في إحدى حجاته قيل للإمام جعفر الصادق سلام الله عليه: ما أكثر الحجيج! تعجباً من كثرة الحجاج فأجاب: ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج. إشارة إلى أن من يعيش روح الحج ويتمسك بأخلاقه قلة في وسط ذلك العدد الهائل من الحجاج الذين تتعالى أصوات تلبيتهم بفناء الكعبة المقدسة.
إن ذلك الوصف ينطبق علينا تمام الانطباق حيث يرتفع الصراخ ويقل الفعل في كثير من المواطن، ففي الصحف اليومية وعلى القنوات الفضائية تقابلك سيول من الانتقاد والاحتجاج والذم لمواقف وإجراءات لكن إن طالبت فرسان تلك الأصوات وأصحاب هاتيك الآرء تقديم البدائل النافعة تجدهم عند العطاء قليل. أقول هذا من واقع تجربة شخصية، فحين تزايدت الهجمات والاتهامات داخل المجتمع وتباري البعض في مهاجمة شركائهم في المواطنة أرسلت سؤالاً واحداً لأكثر من خمسين كاتباً صحافياً معروفاً طالباً منهم بيان الثوابت الكويتية التي يتعين على الجميع من كتاب وشخصيات عامة وأصحاب رأي الالتزام بها وعدم تجاوزها فكانت المفاجأة الصاعقة أن عدد من أجابني لم يتجاوز الخمسة من اولئك المحللين والمنتقدين لكثير من الأوضاع العامة والتصرفات الشخصية.
إن قلة الاستجابة تكون متوقعة على قاعدة أن الهدم أسهل من البناء، وأن عملية التحليل والتفكيك أدنى مستوى من عملية التأليف والتركيب، لكن أن يهمل السؤال أو يقابل بالوجوم وعدم التفاعل فهو الشيء المستغرب. طبعاً ليس سؤالي هو الحالة الوحيدة فهناك العديد من المبادرات الحيوية التي لم يكترث لها والأسباب غالبا ما تكون شخصية تافهة.
ثمة حالة ثانية لعدم التفاعل مع البناء من المقترحات أو المشروعات تتجلى في التعاطي مع مؤتمر المواطنة الأول الذي أقيم في العام الماضي وسط ظروف بالغة الحساسية أوجبت انعقاده، فهذا الملتقى الوطني لاقى ما لاقى من مصاعب وعراقيل مفتعلة أمام إقامته لا لشيء بل لأنه انبثق من عقول مواطنين استشعروا المخاطر التي تحيط بالوطن فعزموا بصدق واخلاص لسد بعض الثغرات في سور المواطنة فماذا كانت النتيجة؟ احجام العديد من الفعاليات والوجوه الاجتماعية والإعلامية آنذاك عن المشاركة في ذلك الملتقى والامتناع عن دعمه ومساندته والسبب واضح أن القائمين على الملتقى لم يكونوا منحازين إلى أي جهة تلمع اسم من يشارك بلقاءاتها فحاول بعضهم تجيير المؤتمر له عبر إشرافه عليه وتوجيهه ليكون يافطة لآرائه وتوجهاته. لذا لم يكن ممكناً إقامة المؤتمر هذه العام.
صحيح أن المؤتمر حظي بتغطية إعلامية جيدة حيث تناول أوراقاً مهمة لجوانب متعددة أعدها ذوو الشأن والاختصاص، لكن معظم فرسان القلم وأبطال المواقف الكلامية الزاعقة والمتباكون على الوحدة الوطنية والنادبون لوحدة المجتمع لم يكلفوا أنفسهم حتى بالمشاركة السلبية بالحضور والتواجد، وحتى من اشترك منهم إنما شارك فقط لأن لديه محاضرة وغاب عما سوى ذلك من لقاءات. والشيء نفسه يمكن قوله عن اللقاء المهم الذي أقامته مجموعة تنامي لمناقشة الخطة الانمائية للدولة حيث دعت كل القوى والفعاليات السياسية بالساحة الكويتية لكن حضر منهم أقل من الربع.
تلك المستويات من التفاعل تعكس أنانية سياسية تأبى للمبادرات والمشروعات إلا أن تنطلق من جهات معينة لا غير، فإن جاءت من غيرها أهملت واغفلت. فنحن مجتمع يحسن الكلام لكن يبخل بالإنجاز، ويطنب للنادبين لكنه يحارب العاملين إن جاءوا من فئات أخرى، فالمعيار المستخدم هو «من وراءك» وليس «ماذا لديك»، فكيف يتقدم مجتمع يتعامل بهذا الشكل مع مبادرات ومحاولات ترمي لرفع مستوى الأداء الاجتماعي والسياسي؟
إن قضايا المجتمع لا يمكن ولا يجوز أن تخضع لهذا النوع من التعاطي ولا يجوز أن تكون موضعاً لمناكفات او مساومات من أجل منافع شخصية، كما معالجة السلبيات ليست من مهام جهة دون غيرها فالكل معني بذلك حسب الاستطاعة. إن لدينا ضجيجاً إعلامياً صاخباً في الاحتجاج والانكار والاستنكار ولكن ذلك وللأسف لم يغير من واقعنا شيئاً لأنه لم يتجاوز ذلك المستوى. وعلى ذلك أدعو القيادات التي تربعت على أكتاف جمعيات النفع العام طيلة تلكم الأعوام أن تفسح المجال بل تسلم مواقعها للقدرات الشابة والتي تثبت يوماً بعد يوم تنوع مبادراتها البناءة لانتشال المجتمع من الركود والخمول والتطاحن الذي غدا يشوب العمل السياسي والنشاط الاجتماعي، فقد حل وقت تقاعدها (القيادات) بعد أن قدمت كل ما لديها.

د. محمد القزويني
mw514@hotmail.com