«مصر ليست تونس» تلك العبارة الشهيرة التي كان يرددها بثقة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مع مقربيه ومع رجال النظام السابق قبل ثورة الشعب في مصر، رغم تحذيراتهم المتكررة له الا انه كان يكابر ولا يستسلم، وسبق لوزير الدفاع والصناعة الاسرائيلي الاسبق بنيامين بن اليعازر صديقهُ المقرّب ان حذّره من ثورة الشعب عليه الا ان ثقته الزائدة بنفسه جعلته يكرر عبارته الشهيرة بالقول ان مصر ليست تونس، ويقال انه امر الجيش بالاستعداد للتدخل من دون اطلاق النار على المتظاهرين! لقد كان حسني مبارك يتمتع بشخصية قوية بين الرؤساء وكاريزما عالية بين شعبه، ويعتبر من أهم الرؤساء والزعماء الذين لهم دور قوي وفعال في منطقة الشرق الاوسط، ولكنه بعدما اجبر على التنحي اعرب لمقربيه من غضبه الشديد من الشعب والاكبر من ذلك صدمته وخيبة امله في حلفائه وبالذات الولايات المتحدة الاميركية الذين اتهمهم بالخيانة والتخلي عنه وقت الظروف العصيبة، وخصوصا بعد مطالبتهم له بضرورة الرحيل الفوري عن حكم مصر بعدما عمل معهم وخدم مصالحهم طوال الثلاثين عاما في منطقة الشرق الاوسط، فحالة الرئيس السابق مبارك الصحية والنفسية تأثرت سلبا من الاتهامات العديدة الموجهة ضده وضد زوجته وابنيه علاء وجمال بعد الثورة، بجانب اكتئابه الشديد وبكائه خلال التحقيقات واحدة تلو الاخرى جعلت حالته الصحية والنفسية سيئة للغاية بعدما كان رئيسا ذا شخصية قوية، فكيف لرئيس دولة يتمتع بسلطة ونفوذ سياسي يتم التحقيق معه مثل المجرمين فجأة؟! منذ اوائل ايام اندلاع الثورة المصرية، وحتى قرار تنحيه ومبارك لا يهتم بتحذيرات مقربيه من تداعيات ثورة يناير بل حتى بعد قرار اقامته في مدينة شرم الشيخ مع عائلته إلى ان انتهى المطاف به في المستشفى وربما يرجع ذلك إلى الكاريزما العالية التي كان يتمتع بها جعلته لا يصدق واقع الحال الذي انتهى به بعد ان خدم بلاده حوالي 46 عاما ودافع عنها ومثلها في الكثير من المحافل المحلية والدولية، وبالتالي اصيب بخيبة امل رافقتها ازمات صحية متتالية، كذلك بقاؤه في المستشفى فترة طويلة على ذمة التحقيقات وهو بعيد عن اسرته جعلته يشعر بحسرة ويتعرض لازمات قلبية استلزمت الطاقم الطبي العناية والمراقبة له، احضار جهاز للصدمات الكهربائية لتنشيط القلب، وهذا ادى إلى انتشار المزيد من الاشاعات في الشارع المصري والمواقع الالكترونية المختلفة تمركزت حول مصير حالته الصحية في المستشفى.
لقد اكتشف الفريق الطبي المعالج للرئيس المخلوع حسني مبارك عن زحف الخلايا السرطانية من قولونه إلى بقية اعضاء جسده وهو ما ينذر بدخوله مراحل متأخرة هي الاولى من نوعها منذ دخوله مستشفى شرم الشيخ الدولي للعلاج ولكن استبعد الفريق المتابع لحالته الصحية اخضاع مبارك للعلاج الكيماوي بسبب ضعفه العام اضافة إلى اضطراب الوظائف الحيوية لديه، ما يعني ان امكانية تحمله للجراحة في غاية الصعوبة وتتطلب المجازفة وقد تدخل في علم الغيب! ولكن اوساطا طبية ترى ان من الممكن انقاذ مبارك من الوضع الصحي السيئ من خلال الاستعانة بجراح الاورام الالماني هينز ديكتشر وهو الذي قام باجراء عملية دقيقة له في القولون في احد المستشفيات الالمانية قبل الثورة الشعبية في مصر، في حين ان التقرير الطبي الاخير لمبارك يشير إلى ان حالته النفسية السيئة كانت وراء اضعاف جهاز المناعة لديه فانتشرت الخلايا السرطانية في جسمه كالنار في الهشيم.
هناك تخوف كبير في ان يدخل مبارك مرحلة ما قبل الوفاة بعد دخوله في غيبوبة متكررة في الايام الماضية الاخيرة... ما يعني ان امكانية نقله للمحاكمة في القاهرة اصبحت مستحيلة وغير ممكنة، بينما اوساط طبية قريبة من الرئيس السابق مبارك تؤكد لوسائل الاعلام ان الحالة الصحية له مستقرة نسبيا الا ان الواقع يقول عكس ذلك تماما... بعد ان خضع مبارك لعملية جراحية في مدينة هايدلبرغ الالمانية عام 2010 لاستئصال الحوصلة المرارية وزائدة في الاثنى عشر كان المفروض منه متابعة حالته الصحية بين فترة واخرى الا ان انشغاله في تداعيات الثورة الشعبية الاخيرة اثرت على حالته الصحية والنفسية مباشرة وجعلته يدخل في نوبات الاكتئاب والازمة القلبية على فترات متقاربة ما استدعى الفريق الطبي للبقاء معه حفاظا على حياته... ولكن في مطلع اغسطس المقبل سيواجه الرئيس المخلوع حسني مبارك تهمة قتل المتظاهرين وانتشار الفساد في البلاد غير انه غير قادر صحيا في مواجهة هذه التهم، لانه مصاب بسرطان في البطن والمعدة، والاورام تتفاقم في جسمه ما يعني ان وضعه الصحي الحالي الحرج لا يسمح بتاتا لنقله إلى السجن او اجراء اي تحقيق معه قد يضره اكثر مما ينفعه... وزير الخارجية المصري السابق احمد ابو الغيط يقول انه التقى الرئيس السابق حسني مبارك في 9 فبراير الماضي، اي قبل خطاب التنحي بيومين، ولم يلحظ على وجهه اي علامات او بوادر تشير إلى تفكيره في اتخاذ قرار التنحي، مضيفا ان كبرياء مبارك منعه من الهروب خارج مصر رغم تلقيه عروضا كثيرة!
ويبقى السؤال هنا: هل سيواجه الرئيس السابق حسني مبارك حكم الاعدام في حال ادانته، ام ان حالته الصحية والنفسية الحرجة ستغير مجرى الاحكام؟ ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com