يقرها العسكر. سقطت مصر بعد سورية في العام 1952. ثم سقط العراق الذي لم يرّ يوماً أبيض منذ انقلاب صيف العام 1958 الذي أسس لحمامات دم ما زالت مستمرة. وحده لبنان استطاع أن يصمد بفضل صيغته المتميزة بحسناتها وسيئاتها والتي مكنته من تجاوز مرحلة الانقلابات العسكرية ولكن بعدما لحقت به أضرار كبيرة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ولولا عبقرية رجل استثنائي اسمه الملك حسين، رحمه الله، لكان الأردن في خبر كان بعد كل الغدر الذي تعرض له من الأنظمة المزايدة، خصوصاً في مصر وسورية.
ما يحصل في سورية أهم بكثير مما حصل في تونس أو مصر أو ليبيا أو اليمن. ما يحصل يؤسس لبزوغ فجر عربي جديد لا مكان فيه لأنظمة تعتمد على الشعارات من أجل تبرير قتل الشعوب وجعلها تعيش حالاً من البؤس. الأهمّ من ذلك كله، أن ما تشهده سورية هذه الأيام دليل على أن الشعب فيها لا يزال متمسكاً بكرامته وحريته وأنه يسعى إلى أن يعيش في بلد طبيعي لا أكثر ولا أقلّ بعيداً عن كل نوع من أنواع الأوهام على رأسها وهم الدور الإقليمي.
هل كثير على سورية أن تعود بلداً طبيعياً قادراً على استغلال ما يمتلكه من ثروات طبيعية من جهة وإقامة علاقات صحية مع جيرانه من جهة أخرى؟ الجواب أن ذلك ممكن. هدف الثورة السورية تأكيد أن ما بني على باطل لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية وأن في استطاعة سورية العيش بأمان مع جيرانها العرب والأتراك، كما ستكون قادرة على العمل من أجل استعادة أراضيها المحتلة منذ العام 1967 من إسرائيل. ستعمل من أجل ذلك بعيداً عن المزايدات والشعارات الفارغة من نوع «المقاومة» و«الممانعة» التي لا تعني أكثر من استخدام لبنان «ساحة» لابتزاز العرب وغير العرب والمجتمع الدولي... والمتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم.
لعلّ أهم ما كشفته الثورة السورية أن الشعب السوري متعلق بثقافة الحياة وأن همّه محصور بالتخلص من النظام الحالي الذي سدّ في وجهه أبواب المستقبل. الأكيد أن الرئيس بشّار الأسد ليس مسؤولاً عن الأزمة التي يعاني منها النظام نظراً إلى أنه اسير ذهنية معينة تحكّمت بكل الذين حكموا سورية منذ وصول «البعث» إلى السلطة في الثامن من مارس 1963. الرئيس السوري الحالي لم يستطع الخروج على أساليب الحكم التي تقوم على الغاء الآخر. وهذا يفسّر إلى حد كبير تصرفاته في الأعوام العشر الأخيرة. لم يدرك أنه هناك أساليب مختلفة كانت سائدة في سورية نفسها أيام كانت هناك حياة حزبية حتى لو لم يستمرّ ذلك طويلاً في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.
هل تستطيع سورية أن تكون دولة طبيعية تلبي أول ما تلبي طموحات السوريين، أو لنقل أنها تسعى إلى ذلك؟ الأكيد أن سورية ستعود بعد فترة دولة طبيعية تعرف حجمها وتعرف ما يطمح إليه شعبها. وهذا سيكون له تأثير إيجابي على المنطقة كلها. ستكون دولة عربية تعرف أن ليس في الإمكان رعاية ميليشيا مذهبية موالية لإيران في الأراضي اللبنانية والشكوى في الوقت نفسه من وجود «متطرفين» داخل الأراضي السورية يعتدون على قوى الأمن؟ هل «الجزر الأمنية» مسموح بها في لبنان بتشجيع سوري وباسلحة تدخل من سورية ما دام الهدف تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية، فيما ظهور أي سلاح خارج إطار الدولة في سورية، هذا إذا كان مثل هذا الظهور صحيحاً، «مؤامرة على أمنها»؟
آن أوان تسمية الأشياء باسمائها. أن تكون سورية دولة طبيعية يبدأ بالتعاطي المختلف مع لبنان بعيداً عن أي نوع من العنجهية والأوهام والأمراض المزمنة من نوع الاعتقاد بأن لبنان بلد هش. متى يقبل النظام السوري بترسيم حدوده مع لبنان ووقف إرسال الأسلحة والكف عن التصرفات المسيئة إلى كل لبناني يتمتع بحد أدنى من الكرامة، يمكن عندئذ الحديث عن نقلة نوعية في تصرفات هذا النظام. المؤسف أنه كلما مرّ يوم يتبين أن النظام لايزال غارقاً في أوهامه، بل هو مصّر على الغرق في هذه الأوهام. أنه يشجع على إثارة الغرائز المذهبية في لبنان غير مدرك أن ذلك سيمتد إلى داخل سورية.
باختصار شديد، يلجأ النظام السوري إلى ألاعيب من الماضي. ألاعيب عفى عنها الزمن. الشعب السوري يعرف ذلك، بل يعرفه جيّداً. هذا ما يرفض النظام الاعتراف به. أنه يرفض بكل بساطة الاعتراف بانه لم يستطع مواكبة الوعي الشعبي للواقع القائم. يعتقد النظام أن في استطاعته متابعة عملية الهروب إلى أمام إلى ما لا نهاية. هذه لعبة انتهت. الشعب يريد أن تكون سورية دولة طبيعية على علاقة طيبة مع كل جيرانها، باستثناء إسرائيل طبعاً. هل في استطاعة النظام التصالح مع شعبه تمهيداً لإقامة علاقة طبيعية مع جيرانه؟ يختصر هذا السؤال أزمة النظام العاجز عن التعاطي مع الشعب السوري أوّلاً والمصر على أن يكون شرطي المنطقة ثانياً وأخيراً. انها أزمة بنيوية لا يمكن أن تنتهي إلا بالانتهاء من نظام يظنّ أنّ الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على إسرائيل... وأنّ الثورة الشعبية التي تتسع أسبوعاً بعد أسبوع ليست أكثر من مؤامرة خارجية يشارك فيها المجتمع الدولي كلّه!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن
أطاحت سلسلة الانقلابات العسكرية بقايا الديموقراطية في العالم العربي. كانت هذه البقايا تتمثل بحياة حزبية نشطة إلى حدّ ما كان يمكن أن تساعد في قيام برلمانات فاعلة. تحولت البرلمانات إلى مجالس تابعة للزمر العسكرية الحاكمة. كانت البرلمانات مجرد أداة تبصم على القوانين التي يقرها العسكر. سقطت مصر بعد سورية في العام 1952. ثم سقط العراق الذي لم يرّ يوماً أبيض منذ انقلاب صيف العام 1958 الذي أسس لحمامات دم ما زالت مستمرة. وحده لبنان استطاع أن يصمد بفضل صيغته المتميزة بحسناتها وسيئاتها والتي مكنته من تجاوز مرحلة الانقلابات العسكرية ولكن بعدما لحقت به أضرار كبيرة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ولولا عبقرية رجل استثنائي اسمه الملك حسين، رحمه الله، لكان الأردن في خبر كان بعد كل الغدر الذي تعرض له من الأنظمة المزايدة، خصوصاً في مصر وسورية.
ما يحصل في سورية أهم بكثير مما حصل في تونس أو مصر أو ليبيا أو اليمن. ما يحصل يؤسس لبزوغ فجر عربي جديد لا مكان فيه لأنظمة تعتمد على الشعارات من أجل تبرير قتل الشعوب وجعلها تعيش حالاً من البؤس. الأهمّ من ذلك كله، أن ما تشهده سورية هذه الأيام دليل على أن الشعب فيها لا يزال متمسكاً بكرامته وحريته وأنه يسعى إلى أن يعيش في بلد طبيعي لا أكثر ولا أقلّ بعيداً عن كل نوع من أنواع الأوهام على رأسها وهم الدور الإقليمي.
هل كثير على سورية أن تعود بلداً طبيعياً قادراً على استغلال ما يمتلكه من ثروات طبيعية من جهة وإقامة علاقات صحية مع جيرانه من جهة أخرى؟ الجواب أن ذلك ممكن. هدف الثورة السورية تأكيد أن ما بني على باطل لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية وأن في استطاعة سورية العيش بأمان مع جيرانها العرب والأتراك، كما ستكون قادرة على العمل من أجل استعادة أراضيها المحتلة منذ العام 1967 من إسرائيل. ستعمل من أجل ذلك بعيداً عن المزايدات والشعارات الفارغة من نوع «المقاومة» و«الممانعة» التي لا تعني أكثر من استخدام لبنان «ساحة» لابتزاز العرب وغير العرب والمجتمع الدولي... والمتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم.
لعلّ أهم ما كشفته الثورة السورية أن الشعب السوري متعلق بثقافة الحياة وأن همّه محصور بالتخلص من النظام الحالي الذي سدّ في وجهه أبواب المستقبل. الأكيد أن الرئيس بشّار الأسد ليس مسؤولاً عن الأزمة التي يعاني منها النظام نظراً إلى أنه اسير ذهنية معينة تحكّمت بكل الذين حكموا سورية منذ وصول «البعث» إلى السلطة في الثامن من مارس 1963. الرئيس السوري الحالي لم يستطع الخروج على أساليب الحكم التي تقوم على الغاء الآخر. وهذا يفسّر إلى حد كبير تصرفاته في الأعوام العشر الأخيرة. لم يدرك أنه هناك أساليب مختلفة كانت سائدة في سورية نفسها أيام كانت هناك حياة حزبية حتى لو لم يستمرّ ذلك طويلاً في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.
هل تستطيع سورية أن تكون دولة طبيعية تلبي أول ما تلبي طموحات السوريين، أو لنقل أنها تسعى إلى ذلك؟ الأكيد أن سورية ستعود بعد فترة دولة طبيعية تعرف حجمها وتعرف ما يطمح إليه شعبها. وهذا سيكون له تأثير إيجابي على المنطقة كلها. ستكون دولة عربية تعرف أن ليس في الإمكان رعاية ميليشيا مذهبية موالية لإيران في الأراضي اللبنانية والشكوى في الوقت نفسه من وجود «متطرفين» داخل الأراضي السورية يعتدون على قوى الأمن؟ هل «الجزر الأمنية» مسموح بها في لبنان بتشجيع سوري وباسلحة تدخل من سورية ما دام الهدف تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية، فيما ظهور أي سلاح خارج إطار الدولة في سورية، هذا إذا كان مثل هذا الظهور صحيحاً، «مؤامرة على أمنها»؟
آن أوان تسمية الأشياء باسمائها. أن تكون سورية دولة طبيعية يبدأ بالتعاطي المختلف مع لبنان بعيداً عن أي نوع من العنجهية والأوهام والأمراض المزمنة من نوع الاعتقاد بأن لبنان بلد هش. متى يقبل النظام السوري بترسيم حدوده مع لبنان ووقف إرسال الأسلحة والكف عن التصرفات المسيئة إلى كل لبناني يتمتع بحد أدنى من الكرامة، يمكن عندئذ الحديث عن نقلة نوعية في تصرفات هذا النظام. المؤسف أنه كلما مرّ يوم يتبين أن النظام لايزال غارقاً في أوهامه، بل هو مصّر على الغرق في هذه الأوهام. أنه يشجع على إثارة الغرائز المذهبية في لبنان غير مدرك أن ذلك سيمتد إلى داخل سورية.
باختصار شديد، يلجأ النظام السوري إلى ألاعيب من الماضي. ألاعيب عفى عنها الزمن. الشعب السوري يعرف ذلك، بل يعرفه جيّداً. هذا ما يرفض النظام الاعتراف به. أنه يرفض بكل بساطة الاعتراف بانه لم يستطع مواكبة الوعي الشعبي للواقع القائم. يعتقد النظام أن في استطاعته متابعة عملية الهروب إلى أمام إلى ما لا نهاية. هذه لعبة انتهت. الشعب يريد أن تكون سورية دولة طبيعية على علاقة طيبة مع كل جيرانها، باستثناء إسرائيل طبعاً. هل في استطاعة النظام التصالح مع شعبه تمهيداً لإقامة علاقة طبيعية مع جيرانه؟ يختصر هذا السؤال أزمة النظام العاجز عن التعاطي مع الشعب السوري أوّلاً والمصر على أن يكون شرطي المنطقة ثانياً وأخيراً. انها أزمة بنيوية لا يمكن أن تنتهي إلا بالانتهاء من نظام يظنّ أنّ الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على إسرائيل... وأنّ الثورة الشعبية التي تتسع أسبوعاً بعد أسبوع ليست أكثر من مؤامرة خارجية يشارك فيها المجتمع الدولي كلّه!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن