والأحزاب على الورق كالورد في البستان، ما أن تقطفها حتى تذبل وتموت... وكل الأحزاب مثالية في أفكارها إنسانية في أهدافها. ولكن، آه وألف آه من ولكن هذه، فإنها تفتح عمل الشيطان، فتحيل الجمال إلى قبح، والعدل إلى ظلم، ورفاهية الشعوب إلى بؤس وشقاء، فهي تمسك لك الشمس بيد، والقمر بيد أخرى، والحقيقة أنها تمسك لك الجزرة بيد والسوط باليد الأخرى، وعندما تصبح في سدة الحكم تأكل هي الجزرة وتجلدك بالسوط.
واقرأ مبادئ أي حزب شئت، ستجده سيلاً من الأمنيات العذبة التي ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، وسواء كان هذا الحزب دينياً أو شيوعياً أو اشتراكياً أو قومياً أو بعثياً فإنك لن تختلف معه، والمواطن البسيط مطية الحزب، والحزب مطية السياسيين، والوطن مطية الجميع، وقديما قال ابن خلدون «آفة العرب حب الرياسة». وأنا أقول التياسة.
والأحزاب لا بد منها إذا أردنا الديموقراطية، ولكنها قد تحيل الديموقراطية إلى ديكتاتورية كما حدث مع موسوليني في ايطاليا، وهتلر في ألمانيا، وعبد الناصر في مصر، والأمثلة كثيرة والعبر أكثر.
وفي عام 1947 تشكلت النواة الأولى لحزب «البعث» السوري على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار وممدوح البيطار، وفي أوائل الخمسينات تشكل حزب «البعث» العراقي على يد فؤاد الركابي وعدد من العراقيين، ولأن العرب لديهم فيروس قومي من النوع النادر، انتشرت فكرة «البعث» في البلاد العربية انتشار النار في الهشيم فصار في كل بلد عربي حزب أو خلية «بعثية».
وميشيل عفلق سوري مسيحي، تخرج في جامعة السربون في فرنسا، ومن هناك نقل لنا فكرة حزب الإحياء الإيطالي وجاء يطبقه في العالم العربي، والغريب أن الأفكار والكتابات التي تركها ميشيل عفلق، كانت كلها تدور حول ضرورة حرية الكلمة، واحترام حقوق الانسان، والاهتمام بالطبقة الفقيرة، وهلم جر من الكلام الذي نسمعه كل يوم، ولكنه ترك الجمل بما حمل، فما أن تسلم حزب «البعث» السوري الحكم حتى هرب من وطنه وتبرأ من حزبه، بل ضاقت به آسيا والعالم القديم وذهب إلى أميركا اللاتينية هربا من مطاردة رفاقه في الحزب! إلا أن القدر كان له في المرصاد، وقبل دعوة الرفيق صدام وذهب إلى العراق، وعندما وطئت قدماه العراق عرف أنه لا بعث إلا بعد الموت، ووضع تحت الإقامة الجبرية إلى أن مات في العام 1989 لاعناً «البعث» والساعة التي بعثته إلى الحياة. وما حصل لمؤسس حزب «البعث» السوري حصل لفؤاد الركابي مؤسس حزب «البعث» العراقي، واكل «البعث» من منظميه وكوادره ما لم تأكله حروب الأمة العربية.
وفي أوائل الستينات من القرن الماضي حقق حزب «البعث» أحلامه وتسلم السلطة في العراق وفي سورية، ولكن الأفكار شيء والواقع أشياء أخرى، ورغم أنهما بعث إلا أنهما في الحقيقة الموت بعينه،وقد درس «البعث» جيدا سيرة الانقلابات العربية، وعرف أن الحزب لن يستمر في الحكم وهو بلا أنياب، وهي الفكرة نفسها التي قامت عليها فرق مثل ذوي القمصان السوداء للحزب الايطالي الفاشستي، وذوي القمصان البينة للحزب النازي الألماني.
ولكن أخطر ما قام به «البعث» هو توريط الشعب في أفعاله وتحويله إلى مليشيا «بعثية»، وقد شكل صدام حسين 17 جهازاً عسكرياً خاصاً غير الحرس الجمهوري والجيش لحماية حكمه في العراق، وعادة ما يحرص «البعثيون» على إضعاف الجيش او (بعثنته) أي جعل قياداته «بعثية»، وفي المقابل تقوية الحرس الجمهوري الذراع العسكرية لـ «البعث» وهو جيش على احدث الطرز ليكون رادعاً لأي تحرك قد يفكر به الجيش، وإذا خلطنا هذه الظروف مع ظروف التركيبة السكانية والطائفية والثقافية في العالم العربي فإننا نحصل على حزب من الأسمنت المسلح الذي تصعب إزالته.
ورغم ذلك فإن المستحيل كلمة لم يعد لها وجود في قواميس اليوم، فالاتحاد السوفياتي لم ينج من التغيير، وجهاز الـ «كي جي بي» تحول إلي كبابجي، وأوروبا الشرقية تحولت إلى الديموقراطية، ولم يذكر لنا التاريخ حزباً انتصر على شعبه، والتغيير هو سر بقاء الحياة على هذه الأرض.
فهيد البصيري
fheadpost@gmail.com
واقرأ مبادئ أي حزب شئت، ستجده سيلاً من الأمنيات العذبة التي ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، وسواء كان هذا الحزب دينياً أو شيوعياً أو اشتراكياً أو قومياً أو بعثياً فإنك لن تختلف معه، والمواطن البسيط مطية الحزب، والحزب مطية السياسيين، والوطن مطية الجميع، وقديما قال ابن خلدون «آفة العرب حب الرياسة». وأنا أقول التياسة.
والأحزاب لا بد منها إذا أردنا الديموقراطية، ولكنها قد تحيل الديموقراطية إلى ديكتاتورية كما حدث مع موسوليني في ايطاليا، وهتلر في ألمانيا، وعبد الناصر في مصر، والأمثلة كثيرة والعبر أكثر.
وفي عام 1947 تشكلت النواة الأولى لحزب «البعث» السوري على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار وممدوح البيطار، وفي أوائل الخمسينات تشكل حزب «البعث» العراقي على يد فؤاد الركابي وعدد من العراقيين، ولأن العرب لديهم فيروس قومي من النوع النادر، انتشرت فكرة «البعث» في البلاد العربية انتشار النار في الهشيم فصار في كل بلد عربي حزب أو خلية «بعثية».
وميشيل عفلق سوري مسيحي، تخرج في جامعة السربون في فرنسا، ومن هناك نقل لنا فكرة حزب الإحياء الإيطالي وجاء يطبقه في العالم العربي، والغريب أن الأفكار والكتابات التي تركها ميشيل عفلق، كانت كلها تدور حول ضرورة حرية الكلمة، واحترام حقوق الانسان، والاهتمام بالطبقة الفقيرة، وهلم جر من الكلام الذي نسمعه كل يوم، ولكنه ترك الجمل بما حمل، فما أن تسلم حزب «البعث» السوري الحكم حتى هرب من وطنه وتبرأ من حزبه، بل ضاقت به آسيا والعالم القديم وذهب إلى أميركا اللاتينية هربا من مطاردة رفاقه في الحزب! إلا أن القدر كان له في المرصاد، وقبل دعوة الرفيق صدام وذهب إلى العراق، وعندما وطئت قدماه العراق عرف أنه لا بعث إلا بعد الموت، ووضع تحت الإقامة الجبرية إلى أن مات في العام 1989 لاعناً «البعث» والساعة التي بعثته إلى الحياة. وما حصل لمؤسس حزب «البعث» السوري حصل لفؤاد الركابي مؤسس حزب «البعث» العراقي، واكل «البعث» من منظميه وكوادره ما لم تأكله حروب الأمة العربية.
وفي أوائل الستينات من القرن الماضي حقق حزب «البعث» أحلامه وتسلم السلطة في العراق وفي سورية، ولكن الأفكار شيء والواقع أشياء أخرى، ورغم أنهما بعث إلا أنهما في الحقيقة الموت بعينه،وقد درس «البعث» جيدا سيرة الانقلابات العربية، وعرف أن الحزب لن يستمر في الحكم وهو بلا أنياب، وهي الفكرة نفسها التي قامت عليها فرق مثل ذوي القمصان السوداء للحزب الايطالي الفاشستي، وذوي القمصان البينة للحزب النازي الألماني.
ولكن أخطر ما قام به «البعث» هو توريط الشعب في أفعاله وتحويله إلى مليشيا «بعثية»، وقد شكل صدام حسين 17 جهازاً عسكرياً خاصاً غير الحرس الجمهوري والجيش لحماية حكمه في العراق، وعادة ما يحرص «البعثيون» على إضعاف الجيش او (بعثنته) أي جعل قياداته «بعثية»، وفي المقابل تقوية الحرس الجمهوري الذراع العسكرية لـ «البعث» وهو جيش على احدث الطرز ليكون رادعاً لأي تحرك قد يفكر به الجيش، وإذا خلطنا هذه الظروف مع ظروف التركيبة السكانية والطائفية والثقافية في العالم العربي فإننا نحصل على حزب من الأسمنت المسلح الذي تصعب إزالته.
ورغم ذلك فإن المستحيل كلمة لم يعد لها وجود في قواميس اليوم، فالاتحاد السوفياتي لم ينج من التغيير، وجهاز الـ «كي جي بي» تحول إلي كبابجي، وأوروبا الشرقية تحولت إلى الديموقراطية، ولم يذكر لنا التاريخ حزباً انتصر على شعبه، والتغيير هو سر بقاء الحياة على هذه الأرض.
فهيد البصيري
fheadpost@gmail.com