ألف، خاء، ميم، ياء، ميم...ثمة شيء رسخ عندي بمجرد سماع الاسم قبل أن أدخلها أول مرة، ثم أثناء ترددي عليها، حتى استقراري بها مدة قبل استئنافي في الخارجة الى البر القبلي، في المنطوق شيء، في التدوين شيء، موقن، وأثق بمثوله، قيامه، تحققه، في حيز ما، يشقّ علىّ تعيينه أو تحديده، يغمض علىّ فكيف أصفه أو أتحدث عن سمته، غير أن يقينا ما يؤكد وقوفي يوما على قبس منه بحلول توقيت معلوم.أخميمقبل وفادتي تلك نزلته أول مرة في منتصف العقد السادس من القرن العشرين الذي قدّر لظهوري أن يكون فيه، بالتأكيد ثمة شيء بدأ عندي مع بلوغي لها، ربما عند سماعي الاسم، أرى وضعي اذ أصغي الى «أخميم» تتغير وجهتي، تتبدّل طلتي، أوجّه نفسي صوب مالا أدريه، ثمة طبقات مبهمة، الظاهر منها ما عاينته عندما قصدته أول مرة في مهمة تتصل بعملي وقتئذ، تدقيق ألوان النسيج، حريرها المشهور باعتباري متخصصا في صباغة الخيوط من قطن وصوف وكتان، جئتها مكلفا بأمر، أما المضمر فاستيعاب ومعاينة ومعايشة ما لم أعرفه من أرض محددة أنتمي اليها بعض من الغاربين، عرفتها من قراءة أوصاف الرحالة والمؤرخين وأحاديث الناس في قريتي، مسقط رأسي، عندما يتحدثون عن البلاد الواقعة شرق النهر، عن ضيق مساحة الأرض، عزلة القرى والمدن، عدا أخميم، غير أن بداية توجهي قبل أن أصلها مع تعرفي على سيرة ذي النون الأخميمي وسعيي اليه، قبل الطريق الشرقي جئتها من الغرب، محطة القطار في مدينة سوهاج تخلو من الملامح، منها يمتد الكوبري الضيق الى الشرق، اليها، أنشئ في الخمسينات، كان مطلبا للقوم منذ سنوات بعيدة، وعد المرشحون من الأحزاب المختلفة بالعمل على انجازه، غير أنه لم يتحقق الا بعد الثورة بعد زيارة قام بها رجال من قادتها عانوا مشقة عبور النهر العاتي الهادر، المتسع في تلك الناحية، تمكن شيخ مهيب له رهبة وتأثير من انتزاع وعد وتوقيت محدد لبناء التنفيذ، غير أن الجسر ضاق عن حركة المرور مع توالي السنوات فتجدد المطلب بضرورة مد آخر، أفسح وأمتن.الآن، بعد كل ما عرفته وما جرى عندي، يمكنني تحديد ما أدركني عند ولوج المدينة، بدء ايغالي في شوارعها الضيقة، نواصيها المباغتة، دورها المتداخلة مع المساجد والكنائس ومصانع النسيج العتيقة بأنوالها المعقدة التراكيب، الكثيفة الخيوط والميراث، خيوط تبدأ من وفرة ورق التوت وسعي دود القز، والتشرنق والتحوّل من صورة الى أخرى، انه حرير أخميم العتيق، مزخرفاته المتوارثة من أزمنة سحيقة، عاينت تنفيذها على أيدي اناث شابات، معظمهن قبطيات، بعضهن تركن في روحي وشما لمجرد النظر، عيون متطّلعة، نافذة، خجلى، داعية، واهية، مستنفرة، مدركة لقصر اللقيا وعبورية اللحظة، استحالة الرّي والتواصل، لذلك يودعن جُل مضمونهن، ما خفي منه وما ظهر في رسائلهن المكثفة عبر الأحداق، لم تخطئني قط ولم أفتها، بعضهن مازلن يتطلعن عندي والىّ حتى الآن، تماما كما رأيتهن، بالرغم من مرور 4 عقود أو أكثر، غير أن ما صار الى يقين لا يداخله شك أن ثمة مدنا أخرى متداخلة على ما يظهر، ما نراه بالنظر، ربما عدم استواء المدينة، طلوعها ونزولها، ربما ذلك العمق الذي ظهر بعد اكتمال الحفائر قرب الجبانة، وظهور ميريت آمون، المدن المتعددة قائمة، لكن ثمّة أسئلة بلا أجوبة حتى الآن، كم عددها؟ هل تتداخل في بعضها البعض بما في ذلك ما ظهر، ما نقدر على معاينته؟ أم تتوالى فوق بعضها البعض تحت الأرض، في كل منها يسعى سيدي ذو النون الذي كان عالما بالمصرية القديمة، أو كما وصفها العرب، قلم الطير، انطق اللفظ أحيانا بصورته القديمة «رنّ»، «رنّ» يعني اسم، واسم يعني «رن» ثمة شيء مرتبط به، بالمدينة، ما خفى أكثر مما يظهر، لا ينكشف منها للعابر الا جزء يسير، مجتزأ من درب خفي طويل، في كافة المصادر المدونة والمنطوقة اجماع على وجود مدن مطمورة، فقط ما تحتاج لظهورها الحفر والتنقيب، معظم الرحّالة الذين جاسوا في أزقتها وصفوا ما لم نعد نراه اليوم، أين اختفت وكيف؟ أين البربا الشاسعة التي وصفها ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما من الجوّابة، الرحالة، عاينوها بأنفسهم، لم يمض على مجيئهم زمن طويل، فقط.. سبعمئة سنة أو ما يقاربها، أين اختفت الأعمدة والبوابات والصروح؟مما سمعته أول مرة من بعض الأهالي الثقات أن مغربيا متقدما في العمر، وصلها في غير الأوان، المعتاد ظهور الساعين الى الحج، يجيئون فرادى وجماعات، بعضهم يضلّ أو ينقطع أثره تماما أو يستقر في واحة أو قرية اذا لمح أنثى استكان اليها وسكن، لا يغير مصير انسان الا امرأة.
مغربي في البلدمرات أصغيت الى النبأ الذي يعلنه على القوم أول من رآه، الخير يحوي تحذيرا أيضا، ثمة رجل غريب، لكن القوم لا يخشون مجيء المغاربة، بل انهم يتوقعون ظهورهم، بعضهم يتعجله لما عرف عنهم من مقدرة على فتح الكتاب والانباء بما سيكون أو مداواة علل أعيت الحكماء، لثلاثة أيام يحقّ للآتي من بعيد الضيافة، ينزل بمندرة أحد القادرين، يقدم اليه الطعام في مواعيده والشاي والدخان ويرتب له المراقد، صباح اليوم الثالث يسأله صاحب المضيفة عن اسمه وغايته وما وراءه، للمغاربة حظوة وقبول، بعضهم يصل مفردا، يضع القبلة وجهته، لا تعنيه تفاصيل الدروب المؤدية عبر الصحراء، لديهم جميعا علم بتحديد الوجهة، يتقدم باستمرار... المهم أن يتم رحلته الى مكة مشيا على الأقدام، لظهورهم توقيت معلوم، تستغرق الرحلة ستة أشهر في الذهاب ومثلها في الاياب، لذلك ينحصر موعد ظهورهم في موعد معلوم كان يتفق مع بدء خروج الحجاج من أهل البلاد الى مكة، الا أن هذا المغربي اليوم جاء في زمن غير معهود، عندما ظهر كان العائدون من أداء الفريضة قد أولوا ظهورهم للنيل والنخيل والوادي كله مستقبلين الغرب، لا تحتفظ المدوّنات أيا كان نوعها بخبر وصول أحدهم من جهة الغروب في هذا التوقيت، لكن للقادم من بعيد حرمة وله واجب، نزل في المسجد، لزم مكانا قريبا من المنبر، واعتذر لكل من دعاه، كان يحمل زمزمية من فضة تتدلى من كتفه، وأخرى أصغر مشدودة الى وسطه بها نسخة مخطوطة من دلائل الخيرات، تحت ابطه عصا قصيرة سوداء توسّدها في نومه وتأبّطها في يقظته، بعد أن أمضى ليلته خرج في الصباح الباكر، قعد فوق مرتفع مشرف على البربا بما تحويه من أقواس وتماثيل وأعمدة وغرف متداخلة وما حوت من مخفيات شتى، قال بصوت مرتفع سمعه بعض الرعاة: يجب أن يذهب هذا كله الى هناك.بدأ يشير بالعصا، كلما صوّب باتجاه شيء يختفي، في لحظات توارى عن الأبصار ما ظنّ القوم أنه لن يبيد أبدا، لن يجرؤ أحد على مسّه لوجود الأرصاد والطلاسم، كلها تلحق الأذى بمن يتجاوز الحد، كثيرون أضمروا العبث وقصدوا لكنهم تحوّلوا الى أحجار شائهة أو حيوانات ضالة يطاردها الصغار والكبار، اختفى سائر ما وصل اللحظة من عصور شتى، راحت البربا بكل ما حوت لتبدأ التساؤلات: هل شيّعها الى مكان محدد؟ هل أخفاها عن الأنظار والحواس؟ هل يبقيها عالقة في الفضاء الأعلى مسلطة، في أي لحظة يمكن أن تهوي؟ أم أرسلها الى تحت الأرض؟ أم ضرب عليها ستارا خفيّا؟ ما حيّر القوم أجيالا، الوجهة التي أرسل المغربي اليها كافة العمائر وليس استثنائية الفعل، قدرة القادمين من بعيد مفروغ منها، كل ما ينسب اليهم لايشك فيه أحد.أجوس الشوارع الضيّقة، الدروب، الأزقة، لا يستوي أحدها، لابد من منعرج، صعود، هبوط، أوقن أن البرابي لاتزال في أماكنها لكنها مختفية تحت، في موضع ما أسفل هذه البيوت، الوكالات، المساجد، والكنائس، ما يساند يقيني ويقوّيه اكتشاف تمثال مؤنسة الغروب، ذات البهاء والمدج الأنوثي، ميريت آمون، كانت منكفئة على وجهها تحت مستوى الأرض التي يمشي فوقها القوم بعمق لا يقل عن عشرين مترا، للوصول الى حضرتها الآن لابد من النزول.
هل أخفاها المغربي؟لا أدريهل أشار الى الملكة فأسقطها وأخفاها؟ اذا صح ذلك فهذا يعني مجيء لحظة ينكشف فيها شيء آخر، كنت واثقا من وجود كل شيء ولا أعرف مصدر ثقتي تلك، عندما جئت أخميم نويت أن ألزمها هذه المرة، لم أمض فيها ليلة واحدة منذ أن بدأت التردد عليها، كانت خلوا من فندق حتى متواضع، اعتذرت عن قبول ضيافة بعض الكرام لأن صلتي بهم لم تكن وطيدة، هذه المرة كنت أطرح ورائي كل ما فاتني، لا أنظر حتى خلفي ولا أحاول استعادة ما كان الا بمقدار ما أدركني أو مسني من تلك الرياح الهبوب التي تستثير الذكرى وتظهر في ومضات خاطفة بعضا مما كان، لم يكن يعنيني المرقد أو المأكل، أو طول فترات الانفراد مع انعدام الصحبة البادية للآخرين، فعندي الرفقة التي أستغني بها عن كل أحد، ولن يدركها آخر، ما همني مبرر وجودي العابر، الظاهر، لم يغب عني كل ما يمكن أن ينغص علىّ حالي، ويعطل ترحالي، هكذا قصدت صاحبا عرفته قبل احالته الى التقاعد من أبناء المدينة القدامى، بيته مطلّ على النهر، مقيم في مصر.