حلمت، والله يستر من أحلام هذا الفترة، بأنني كنت أسير في عاصمة الكويت ولا أرى كويتياً واحداً، وانتقلت إلى غير العاصمة من المناطق الأخرى التي كانت إلى عهدٍ قريب عامرة بأصحاب الدشاديش والغتر، فلم أرَ إلا المقيمين والأجانب من كل جنس ولون وعرق وجنسية! فلا السالمية هي السالمية التي أعرفها، ولا الجهراء هي الجهراء التي أذكرها، ولا حتى الفحيحيل هي تلك المنطقة التي عرفتها! فكل ما في بلادي لا يدل على أهلها فلا أثر لتاريخ ولا لمحة لماض ولا عنوان واضحاً لحاضر! في كل جزء منها صورة من بلادٍ أخرى، فهذه نسخة مصغرة من الشانزليزيه الفرنسي، وذلك اقتباس معدل لأسواق ليكسنغتون النيويوركية، وتلك صورة مكررة من أحياء الصين الشعبية، وبحثت عن صورة بلادي وأهلها في كل زواياها فلم أجد لبلادي في بلادي ذكراً! ضعت في وسط تلك البنايات الشاهقة كلها الممتدة لتصافح غيم السماء، وقضيت نهاري أبحث عن ذلك المواطن، وكأني أبحث عن إبرة في كومة قشٍ اختلطت بنصف طنٍ من الرمال الناعمة! ولكنني في نهاية المطاف وفقت في إيجاد ذلك العنصر النادر والمغيب، فوجدته منزوياً في أحد تلك المقاهي المنسية، والتي لم تطلها يد التغيير والتطوير، سألته ما الذي جرى؟ أين أنتم؟ بل أين بلادي؟ نظر إليّ وعينه مكسورةٌ بذل الخوف وصدمة السؤال وقهر الرجال وقال: نحن موجودون ولكننا مبعثرون هنا وهناك في شمال البلاد وجنوبها، تسيد البلاد غرباؤها فأصبحوا أهل البلاد وأصبحنا نحن فيها الغرباء! تزينت المدن بالشوارع الجميلة ولفظتنا إلى شوارعها الخلفية، اعتلت مبانيها وارتفعت وأنزلتنا في سراديب التجاهل والجهل! فلم نعد نعرف ما إذا كانت هذه البلاد لنا أم لغيرنا! ارتفع فيها كل شيء وهبط الإنسان! أصبحنا نعيش في محيطٍ اسمنتي يحبسنا وأصبح لكل شيء ثمن يشترى به، من ذمم الرجال وحتى لوحات المركبات! شيدوا المباني وأهملوا البشر!سألته وأنا أرى المقاهي الحديثة في كل مكان والأسواق الجميلة مزدحمة بالمتسوقين: لماذا لا تفرح وبلدنا الآن أصبح قبلة السياح ومركز المهرجانات وهدف المستثمرين من دول العالم كلها؟ لم يطل التفكير في جوابه الذي ألقاه بعفوية واضحة وقال: ليتهم تركوا لي حريتي ودوري ووضعي وشأني ولم يأتوا بسياحهم ومهرجاناتهم وجميع مستثمريهم! فلا ألف ألف مهرجان تسوق يعوض حريتي وقدرتي على إدارة شؤون بلادي، ولا ألف ألف مستثمر يعادل غياب لحظة واحدة من إرادتي وسيادتي على بلادي! فمجلسنا الذي كنا نراه وسيلتنا للمشاركة في حكم بلادنا، استبدلوه بمجلس شورى لا يجتمع إلا بأمر ولا ينفض إلا بأمر، وما بين الأمر والأمر فراغ قاتل وإجماعٌ على حسن أداء الممثلين وإتقانهم الأدوار المرسومة لهم! نظرت إليه وأنا أتساءل: ما الذي حدث لنظام الانتخابات والديموقراطية والتصويت الذي نعرفه؟ ضحك وعينه تكاد تمتلئ بالدموع وقال: استعاضوا عنه بنظام عجيب وغريب، يسمح لألفين فقط من أبناء الدولة بالتصويت على مرشحين محددين من قبل الحكومة! والمضحك المبكي في الأمر أنهم لم يتركوا لنا الألفين لنختارهم، بل يتم اختيارهم بالاسم من قبل الحكومة! فالعملية من الحكومة إلى الحكومة، ولا عزاء لغير الحكومة!أفقت من الحلم على صوت التلفاز وهو ينقل خطاباً مؤرشفاً لأمير الكويت الراحل عبدالله السالم وهو يقول: «الحياة الديموقراطية هي سبيل الشعب الذي يحترم إرادته في الحياة الحرة، ولا كرامة من غير حرية ولا حرية من غير كرامة»، ونظرت حولي، فوجدت نفسي في الكويت التي أعرفها وتعرفني، فحمدت الله حمداً لا يليق إلا بوجهه الكريم!

سعود عبدالعزيز العصفور

كاتب ومهندس كويتيsalasfoor@yahoo.com