كل شجرة أصلها بذرة... ومعظم النار من مستصغر الشرر. هكذا هي نواميس الحياة التي لا تتغير، مهما اختلف الزمان والمكان والظرف. السياسيون عندنا حكومة وأعضاء برلمان وتجمعات سياسية بذروا بذوراً يجنون ثمارها الآن سواء كانت بذوراً وثماراً صالحة أم طالحة. المسألة سواء... نواميس الحياة لا تفرق بينهما، يجب أن نعترف بالحقيقة المرة... الفساد المالي والإداري عندنا صناعة حكومية بامتياز، بذرت الحكومة بذرته لتحقق مصالحها مع الغير، وقد كان، لكنها اليوم تتجرع مرارة كأسه، وهي لا تعرف كيف تتخلص من شجرة الفساد التي كبرت وكانت تظنها لا تزال بذرة صغيرة بذرتها.
تفرق المجتمع، غياب الحس الوطني، التراخي في أداء الواجبات، التسيب الوظيفي، عدم الانجاز، وغير ذلك، كلها كانت بذوراً صغيرة لكنها اليوم أشجار تحتاج لجهود جبارة لاقتلاعها، وكلها مسؤولية الحكومات لأنها هي صاحبة القرار لا من يستفيد من هذه البذور.
عادة نحن لا نتكلم عن الحكومة، لسبب بسيط جداً أننا مللنا انتقادها وهي لا تسمع، وثانياً لأنها مسؤولة عن أدائها، أما نحن فمسؤولون عن أدائنا، وأقصد بـ «نحن» الشعب، أعضاء برلمانه، كوادر تجمعاته السياسية، مثقفيه... نحن كلنا مسؤولون عن أنفسنا، نحن أيضاً بذرنا بذراً نجني ثماره العلقم.
الخروج عن الآداب العامة في الانتقاد والإهانة والسب الذي يتعرض له النواب هو نتاج طبيعي لأسلوب اتبعه النواب أنفسهم... كيف هذا؟ أول من خرج عن حدود النقد المباح وقاموا يكيلون ألفاظ الإهانة والسباب لخصومهم هم النواب، بذروا هذه البذرة في المجتمع، وكبرت البذرة لتصبح شجرة، أصبح كثير من أبناء المجتمع يستخدمون ألفاظ الإهانة والتجريح على أنها من حقوق الانتقاد، انقلبت الكفة على النواب أنفسهم، أصبحوا يواجهون سيلاً من ألفاظ التجريح والإهانة وباتوا يقاضون من يتعرض لهم، ويطلقون أسماء كـ «الإعلام الفاسد» لكل من يتعرض لهم بالأسلوب ذاته الذي يستخدمونه هم ضد الوزراء أو ضد خصومهم.
الضرب الذي حصل في مجلس الأمة نتاج طبيعي لمقدمات موجودة أهمها أسلوب التخاطب المتدني الذي يستخدمه السياسيون.
هذه البذور السابقة رأينا ثمارها وتجرعنا مرارها، والآن يزرع فينا سفهاء السياسة بذوراً جديدة، وما أبشع ثمارها لو تركنا هذه البذور تكبر... انهم يزرعون في المجتمع بذور سقوط البديهيات في دستورنا وأعرافنا تجاه مؤسسات الحكم، يثيرون مسألة الحريات على أنها حريات مطلقة لا قيود عليها أبداً... وسوف يجني المجتمع أسوأ الثمار من هذه المبادئ الهدامة.
أقول بكل أسف هناك مسائل دستورية وقانونية أصبحت تثار بطريقة سطحية وغريبة وترسخ لدى الشباب، وبالمقابل يتلقاها جيل الشباب على أنها شيء جديد في حياته لم يكن يفهمه من ذي قبل. لا يهمنا ماذا سيجني السياسيون من سوء الثمار فهم يلاقون جزاء ما زرعت أيديهم، ما يهمنا هو «الغث» الذي سينتشر في المجتمع، والأشجار الخربة التي ستظل بظلالها على أجيالنا القريبة وليست البعيدة، هذه البذور المسممة إن لم نقف بوجهها الآن ونقلعها من أرضها فانها ستكبر وسيصعب حتى السيطرة على مخلفاتها.
قلت في البداية أني لن أوجه كلامي للحكومة... لأنها لم تعد تسمع، لكنا نحن مسؤولون عن أفعالنا... سياسيونا يواجهون الأخطاء الحكومية باخطاء أكبر منها بكثير، وعواقب أفعالهم تلك أشد ضراوة من عواقب أفعال الحكومة.

محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
yousef-8080@hotmail.com