يبدو أن ظاهرة التجسس أصبحت موضة في العالم بعدما غزت هذه الظاهرة معظم الدول العربية والإسلامية إلى أن طالت الخليج، فبعد التجسس الإيراني في الخليج ظهر على السطح المصري تجسس إسرائيلي جديد فريد من نوعه عن طريق ضابط مخابرات إسرائيلي يدعى إيلان تشايم جرابيل دخل بلاد مصر بتأشيرة مزورة باعتباره مراسلا صحافيا لإحدى الجرائد الأجنبية من الولايات المتحدة الأميركية وكان في انتظاره مجموعة من المراسلين الأجانب الآخرين الذين جمعته بهم اتصالات مسبقة ثم تطورت إلى نشاطات تجسسية موسعة، ولكن بعد أداء مهمته التجسسية بتفان واخلاص ألقت المخابرات المصرية القبض عليه في أحد فنادق القاهرة، وطبعا حكومة اسرائيل بدورها وكعادتها تنكرت للجاسوس منذ الساعات الأولى، وفي أول ردة فعل على خبر القبض عليه أعلنت إسرائيل أن ما أعلنته مصر هو مجرد ادعاءات وأكاذيب دون أن تقدم أدلة... وطبعاً هذا ليس بجديد عليها!
ولكن المضحك هنا التصريح من مصدر رسمي بوزارة الخارجية الإسرائيلية على أن أنباء القبض على جواسيس إسرائيليين في مصر أصبحت كثيرة وبصورة مشبوهة، وان تل أبيب اعتادت على ظهور هذه الأنباء مرة كل شهر وهي تخرج بين حين وآخر بلا أي مبرر... حقاً انه عذر أقبح من ذنب!
ورداً على التصريحات العنترية الصهيونية نشرت مصر تفاصيل جديدة حول هذا الجاسوس وألاعيبه المكشوفة، أثبتت من خلالها ادانته بالوثائق والمستندات والشهود إضافة إلى أقواله واعترافاته، حيث انه بدأ ينشط في مهامه الأساسية الموكلة اليه من خلال قياس ردود أفعال المصريين تجاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة والشرطة ويريد الوقيعة بين الطرفين عن طريق استغلال هذه الحالة والعمل على اشعالها إلى الأسوأ والتحريض لأعمال شغب متفرقة في البلاد، ومن خططه الشيطانية أنه يرغب في تجنيد مصريين للتعامل معه ومع «الموساد» الإسرائيلي والتنقل بين أماكن حيوية مهمة في مصر أبرزها ميدان التحرير ومصر الجديدة وميدان مصطفى محمود وأيضاً في مساجد المحافظات للجلوس مع الإخوان المسلمين وغيرهم وذلك لرصد حركات وتفاعلات الجمهور المصري وتسجيل رأي مؤيدي ومعارضي الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك والقوات المسلحة رغم أنه شوهد مرات عدة في ميدان التحرير الجمعة قبل الماضية!
وكذلك كان متواجدا في منطقة ماسبيرو وشهد اعتصام الأقباط المحتجين وإحراق الكنائس وساهم في اشعال الفتنة الطائفية التي شهدتها منطقة إمبابة في مايو الماضي، ويؤكد ذلك اعتراف مواطنين بالمشاركة في أحداث الفتنة الطائفية أثناء الثورة بتكليف وتمويل من المتهم مستغلا حالة الفوضى والفقر هناك، وكشف مصدر أمني أن ضابط «الموساد» الإسرائيلي إيلان كان يهدف للتحرك على جميع المناطق والجبهات بين عدد من المحافظات الحدودية أبرزها محافظة شمال سيناء وتحديدا منطقة العريش لمتابعة مجريات الأمور بين المصريين والفلسطينيين ومراقبة خطوط الغاز وكيفية اشعالها ورصد ردود أفعال الطرفين حول فتح معبر رفح الحدودي واستمرار عمليات التهريب عبر الأنفاق من خلال مهنة الصحافة، هذا وقد تم اكتشاف شبكة من الاتصالات تجمعه مع آخرين كشفها جهاز اللاب توب والهواتف المحمولة المضبوطة مع المتهم الإسرائيلي داخل غرفته بأحد الفنادق الضخمة، وهو ما جعله يعترف بالمزيد من التفاصيل التجسسية كان أهمها جمع معلومات عن مجريات الشارع المصري وتفاعلاته ونشاطاته والرغبة في إحداث وقيعة بين الجيش والشرطة المصرية وتجنيد بلطجية للتعامل مع «الموساد» الإسرائيلي.
إن اكتشاف هذا الضابط الإسرائيلي مبكراً هو بمثابة جرس إنذار مبكر لما تخطط له الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الثورة الشعبية في مصر، وبالتالي فإن قرار حبسه على ذمة التحقيق بتهمة التخابر والإضرار بمصالح البلاد سيكشف المزيد من المعلومات والأدلة الدامغة الخطيرة، وسيتم رصد أحداث سياسية وأمنية واقتصادية سرية قد تؤثر بعمق على العلاقات المصرية - الإسرائيلية وانعكاساتها، نعم انها الضربة الموجعة التي وجهها جهاز المخابرات المصرية وسلطات الأمن إلى رؤوس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية بعد قيام الثورة الشبابية، فهل ملف التجسس الإسرائيلي سيدخل البلاد نحو المزيد من التأزم والانتكاسة؟ لكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com