لم يمضِ نهار بعد على إعلان العراق انسحابه تحت نيران التحالف في حرب تحرير الكويت عام 1991م، إلا وكان الشارع الأردني يومها منساقاً مع «الإخوان المسلمين» هناك في حملتهم لمساندة صدام حسين ضد أميركيا والتحالف! ظناً منهم أنه سيحرر لهم فلسطين عن طريق غزوه واحتلاله الكويت! في ذلك اليوم الذي أُعلن فيه الانسحاب كنتُ في عمّان وفي ساعة من النهار دخلتُ أُصلّي العصر في أحد المساجد فإذا برجل يقف بعد الصلاة لِيُحَدِّثَ الناس وبدأ عدد كبير بالانفضاض عنه؛ كان الرجل كما عرفتُ لاحقاً هو الدكتور راجح الكردي؛ وهو من رموز «الإخوان المسلمين» الأردنيين؛ وقف قائلاً: أرى كثيرين ينظرون إليَّ شزراً وآخرين ينظرون إليَّ نظرة عتاب. فقاطَعَهُ رجلٌ من الموجودين قائلاً: يعني حَمَّستونا حتى شُفنا صورة صدّام في القمر، وبعدين تركتونا! لكن الدكتور الكردي تابع قائلاً: يا ناس لَمّا حافظ الأسد اصطدم مع إخواننا السوريين وقفنا إلى جانبهم ضد حافظ الأسد، واليوم لو حافظ الأسد يعلن الحرب على إسرائيل نحن سنقف إلى جانبه ضد إسرائيل.. يعني الموضوع أولويات. انتهى كلام الكردي ولم تنته قصة العرب مع فهمهم لأولوياتهم؛ فلا تسرُّعُ «الإخوان المسلمين» في سورية في حمل السلاح على السلطة كان صحيحاً ولا مساندةُ بعض العرب أيامها للـ «إخوان» واعتبار ذلك جهاداً في سبيل الله كان صواباً؛ الصورة نفسُها تكررتْ من جانب السلطة في مصر أيام جمال عبد الناصر، ومن يقرأ «البوابة السوداء» لأحمد رائف يعرف فظاعة ما تعرض له «الإخوان المسلمون» والشيوعيون في مصر من تنكيل وتعذيب على يد الاستخبارات المصرية في عهد عبد الناصر؛ لكن ردود فعل «الإخوان المسلمين» في مصر وردود فعل الشيوعيين المصريين في تلك الفترة كانت مثالاً لضبط النفس رغم الجراح ولم يدفعهم ذلك إلى حمل السلاح على السلطة درءاً لفتنة داخلية تؤدي إلى الفوضى، أما اليوم فاستجابة بعض رجال الدين وبعض رموز الجماعات الدينية إلى التفاعل دون وعي مع الأحداث والاسترسال في ذلك بجرِّ الشارع وتحميسه بلغة خالية من الحذر ومجردة من التدرج والأناة في مخاطبة الناس أمر يبعثر طاقات المجتمع ويهدر أوقاتهم وربما في ظروف خاصة يُودي بحياتهم، نعم بعد سلسلة من التحميس المرتبط بالعاطفة الدينية والعزف على وتر تَلَهُّفِ الناسِ إلى الحرية واسترداد كرامتهم يقع كثير من رجال الدين ورموز الجماعات الدينية في المفاجأة باكتشاف مسار آخر للأحداث على الأرض، فحين ينساق الشارع مع عاطفته الصادقة في اندفاعها والمخطئة في مسارها تأتي صدمةٌ جديدة يكون سببها ضعفٌ في معرفة أين تكمن مصلحة الوطن والأمة أو انعدمٌ أحياناً في ذلك الوعي، ووقتها لا يمكن العودة إلى الوراء، نحن لا ندعو إلى فصل العمل السياسي عن الدين بل ندعو لإعطاء الخبز لخبَّازه؛ فليس كل قيادة سياسية لديها ذلك الوعي الكافي لأخذ خط رجعةٍ أو استدراك للأمور، وليس الوعيُ السياسيُّ غائباً عن كلِّ شخصية دينية، ولكن سجَّلتِ الأحداثُ الأخيرة في المنطقة ضعفاً شديداً في الوعي لدى كثير من القيادات السياسية العربية فضلاً عن ضعف مؤسف في الوعي لدى معظم رجال الدين ورموزٍ دينية على امتداد بلاد العرب، علينا أن نتتبع تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية منذ ثورة الياسمين في تونس وتصريحات وخطابات أوباما منذ زيارته القاهرة إلى خطابه الأخير قبل أيام وتعهُّده بضمان أمن إسرائيل؛ وأنَّ أميركيا ستكون إلى جانب إسرائيل في أي معركة مقبلة، حين نتتبع ذلك كله سيكون من السهل معرفة الهدف من السعي الأميركي نحو إعادة تشكيل المنطقة؛ ولعله من الصعب إعادة التشكيل السياسي في المنطقة العربية من دون إعادة تشكيل العقول باتجاه سلام مع إسرائيل في دولة فلسطينية أهمُّ ما فيها كما أخبر أوباما أنها منزوعة السلاح مثل سيناء تماماً، بالتأكيد لن يتم ذلك إلاّ حين تصبح العقول كلُّها منزوعةَ الوعي، حينها فقط لن يكون هناك أي مانع من الرضوخ لإسرائيل دون شروط.


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com